سامي لسمر: ترشح بوتفليقة.. بين تصعيد الاحتجاجات وتطبيق مبدأ خذ وطالب

 

سامي لسمر

ربما كان ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الغائب متوقعا، لكن ما طرحه مدير حملته عبد الغني زعلان فاجأ الكثيرين، رسالة بوتفليقة التي يعرف الجميع أنه لم يكتبها بسبب وضعه الصحي الحرج قدم فيها تنازلات وطلب فيها وقتا إضافيا فقط ليرتب فيه خروجه من السلطة أثناء توليه للرئاسة بما يضمن أيضا ترتيب أوضاع جماعته وتقديم بديل عنه يضمن لهم التحكم في السلطة أو على الأقل يقدم لهم حصانة تحميهم من تصفية الحسابات. ذكرتني الرسالة بخطاب الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي طلب فيه مهلة من المتظاهرين وتعهد بعدم ترشحه مرة أخرى، لكن الشارع المصري لم يقبل.

تنازل جماعة بوتفليقة في الجزائر لعب فيه الشارع دورا مهما، فهو بدوره فاجأ من في السلطة والدليل أن الجماعة لم تضع خطة بديلة وطلبت وقتا إضافيا، كما أن جناح بوتفليقة لم يدرك أن من يرفضون العهدة الخامسة داخل السلطة بإمكانهم دعم الشارع والضغط من خلاله لإجبار فريق الرئيس على التنازل، لكن بكل الأحوال بوتفليقة ترشح والأمر بات واقعا يجب أن نتعامل معه.

من المؤكد أن تنازل بوتفليقة وفريقه الذي بدأ بتغييب بعض الوجوه كسلال وحداد والقائمة مفتوحة لن يرضي الشارع، فالغالبية قالتها بوضوح “الشعب لايريد بوتفليقة والسعيد” ولا للعهدة الخامسة، والأخيرة تبدو واقعة لا محالة إلا إذا تغيرت المعطيات في الأيام القادمة، وعلى ذلك يجب قراءة الواقع بشكل دقيق بهدف تحقيق المطلب الأساسي وهو لا للاستمرارية.

لن يمر ترشح بوتفليقة دون ردود فعل من الشعب، ونحن الان أمام سيناريوهات محتملة، أولها التصعيد، والتصعيد هنا يحمل عدة أوجه إما أن يكون بانتقال المظاهرات إلى دائرة أخرى تستخدم فيها القوة، ويستخدم من في السلطة الشارع المضاد بهدف إدخل البلاد في الفوضى، أو يمكن أن يتمثل التصعيد باستخدام أساليب أخرى تتمثل في العصيان المدنى الذي بدأت الدعوات إليه قبل إعلان ترشح بوتفليقة، وهي طريقة إن نجحت ستكون ناجعة ومن شأنها تحقيق الأهداف بحسب تجارب سابقة.

السيناريو الثاني وهو القبول بالأمر الواقع خاصة وأن الشارع الجزائري لم يبد رغبة في التصعيد وأكد سلميته في مظاهرتي 22 من فبراير والأول من مارس.

السيناريو الأول من شأنه أن يدخل البلاد في الفوضى المجهولة والثاني ستفهمه السلطة أنه استسلام ويمكن أن تتمادى أكثر، وبالتالي لابد من تحرك نتجنب به الفوضى ونحقق عبره المطالب ولو بشكل جزئي.

أعتقد أن الكرة الآن في ملعب النخب السياسية والثقافية والاجتماعية فالشارع قال كلمته وسيستمر، ويبدو أننا مجبرون على اللعب دائما في ملعب الخصم وسط جمهوره ووفق قوانينه، وأقصد بذلك استغلال ما قدمه بوتفليقة في رسالته، ويمكن أن نعتبر الوقت الإضافي الذي طلبه مرحلة انتقالية وفي هذه المرحلة يجب أولا أن نضع كل خلافاتنا واختلافاتنا جانبا، يجب على الشارع أن يستمر في الاحتجاج بصفة دورية وهادئة قبل الانتخابات وبعدها ويجب أن يتزامن ذلك مع تحرك النقابات والنخب السياسية والمثقفين والحقوقيين والمشاركة في الندوة الوطنية وانتزاع أكبر قدر ممكن من الحقوق والتأسيس لدستور جديد وجمهورية جديدة، فحراك الشعب الجزائري في أكتوبر 1988 وإن لم يحقق كل التطلعات وكان ثمنه باهظا إلا أن الجزائر كانت سباقة في المنطقة لخلق جو من التعددية والحرية، أي أننا مضطرون لتطبيق مبدأ خذ وطالب وهذا المبدأ يتطلب وقتا وربما أجيالا للتمكن من انتزاع الحقوق كاملة وتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي، فجيل الثمانينات حقق جزءا منها والجيل الحالي يزيد عليها ويزرع فكرة النضال في الأجيال القادمة.

قد يقول قائل إن كل ما جاء في رسالة بوتفليقة هو لعب من جماعة الرئاسة بالوقت وهذا متوقع لكنهم يدركون أن الشارع تحرك ولن يتراجع والقوة لم تعد في يدهم فقط بل توزعت، وعلى هذا الأساس لابد أن نحسن تسيير هذه القوة ولايجب أن تأخذنا العزة بها، ويصيبنا غرورهم الذي مهما فعلوا فالتاريخ لن يسجل إلا أن بوتفليقة خرج من الباب الضيق ورفضه الشعب.

الخيارات صعبة والمآلات مجهولة والمعطيات غير ثابتة، لكن الأكيد أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة سواء باستمرار بوتفليقة لفترة قصيرة كما أعلن أو النجاح في إجباره على القيام من كرسي الرئاسة والترجل بعيدا، فالملايين الذين خرجوا من الصعب أن يعودوا للعب دور المتفرج في مصير بلدهم.

صحافي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. والخلاصة يا سيادة الكاتب المحترم ، أن الفائزين بثروات الجزائر و بريعها ، هم أولئك الذين كانوا مع الاستعمار قلبا و قالبا ، فهم الغانمون بالأمس ، وكذلك اليوم . فهم المسيطرون على كل مفاصل الدولة ، وهم المستولون على خيرات الجزائر استيلاء تاما ، فكل الثروات بأيدهم : الأراضي الفلاحية و العقارات الضخمة الشاهقة ، وكل الثروات الباطنية والسطحية . فهم خلفاء الاستعمار في أرض الشهداء . وما نحن إلا عبيد في قبضتهم ، لأننا رضينا بذلك كل الرضا ، ورحنا نصفق لهم دون أن نشعر بذلك ، هاتفين : حرية ، ديمقراطية . ونحن لا نملك حتى قوت يومنا. فإذا ما غضبوا سيمسحوننا من فوق الأرض ، كما تسمح الحشرات . فمن مسح بومدين بكل ذكاء وفطنة ، فلن يصعب عليه مسحنا. وصدق من قال: يفعل الجاهل في نفسه ما لا يفعله فيه عدوه. والسلام على كل ذي لب وعقل و ضمير حيّ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here