سامية بن يحي: المشهد الديمقراطي العربي في ظل الخطاب الديمقراطي النيوليبرالي فقدان للرؤية أم استنفاذ للسياسة

 

سامية بن يحي

لقد واجهت الديمقراطية اليبرالية والحرية العالمية بعد ثورات الربيع العربي أخطر أزمة منذ عقود، حيث تعرضت مبادئها الأساسية – بما في ذلك ضمانات إجراء انتخابات حرة ونزيهة وحقوق الأقليات وحرية الصحافة وسيادة القانون – للهجوم في جميع أنحاء العالم في ظل تراجع  دور الولايات المتحدة التقليدي كزعيم ونموذج للديمقراطية مقابل تراجع متسارع في الحقوق السياسية والحريات المدنية الأمريكية أيضا.

وقد أشار المفكر لاري دايموند في  كتابه بعنوان” روح الديمقراطية الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة”  الى أنه بعد ثلاثة عقود من انتشار الديمقراطية نشهد ركودا وتآكلا ببطء للديمقراطية، وتراجعا عالميا للحرية ، كما سار الأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية  “ياشا مونك” على نفس النهج  عبر مقالاته المثيرة حول الانحدار العام للديمقراطية التي شكلت أساس كتابه الشهير “الشعب مقابل الديمقراطية”.

فلطالما كانت الأمية السياسية ومناهضة الفكر التحرري سمة بارزة للمشهد الديمقراطي العربي قبل ما يسمى بثورات الربيع العربي ، مما أدى إلى نشوء خطابات لا لبس فيها  تجسد تسلط  خطاب الأنظمة الاستبدادية التي تحاول على مضض أن تفرض هيمنتها على الثقافة السياسية والإعلامية لمجابهة المشاعر الشعبية التي تدفع بالخطاب المناهض للحكومة لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل تغير الخطاب الديمقراطي بعد ثورات الربيع العربي؟

الخطاب الديمقراطي النيوليبرالي – عالم دارويني وبقاء للأصلح

لم يكن العالم العربي بمنأى عن هذا التراجع والانتقاد الموجه للديمقراطية بسبب تراجع الآمال في رسم عهد جديد من الحكم المستقر والديمقراطي، حيث تعثرت هذه الآمال مع تعثر العمليات الانتقالية ، وتضاعفت القوى الاستبدادية ، وشكل فراغ السلطة الذي تلا اسقاط الأنظمة الاستبدادية سببا في اندلاع الصراعات مما  ضعف الحماسة الشعبية للديمقراطية وأجهضت عمليات الانتقال في معظمها، وأفرزت أحداث  الربيع العربي  نظاما عربيا جديدا، حيث خلق انتشار الدول الفاشلة والضعيفة فرصا جديدة للمنافسة والتدخل الأجنبي لصالح الجهات الفاعلة الجديدة، ولم تعد الديناميات الإقليمية تحددها التحالفات الرسمية والصراعات التقليدية بين الدول الكبرى فحسب بل قدرة ما يسمى بحروب الوكالة، ورغم أن الشعوب العربية عانت كثيرا من أنظمة شمولية – ولا تزال  تحكم في عديد الدول العربية –  لعقود من الزمن إلا ان هذه الثورات التي تنشد الديمقراطية لم تستند وحدها إلى الأيديولوجية الدينية أو التحررية فقط ، بل للأجندة الليبرالية الجديدة التي تفرض على هذه الدول وتغذيها باسم حقوق الانسان والديمقراطية، والتحرر الاقتصادي المؤيد لمصالح الشركات التي تدعم الرأسمالية وزوال الدولة الاجتماعية ، ورغم أن هذه الثورات لم تفرز ديمقراطيات جديدة ناجحة ، إلا أنها أعادت تشكيل العلاقات الإقليمية، – القوى العظمى التقليدية، بالمقابل  تفتقد الدول العربية تقريبا للرؤية الديمقراطية – في سياساتها الداخلية والخارجية – التي غالبا ما تكون  مدفوعة بمزيج قوي من التهديدات والفرص المتصورة في نظام  يتسم بالفوضى الدولية، وهي ديناميكية تجذب القوى الإقليمية إلى صراعات  كما ذكرنا آنفا  “حروب الوكالة” ، والتي تعمل على زرع الفوضى في جميع أنحاء المنطقة العربية بسبب سعي القوى الكبرى لإيجاد توازن عملي للقوة خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الذي تتزايد فيه معاداة الفكر والخطاب الغربي المبني على اديولوجية الليبرالية الجديدة، اذ يقبل العالم والعرب خاصة  بشكل متزايد على دراسة تحليلية معمقة عن ما إذا كان للديمقراطية مستقبل في ظل هذا الاضطراب، وتصاعد اليمين المتطرف وأشكال الخطاب العنصري المناهض للإسلام، لذلك فان السؤال الدائم الطرح بعد ثورات الربيع العربي جوهره حول ما إذا كان يمكن للديمقراطية والقيم النيوليبرالية أن تنجح في المنطقة العربية؟

   لاشك أنه في ظل الحرب الأهلية التي تشهدها كل من اليمن وليبيا وسوريا، والعودة الاستبدادية  للنظام في مصر وعدم الاستقرار في مناطق عربية كثيرة – سواء بمنطقة الخليج، أو شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط بشكل عام – يدفعنا أمام حتمية الاجابة أن الديمقراطية الى الآن لم تنجح، ، رغم النظر إلى تجربة تونس على أنها نقطة مضيئة وسباقة نحو أمل تمكين للديمقراطية العربية.

أمام هذا المشهد فان تحول الأنظمة العربية إلى الديمقراطية الليبرالية الجديدة-  التي  يصور على أنها أنجع إستراتيجية- بعد ثورات الربيع العربي يتعارض أولا مع ارتباط سياسات الأنظمة العربية المنتهجة ضد شعوبها في ظل أنظمة استبدادية ينخرها الفساد، وأنظمة أخرى صنعتها وفرضتها أجندات غربية على غرار النظام في العراق، وثانيا مع فكرة الانفصال عن الماضي بحكم أن هذا النوع من التحول يمثل نهاية لنظام سياسي استبدادي وإعلان لقيام  نظام جديد ديمقراطي يجسد القيم والمبادئ الليبرالية الجديدة، لذلك يمكن الجزم في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة العربية اليوم أن الثورات العربية منحت أملا مزيفا عن الديمقراطية الليبرالية الجديدة – رغم أن  العديد من شعارات تلك الثورات تعكس أو تعبرعن الأفكار الليبرالية الجديدة-  التي جوهرها الحرية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية، و اقتصاد السوق والرأسمالية، هذا يعني حتمية إعادة اختراع الخطاب الديمقراطي واستعادة الأمل في اجتذاب الشعوب العربية الى الديمقراطية دون فرضها بالقوة، وانما  يجب أن تنبثق من الداخل من خلال عمليات تطوير التفكير العلمي والتحليلي والنقدي والإنفتاح على العالم.

هل فشلت وصفة الالهام النيوليبرالي؟

لاشك أن تأثير الديمقراطية الليبرالية في معظم الدول العربية يقتصر على خطاب الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي لأن السياسية العربية كما وضحناه سابقا تحت سيطرة ثقل الماضي الاستبدادي والمناهض للديمقراطية لذلك كثيرا ما تظل القيم الليبرالية الجديدة حبيسة قوانين ومبادئ في دساتير هذه الدول بينما تقوض عمليا كعقيدة قانونية ومجتمعية يتوجب الالتزام بها.

لقد اهتزت القيم الديمقراطية الغربية ولم تعد تلهم الشعوب في العالم وحتى العربية منها خاصة بعد النماذج الفاشلة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط – العراق، سوريا، اليمن، وفي شمال افريقيا مصر وليبيا- خاصة كونها نمذجة للتحكم في العالم وفقا للمخطط الاقتصادي الدارويني الزائف الذي تم ارساؤه  بشكل نهائي من قبل شركات السوق والمؤسسات النقدية النيوليبرالية التي أنشأتها القوى الكبرى، ومع ذلك لا تزال مساعي الغرب في  تجسير الهوة وتقريب قيم الليبرالية الجديدة كوصفة ملهمة للشعوب خاصة العربية المضطهدة الحقوق والحريات في قالب جديد تمنح من خلاله كل الحقوق الكاملة للديمقراطية والسوق الحرة، تحت اسم عولمة النموذج الديمقراطي الغربي.

في الوقت نفسه يرى الكثير من النقاد أن الديمقراطية تحت مظلة قيم الليبرالية الجديدة تشهد أزمة عالمية – رغم هيمنتها- بسبب دولة الرفاه والإنتاج المفرط واللجوء الى المديونية المفرطة لكن هناك من المتفائلين خاصة في الفترة التي تلت ثورات الربيع العربي بعد 2011، أن هناك تصاعد للأصوات الشعبية المطالبة بضرورة تغليب قضايا الحريات والقضايا الاجتماعية ومحاربة كل أشكال الفساد السياسي والمالي، واعادة رسم أرضية جديدة للديمقراطية العقلانية التي تتكيف مع تطلعات الشعوب وخصوصيات مجتمعاتها.

لذلك فمن الأهمية بمكان أن تدرك الطبقات المثقفة والواعية في الدول العربية ضرورة تعبئة الخطاب الديمقراطي العقلاني من أجل محاربة فقدان الرؤية الديمقراطية العربية السائدة على مدى عقود و ربط الكفاح الذي كان ينظر إليه على أنه منفصل ومحاصر مع مشروع واسع مناهض للاستبداد وهيمنة القيم والرؤية الغربية،  ومن هنا  يأتي أيضا دور المثقف الناقد ودورالوسائط الرقمية ، في تحويل المعارضة الفردية والمحلية والمجتمعية إلى حركات منظمة ذات وعي جماعي لتجسيد الرؤية الديمقراطية العربية التي تناسب ثقافتها وتوجهاتها في ظل طغيان العولمة، مع ضمان مساهمة الجماعات المدنية والأحزاب السياسية، واشراكها في صنع قادة ما بعد الربيع العربي، من خلال رفع مستوى احترافية الخطاب الفكري بروح يخلق أنظمة ديمقراطية قادرة أيضا على تحدي رؤية ما بعد وضع الليبرالية الجديدة للداروينية الاقتصادية الحالية.

تخصص إدارة دولية، كلية الحقوق والعلوم السياسية – باتنة – الجزائر

البريد الإلكتروني :   [email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here