سحب واشنطن قواتها من سوريا يمهّد لهجوم تركي على الأكراد ويدفعهم الى التعاون مع دمشق ويؤكدون أن معركتهم ضد “الدولة الاسلامية” مستمرة.. وترامب: لا نريد أن نكون شرطي الشرق الأوسط دون مقابل.. وبرلين ولندن: القرار الاميركي قد يضر بالمعركة ضد التنظيم الارهابي الذي لم يُهزم بعد

بيروت – واشنطن – برلين- رأس العين- (أ ف ب) – يفتح القرار الأميركي بالانسحاب من شمال سوريا الطريق أمام تركيا لتنفيذ تهديداتها بشن هجوم جديد ضد الأكراد، الذين قد لا يجدون أمامهم، وفق محللين، إلا التعاون مع دمشق للحفاظ على الحد الأدنى من مكتسباتهم.

وأمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء بشكل مفاجئ بسحب القوات الأميركية من شمال سوريا، معتبراً أنّه حقق هدفه بالحاق “الهزيمة بتنظيم الدولة الاسلامية”، في إعلان تدحض صحته قوى غربية ومحللون والقيادات الكردية وحتى الدوائر المقربة من ترامب.

وجاء الاعلان الأميركي بعد أيام من تصعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتيرة تهديداته لأكراد سوريا، مؤكداً عزمه “على التخلص” منهم، بعدما خاضت قواته معارك دموية ضدهم آخرها في منطقة عفرين في شمال البلاد.

وأكد ترامب الخميس أن الولايات المتحدة “لا تريد أن تكون شرطي الشرق الأوسط” في معرض دفاعه عن قراره سحب القوات الاميركية المنتشرة في سوريا.

وقال ترامب في تغريدة “هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شرطي الشرق الاوسط؟ وألا تحصل على شيء غير خسارة أرواح غالية وإنفاق آلاف ترليونات الدولارات لحماية أشخاص، لا يثمنون في مطلق الاحوال تقريبا ما نقوم به؟ هل نريد أن نبقى هناك الى الأبد؟ حان الوقت أخيرا لكي يقاتل الآخرون”.

وأضاف ترامب “روسيا وإيران وسوريا والعديد غيرهم ليسوا مسرورين بخروج الولايات المتحدة رغم ما تقوله الأخبار الكاذبة، لأن عليهم الآن قتال تنظيم الدولة الإسلامية وغيره ممن يكرهونهم، بدوننا”.

وقال “أنا أبني أقوى جيش في العالم على الإطلاق. إذا قام تنظيم الدولة الإسلامية بضربنا فيكون حكم على نفسه بالهلاك”.

وواجه إعلان ترامب المفاجئ الأربعاء بأنه تمت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة، وقراره بسحب القوات الأميركية معارضة شديدة.

وقال ترامب في تغريدات سابقة “الانسحاب من سوريا ليس مفاجأة. أنا أقوم بحملة من أجل هذا الأمر منذ سنوات. وقبل ستة أشهر، عندما أردت أن أفعل ذلك علنا، وافقت على البقاء لمدة أطول”.

واضاف “روسيا وايران وسوريا وغيرهم هم الأعداء المحليون لتنظيم الدولة الإسلامية. وكنا نقوم بالعمل نيابة عنهم. حان الوقت لنعود إلى الوطن ونعيد البناء”.

من جانبها، أكدت قوات سوريا الديموقراطية المدعومة أميركياً الخميس أن المعركة التي تخوضها ضد تنظيم الدولة الاسلامية في آخر جيب يتحصن داخله في شرق البلاد “مستمرة حتى الآن”، رغم إعلان واشنطن قرارها بسحب كافة قواتها من سوريا.

وقال مسؤول المكتب الاعلامي لقوات سوريا الديموقراطية مصطفى بالي لوكالة فرانس برس إن “المعركة حتى الآن مستمرة”، مؤكداً أنّ “احتمال ايقاف المعركة ضد الارهاب متعلق بالتهديدات التركية بالدرجة الأولى” والتي يرجح محللون أن يشكل القرار الأميركي “ضوءاً أخضر” لترجمتها ميدانياً.

من جهتها، اعتبرت برلين الخميس ان القرار الاميركي بالانسحاب الاحادي الجانب من سوريا يمكن أن يضر بالمعركة ضد تنظيم الدولة الاسلامية وأن “يهدد النجاح الذي سُجّل حتى الآن” ضد التنظيم الجهادي.

وقال وزير الخارجية الالماني هيكو ماس في بيان “لسنا الوحيدين في استغراب التغيير المفاجىء في سياسة الجانب الأميركي. لقد تراجع تنظيم الدولة الاسلامية لكن التهديد لم ينته بعد. هناك خطر من أن قرار (ترامب) قد يضر بالقتال ضد التنظيم ويهدد ما تم تحقيقه حتى الان”. وتشارك ألمانيا في جهود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا.

بدورها، اعتبرت الحكومة البريطانية أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يُهزم بعد في سوريا خلافا لما قاله الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاربعاء لدى اعلانه انسحابا أحادي الجانب للقوات الاميركية المنتشرة في البلاد.

وقال الناطق باسم رئيسة الوزراء تيريزا ماي الخميس إن “التحالف الدولي ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) أحرز تقدما كبيرا لكن لا يزال هناك كثير من العمل ويجب ألا نغفل عن التهديد الذي يشكله. حتى بدون (السيطرة على) أرض، لا يزال داعش يشكل تهديدا”.

وأضاف “ما زلنا ملتزمين في التحالف الدولي وحملته لحرمان داعش من التوسع والتحقق من هزيمته نهائيا من خلال العمل إلى جانب حلفائنا الإقليميين الأساسيين في سوريا وخارجها”.

وتشارك بريطانيا في الضربات الجوية التي ينفذها التحالف.

وأكد الناطق أن لندن ستستمر في “القيام بما عليها لحماية البريطانيين والحلفاء والشركاء”.

في المقابل عبر وزير الدفاع البريطاني توبياس الوود عن معارضته للقرار. وقال “لا أتفق البتة مع ذلك. الأمر تحول الى أشكال أخرى من التطرف والتهديد لا تزال ماثلة بقوة”.

ونفى المتحدث باسم ماي معلومات نشرتها صحيفة تايمز الخميس مفادها أن لندن لم تبلغ مسبقا بقرار ترامب.

وقال “نبحث ذلك مع شركائنا الأميركيين منذ أيام”.

وتشاور وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت مساء الأربعاء في هذا الشأن مع نظيره الأميركي مايك بومبيو.

ويقول الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير أوغلو لوكالة فرانس برس إن الاعلان الأميركي “يبدو في هذا التوقيت بمثابة ضوء أخضر لهجوم تركي” مرجحاً أن “تبدأ تركيا هجومها في أي وقت إذا انسحبت القوات الأميركية بالفعل”.

ويوضح أن “من شأن ذلك أن يفتح الطريق أمام تركيا لتبدأ عملياتها ضد الأكراد وستنطلق حرباً دموية.. في منطقة واسعة ذات كثافة سكانية” تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، تحالف فصائل كردية وعربية مدعومة أميركياً.

وقادت هذه القوات معارك عنيفة ضد الجهاديين وتمكنت من طردهم من مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، حيث تخوض معارك منذ أيلول/سبتمبر ضد آخر جيب للتنظيم على الضفاف الشرقية لنهر الفرات في دير الزور.

وشكل المقاتلون الأكراد الذين يعدون العمود الفقري لقوات سوريا الديموقراطية، هدفاً سابقاً لأنقرة التي تصنفهم “ارهابيين” وتعتبرهم امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود.

وبعد تعرض مواقع كردية في شمال سوريا مراراً لقصف تركي، كرّر أردوغان تهديداته في الأسبوع الأخير ملوحاً بهجوم يمكن أن يبدأ “في أي وقت”، مجدداً مطالبته بانسحاب المقاتلين الأكراد من مناطق عدة أبرزها الضفاف الشرقية للفرات.

وتعد علاقة واشنطن بالمقاتلين الأكراد من أسباب التوتر الرئيسية بين البلدين. وارتفعت حدة التوتر مؤخراً بعدما أقامت الولايات المتحدة مراكز مراقبة في شمال سوريا قرب الحدود مع تركيا لمنع الاحتكاك بين القوات التركية والكردية.

– “البديل الوحيد”-

وتزامن إعلان واشنطن عن بدء سحب القوات، ويقدر عددها بنحو ألفي جندي، من دون تحديد جدول زمني لانهاء العملية، مع إعلان واشنطن موافقتها على بيع تركيا صواريخ باتريوت بقيمة 3,5 مليارات دولار، بعدما لوّحت أنقرة بصفقة شراء من روسيا.

ويقول الأستاذ الجامعي والباحث في الشأن السوري جوشوا لانديس في تصريحات لفرانس برس “يبدو أنّ التصعيد التركي قد بدأ يؤتي بثماره”.

ويعتبر أنه يبدو “واضحاًً” أن القرار بالانسحاب “ضربة لطموحات وآمال الأكراد في شمال سوريا، وإن كانوا يستعدون لمثل هذا اليوم، إذ باشروا مفاوضات مع دمشق وأدركوا أن الموقف الاميركي تمليه “حسابات”.

ولطالما شكل الحكم الذاتي طموح أكراد سوريا الذين عانوا من التهميش طيلة عقود، قبل تصاعد نفوذهم اثر اندلاع النزاع مع انسحاب قوات الجيش السوري تدريجياً من مناطقهم، ليعلنوا لاحقاً الإدارة الذاتية ثم النظام الفدرالي قبل نحو عامين في منطقة “روج أفا” (غرب كردستان).

وباشرت قوات سوريا الديموقراطية، التي تسيطر على نحو ثلاثين في المئة من مساحة سوريا وتعدّ ثاني قوة مسيطرة على الأرض بعد الجيش السوري، محادثات رسمية مع دمشق قبل أشهر، حددت هدفها بوضع خارطة طريق تقود إلى حكم “لامركزي” في البلاد.

وتأخذ دمشق على الأكراد تحالفهم مع واشنطن. وسبق للرئيس السوري بشار الأسد أن وضعهم أمام خيارين، المفاوضات أو الحسم العسكري.

وتحت وطأة القرار الأميركي والتهديد التركي، يبدو أكراد سوريا متروكين اليوم لمواجهة مصيرهم. ومن شأن أي مواجهة عسكرية أن تكبّدهم ثمناً باهظاً.

ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد نيكولاس هيراس أنه اذا “اعتمد ترامب طريق الانسحاب من سوريا، بسرعة ومن دون التخطيط للعواقب، فإن البديل الحيوي الوحيد لقوات سوريا الديموقراطية عن قتال تنظيم الدولة الإسلامية سيكون الحكومة السورية وحلفائها وخصوصاً إيران وحزب الله”.

– “في مهب الريح” –

ولطالما ربطت واشنطن وجودها في سوريا، إضافة الى قتال الجهاديين، بانهاء وجود ايران والمجموعات المرتبطة بها. لكنّ اعلان ترامب الأخير ياتي ليناقض تحذيرات سابقة لعدد من كبار المسؤولين الأميركيين، من أن أي انسحاب متسرّع سيطلق يد روسيا وإيران، حليفي الأسد، في سوريا.

وبحسب لانديس، فإن “منطق البقاء في سوريا ضعيف للغاية، فالولايات المتحدة محاطة بخصوم مصممين على إجبارها على الخروج من سوريا وليس لديها أي حكومة حليفة في الجوار”. لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون مواصلة دعم الأكراد.

ويوضح “لا يجدر أن تنسحب على دفعة واحدة وعليها أن تفاوض على صفقة مؤاتية للأكراد: مزيد من الأموال وبعض من الحكم الذاتي والسيطرة على النفط المحلي والحماية من القوات التركية، لكن ذلك يجب أن يتم مع ضمانات روسية وسورية”.

ويخشى محللون من أن يسهم تنفيذ القرار الأميركي في إعادة ترتيب تنظيم الدولة الاسلامية لصفوفه، بعد دحره من مناطق واسعة، وهو ما حذرت منه قوات سوريا الديموقراطية الخميس.

ويرى مدير البرامج في مجموعة الأزمات الدولية في الشرق الأوسط يوست هيلترمان أن “القرار، اذا تم تنفيذه بسرعة، سيترك قوات سوريا الديموقراطية.. في مهب الريح”.

ويضيف “على إدارة ترامب أن تستغل انسحابها المزمع للتفاوض على اتفاق من شأنه أن يعيد سيادة سوريا على حدودها ويضمن في الوقت ذاته درجة من الاستقلالية للأكراد ويحول أيضاً دون عودة تنظيم الدولة الاسلامية”.

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. كشفت وزارة الحرب الأمريكية، اليوم الخميس أن القوات الخاصة المنسحبة من سوريا ستنتشر في محافظة أربيل، حيث نقلت قناة الحرة عن مصدر في الوزارة قوله إن “2130 عنصراً من القوات الخاصة الأمريكية سيغادرون سوريا في الأيام المقبلة وسينتشرون في محافظة أربيل”، مبيناً أن “انسحاب القوات الأميركية من سوريا يشمل قاعدة التنف ومنطقة الـ55 ,من ناحية أخرى ووفق ما ذكرت قيادات أمنية في كردستان العراق، الخميس 20 كانون الأول / ديسمبر 2018، فقد تأكد إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على مستوى متطور بصواريخ دفاعية وطائرات مقاتلة هجومية ورادرات متطورة شمال شرق محافظة أربيل بناحية حرير بقضاء شقلاوة في اقرب نقطة استطلاع لإيران، وبموافقة المسؤولين بأربيل السؤال المطروح هو أين المسؤولين العراقيين؟؟؟وهل أربيل هي ضمن العراق أم في جبال الهملايا؟بل هل هم على دراية بالموضوع وتداعياته؟

  2. لا تنسوا تأخذوا معكم عملاؤكم من الاغراب الخونة في شرق الفرات لان القضاء عليهم محتم اما عن طريق الجيش التركي أو عن طريق الجيش السوري.

  3. لقد فتحت “جزية 460 مليار دولار” شهية طرمب “الأحمق” لكن 7 تريليون التي ابتلعتها الرمال ؛ فتحت عينيه على حلكة سواد آبار البترول ؛ وهو يعشق فقط “الألوان الزاهية” التي خلطها المنشار فلم يعد يرى سوى السواد!!!

  4. من التعليقات التي أعترض عليها دائما من 30 سنة وهى أن أمريكا “شرطي العالم” حيث قال ترامب في تغريده كالمعتاد “هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شرطي الشرق الأوسط؟ في الحقيقة لم تكن أبدا أمريكا شرطي الشرق الأوسط أو شرطي العالم !! بل هي يمكن أن نطلق عليها لقب “أطفائى العالم” حيث هي بالفعل تنشر الحرائق والخراب “الحروب ” بالعالم ومنها الشرق الأوسط ثم تتظاهر أنها تطفى الحرائق “الحروب” بالتدخل لتهدئة الحروب !! ولكنها هي بالأساس من تنشر الحرائق والحروب والخراب بالعالم من العام 1942 وحتى الان . وهى تستحق لقب “أطفائى العالم عن جدارة” .
    حيث تفتعل المشكلة ومن ثم الحرب ثم تدعى التدخل لحل الخلافات !!! تابع حروب وحلل حروب أمريكا من العام 1942 من ضرب اليابان لبيرل هاربور وشاهد من كان السبب المباشر للحرب !!!

  5. هذا من يثق فى الغرب ، تلاميذ أغبياء لا تقرأون التاريخ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here