سبعون عاما من النضال راحت سدى.. الخليج الذي نعرفه انتهى.. ومصر انكفأت.. واليمن يتفكك

منى صفوان

صبيحة افتتاح السفارة الامريكية في القدس والاعتراف بها عاصمة لاسرائيل، كان العرب مشغولين جدا بحصص السنة والشيعة في الانتخابات ، وفي الحرب، كانوا يفرزون نتائج الانتخابات في العراق ويقرأون نتائجها في لبنان، وهذا لايعني الديمقراطية بقدر ما يعني الطائفية، وكانوا  يوزعون حصصهم على الارض  في اليمن وسوريا.

كان العرب منشغلين  في مصر بارتفاع اسعار المترو وزيادة الغلاء، وتزاحم الازمة الاقتصادية، التي تقترب بصمت وهدوء مفتعل من البيوت الخليجية المرفهة سابقا، حيث تُرحل مملكة النفط الكبرى ملايين الوافدين العرب  لتحل بدلا منهم  اليد العاملة السعودية،  في العمل كبائعين  وبائعات، وموظفين في الشركات والمولات، وهي الوظائف التي كان السعودي والسعودية يترفع عن العمل فيها، انه عنوان عريض للازمة الاقتصادية بسبب الحرب العبثية.

 مما يعني ان دولة الرفاة العربية  انتهت، فحتى الامارات التي تخوض الحرب لاول مرة في التاريخ ولاول مرة تشيع الشهداء ، تعيش ذات الازمة بعد توقيع صفقات الاسلحة بارقام خيالية، فتلغي اكبر مهرجانتها  الثقافية والفنية العالمية، التي كانت بها تنافس ارقى الفعاليات العالمية، ومن خلالها عرف العالم دبي والامارات،  وتوفر كل الانفاق النفطي ومردود السياحة على  احتلال الجزر ، على حساب الثقافة والفكر، وتحارب جارتها  “قطر” الصغيرة الغنية   على الساحل العربي والافريقي ، هذا هو وضع الدول النفطية العربية الصغيرة.

هؤلاء هم العرب اليوم، مسلمين ومسيحيين، علمانيين ومتطرفين، سبعون عاما من تطور، وتدهور، واندثار ،وانحسار، الفكر القومي، حيث انبعثت وقامت احزاب اليسار ،وحكمت واعلنت اول دولة عربية يسارية في الجنوب اليمني ، حيث كانت قبلة الحجاج الشيوعين والمناضلين العرب اليسارين، خاصة من فلسطين.

وحيث اصبحت اليوم  مرتعا للمليشيات المتطرفة، وبيت تنظيم القاعدة في جنوب الجزيرة العربية، ومنبر الخطابات العنصرية ضد الوحدة السياسية في اليمن ، سقطت الدول القومية والاحزاب الكبرى، واصبحت القومية هي الطائفة والمذهب والقبيلة.

تعرفنا لاول مرة على الاقليات العربية، حيث لم نكن نعرف حتى نهاية  التسعنيات ان لدينا كل هذه المذاهب، التي صارت عنوان العربي اليوم، بعد انهيار الدول المركزية، تقوقع الجميع خلف القبيلة والمذهب. تماما كما قال ابن خلدون، فهل هذه هي حركة التاريخ ، وطريقته في انهيار الدول و الحضارات.

تنازلت مصر عن مقعدها الريادي، واكتفت بترميم البيت الداخلي، الذي يتصدع من الاهمال والفساد وسوء الادارة، ومن سوء الفهم لاهمية دور مصر الريادي لانقاذ مصر اولا، انكفئت الدول الكبرى قبل الصغرى على نفسها، واصبحت الحروب الاهلية امر واقع، يبدو من السذاجة الحديث على انه امر طارئ.

قبل 70 عاما ، كانت فلسطين فقط هي الاهم، اليوم لم يعد الامر مهما اصبح اهل العراق مهتمين فقط بما يحدث في العراق، وما يحدث في العراق يهم ايران وامريكا، وما يحدث في سوريا يهم ايران وروسيا وامريكا، وما يحدث في اليمن يهم ايضا امريكا وروسيا، وما يحدث في لبنان شان داخلي ايراني وامريكي، لم يعد العرب مهتمين كثيرا بما يحدث في الدول العربية المجاورة، اعلنت القطيعة، القطيعة مع الماضي اليساري، والقطيعة مع الحاضر اليميني المتطرف، والقطيعة مع المستقبل المجهول الاتجاه .

دول لخليج لاول مرة منذ انشاء مجلس التعاون الخليجي في زهرة الثمانينات يتفتت ويصبح دول خليجية متناحرة ، وانتهى الخليج الذي كنا نعرفه، الخليج الواحد، الخليج المرفه والغني، والامن

الحرب الاماراتية -القطرية تشتعل في السواحل والموانئ العربية والافريقة للحصول على الحصة الاكبر من الدول المنهارة “السودن- مصر- اليمن- الصومال- جبوتي- موريتانيا” لاقامة القواعد العسكرية.

بينما تزاحم السعودية ايضا على حصتها من الجزر، والموانئ، لكن بشكل لايقبل المنافسة، استعدادا للحروب والمجهول، وجميهم ادوات جديدة للتواجد الامريكي البريطاني – الاسرائيلي

 وهنا على روسيا اثبات التواجد حيث عززت قاعدتها العسكرية في سوريا، حيث تعود روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لترى كيف تم العبث بتركتها في الشرق الاوسط، وحان الوقت لتعود روسيا  الى قاعدتها القديمة في جنوب البحر الاحمر. حيث تزاحم تركيا لتجد لها مكانا.

القدس عاصمة اسرائيل اليوم، غدا تنتقل اليها السفارات العربية قبل الغربية، غدا يرتفع العلم الاسرائيلي في العواصم العربية التي لم ترفعه بعد، وغدا تبدا جولات جديدة من المفاوضات العربية، حتى سوريا لانتوقع ان تصمد، وبعد ان توقع كل دول الشام ، سياخذ الخليج خطوته التي كانت خجولة، ومن بعده سيكون المغرب العربي مجرد موائم للسياسة العربية الجامعة.  السياسة التي تتغلل من كامب ديفيد الى اوسلو.

انتهى الحديث عن الاحقية التاريخية، والاحتلال،  وكتب التاريخ ستمحى من المدارس، وسيصبح “التعايش” الكلمة المطاطة التي يراد بها تمرير اقذر صفقات التاريخ، وسيذكر الجميع بان النبي العربي تعايش مع اليهود، وفجاة سيصبح لهم حق تاريخي في كل عاصمة عربية حيث تواجد اليهود من الاف السنين.

الامن القومي العربي لم يعد فكرة واضحة ايضا ، ماهو الامن القومي العربي ماهو  الخطر اليوم، الخطر هو  ” ايران” التي لم تقصر لتثبت لنا انها تشارك بوعي او بدون وعي في تعميق هذه الصورة.

 

ايران  التي تمعن بالغطرسة، وبث الفرقة  داخل القطر العربي الواحد، وتصدر لنا ثقافة لم تكن موجودة قبل ثورة الخميني، واصبحت واحدة من ادوات الضرب في العصب العربي، وقدمت الفرص تلو الاخرى لتجعل من نفسها هي الخطر الاكبر، ويبدو انها سعيدة بهذا اللقب الذي يعطيها دور اكبر في الشرق الاوسط لتعمل لها الدول الغربية الف حساب، وقدمت الدليل على خطرها، وجعلت الحديث عن اسرائيل يصاب بالغلو ويبدو فارغ المعنى ركيك الجملة ، حيث اظهرت عنصريتها وقوميتها الفارسية ، انها ايضا خطر وجسم غريب، وكل هذا كان في صالح اسرائيل.

اسرائيل ومن خلفها امريكا لم يعد يهما الكذب على العرب ولا تفقد معيار العروبة والقومية ، حيث اصبحت القومية العربية كلمة انتهازية يراد بها قمع اراء وحضور الاقلية  ، امريكا برئيسها الذكي “ترامب”  لم يعد يهمها تنميق الكلام واخفاء الحقائق، لان الراي العام العربي ان وجد ،  لن يغير اي شي اذا عرف الحقيقة.

لم يعد يهم العربي الا ان يعرف كم اخذ السنة وكم اخذ الشيعة،  في حصة الحرب والانتخابات، وان يعرف ماهو مذهبه ، وهو الذي كان حتى السبعينات لايهتم بما هو دينه، ولكن ماذا فعلت له الصحوة الاسلامية؟

الصحوة الاسلامية وعمرها 40 عاما بشقها السني” السعودي” والشيعي ” الايراني” لم تفعل الا انها عمقت الهوة العربية داخل القطر الواحد، وصرفت الجميع عن اللوحة المعلقة في وسط الجدار، لوحة القدس التي اصبح العلم الاسرائيلي يرفرف فوقها.

مليارات تصرف يوميا،  على تسليح المليشيات المذهبية في البدان العربية من قبل ايران والسعودية، عصر  التسليح والتجويع،  حيث ملايين العرب ايضا  يموتون من الجوع، والمأساة الانسانية تتأصل لتصير واقعا  اصبح  من العبث الحديث عن تغييره.

انتهى، مستقبل العرب  كما  كان يُرسم  قبل 70 عاما من قبل الثائر العربي، المؤمن بالتحرر من الاستعمار بكل اشكاله، اصبح المستقبل العربي مستقبل اخر لم يتوقعه المناضل العربي وقتها وهو يرفع علم فلسطين ويقدم روحه فداء لقضية عادلة

 اليسار العربي تفتت ما بين اجندات البترو -دولار وحلفائها الامريكان  ، او اجندة الدولة الفارسية- الايرانية . وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي انهارت الاقطاب، والاقطار، والقوميات، وبدأ عصر جديد، هذه احدى ملامحه، عصر متعدد الاقطاب والاقطار داخل القطر الوحد، عصر متعدد المذاهب. عصر امريكا، وروسيا الجديدة.

عصر رفع شعار الجهاد الاسلامي  بدلا من الفدائي العربي، واتخذ الجهادي الاسلامي  طريقا  بين اثنين اما سني او شيعي، فلا اسلام واحد ولا دين واحد.

تطور الفكر القتالي من الفدائي الى الجهادي الى الانتحاري ولم يحدث اي فرق، الفدائي انتهى عصره،  ليحين دور الجهادي، الذي اصبح ارهابيا ، وحورب تماما كما طمس تاريخ الفدائي العربي.

لم يعد احد يغني لفلسطين او يكتب عنها شعرا، انتهى عصر محمود درويش، وبدا عصر الدراويش، و اصبح التغزل بفلسطين اسطونة مشروخة كما يقال في الاعلام والافلام.. الافلام التي نشاهدها ونحن ندخن الارجيلة ،ونشرب الحشيش،  او نخزن القات.

انتهى..

كاتبة يمنية

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

17 تعليقات

  1. ما هذا التشاؤم يا اختاه؟!! ما هذه الصرخات المرتجفة الصادرة من افواه مكمومة ومحمومة بالخوف والرعب ؟!!
    لم يعد احد يغني لفلسطين او يكتب عنها شعرا، انتهى عصر محمود درويش، وبدا عصر الدراويش، و اصبح التغزل بفلسطين اسطونة مشروخة !! لا…لا..لا يا منى صفوان , ان لم يعد احدًا يغني لفلسطين , فتشابك زنود الملايين على سياج غزة هاشم وازيز المقاليع لها اجمل رنين !! فلسطين اسطوانة كونية لا يمكن ان تفنيها السنين , لن تغير صبغتها وعود الرذيلين ولا قرارات المهابيل ولا تغيير مسالك التاريخ برغبة الدجالين …ما دام في قلب اي واحدٍ من فلسطين حفنة من حنين ..!!سترجع فلسطين , اذا ضاعت يا منى فلسطين فسيضيع العرب والمسلمين ,وستضيع المذاهب والدين .
    يكفينا نحن الفلسطينيين افتخارًا ان ايران ما زالت على اختيار نصرتنا سائرة , وليتدافع حكام جزيرة الزيت الاسود نحو بني صهيون مذلولين صاغرين ليس لهم لا حولَ ولا قوةَ.. لا في القرار ولا هبوب الرياح العاتية ولا بتغير اندفاعات الاعصار والسلام (راي اليوم)

  2. مقال رائع يحلل الوضع العربي بصدق وان كانت مصر قد انكفأت فلكى ترمم الداخل اولا لتستطيع ترميم واعادة صياغة الخارج والعودة لدورها الريادى فى القريب العاجل باذن الله

  3. ان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا
    ولن يغلب يسرا عسريين كما قال عليا كرم الله وجهه

  4. تطهير عقولنا وأرواحنا والعودة لديننا الحنيف هو ما سيعيد اللحمة العربية والإسلامية غير ذلك سنبقى طعاما لكل ضواري الأرض من الطامعين للأسف الشديد العالم أصبح مثل الغابة والبقاء للأقوى حتى يأتي وعد الله سبحانه.

  5. سرد واقعي لاحوال الامة , تشخيص صحيح و مؤلم لاندثار امتنا و لو تنبأ به احدهم منذ زمن سابق لاتهمه الناس بالجنون. المقال لا يحوي اي حلول في استسلام للوضع الحالي. الرجاء من الكاتبة الكريمة اضفاء امل في قيام و نهضة الامة يومآ ما من الرماد و الوحل.

  6. الاحداث التي تجري في منطقتنا ستنتهي بحالة فرز واضحه وجليّة وسيكون بعدها لا عذر حتى للاعمى ان يدعي عدم قدرته على الابصار .
    فحين تعرف من تصادق وبمن تثق ، ستكون معالم طريق المستقبل واضحة ، ستكنس كل المنافقين والمتآمرين والعملاء .
    كفلسطينين ، بتنا نعرف الصديق من العدو واقصد ممن نوكل امورنا اليهم من الاعراب . وانا كفلسطيني واجزم ان معظم الشعب الفلسطيني على ذات المسار اننا نثق بالجمهوريه الاسلاميه في ايران ونثق بشكل لا شائبة فيه بالسيد حسن نصرالله ، وما نراه وما نلمسه ان فلسطين تحتل مكانة عظيمة في وجدانهما .
    ونعرف تماما – وان كنت سا سيدتي محايده – فسوف تقولين ان مواقف امريكا من ايران ليس بسبب برنامجها النووي ولا تطوير صواريخها البالستيه ولا حتى حتى تمدد نفوذها في المنطقه فهذة فريّة كبيره .. عداء امريكا لايران سببه عداء ايران لاسرئيل ليس بالكلام فحسب بل بالوقوف الى جانب كل من يقاتل هذا الكيان ، فايران لم تبخل بكل انواع المساعدات على حزب الله وعلى فصلئل المقاومه الفلسطينيه وفي مقدمتها حركتي حماس والجهاد الاسلامي وفصائل اخرى .

  7. لا و رب الكعبه لم و لن تذهب سدي و اءن غدا لناظره قريب واءن وعد الله حق و وعد نبينا عليه الصلاه و السلام حق و لسوف نري تدابير رب العالمين حينما يفرغوا ما في وسعهم ويظنوا انهم قادرين عليها و من قلب الياءس سيولد الامل باءذن الله . فالثبات الثبات . مصري .

  8. احسنت الطرح سيدتى اننا فى زمن ملوك الطوائف حيث يتناحر العرب المسلمون بينما فيرنادوا وايزابيلا يكتسبون اراضى جديدة وهذا ما قراناه سيطبعون مع اليهود وسيصوتون عليها لتكون عظوا فى الجامعة العربية العبرية ولن تطبع الجزائر وتابى الجزائر ذلك ويابى الشهداء هذا قدر الجزائر

  9. بؤس التحليل والاستنتاج ، لواقع يرسمه الشعب الفلسطيني ببطولاته الفذة، وسط سقوط مدوي لبعض أنظمة الخليج ،التي ارادت الكاتبة مساواتها مع إيران ومحور المقاومة . انه تحليل يضرب الحابل بالنابل للوصول إلى الخلاصة التي أرادت ايصالها وهي أن إيران ليست افضل من إسرائيل… رسالة من أنظمة الانبطاح والاستسلام العربية…

  10. للأسف استاذة منى معظم كتاباتك تنم عن الطائفية وكراهية ايران، مع انها الدولة الوحيدة التي لا زالت تساند المقاومة في فلسطين.

  11. العالم العربي يدخل مرحلة الجاهلية الان وهذا التشتيت الذي استطاعت الدول الغربية بقيادة اسرائيل من الوصول الى مفاتيح الجهل العربي كما ذكرتي في مقالك الرائع في تشريح الوضع العربي الراهن …….ابدعتي حضرة الكاتبة

  12. علی الاقل لم تکوني رمادیّة هذه المرة و هذا خطوة نحو الامام!!!

  13. ان افكارك و افكار امثالك ضيعت السبعين عاما من الجهاد ولا تزال ، و ما دام من مثلك يشحن الامة بالنفس الطائفي المقيت فسوف تبقى اسرائيل قائمة ومن اضاع فلسطين سوى القومية التي تتحدثين عنها ، من هي الدولة العربية التي تضررت بسبب مواقفها الصلبة و نصرت القضية الفلسطينية مثل ايران ، فليسال كل مسلم ضميره ، من الذي احيا روح المقاومة في الامة سوى ايران

  14. يا اخت منى
    لا تقنطى من رحمة الله
    المرحلة الأن يتم فيها فرز الخبيث و الطيب
    مفيش حاجة بتدوم على حالها
    و سبحان الله و هو له الدوام

  15. A negative pessimist vision!!! I don’t agree with this point of view and analysis!!
    May be we are facing the truth an ugly truth anyway but there are causes and results for every state or social and political situation!!! There are conflicts and there are sides_effects for each point of tension…. But there is a strong belief that it will come a time that ends this state of Injustice very soon.. Bi Idni Allah Tabaraka Waa Taalaa

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here