ساعود جمال ساعود: ثورة التغيّرات البنيوية في الريف السوري خلال سنوات الأزمة.. ريف محافظة حماه الغربي.. نموذجاً

ساعود جمال ساعود

يمكن الجزم بأنّ التغير البينيوي نشأ في المجتمع الحموي الريفي بالمعنى الدقيق لكلمة التغيّر منذ بداية الأزمة السورية مطلع عام 2011م، التي تمثّلت على الصعيد النفسي بصدمة تأمر العدد الهائل من دول العالم على الجغرافيا السورية والتي تلقاها الشعب السوري بشيء من العجب الذي لم يكن يوماً ليتصورها، زاد من حدةّ الموقف خطورةً تحالف بعض أبناء الداخل مع العدو الخارجي؛ ليمهد ذلك لتغير نفسي إجتماعي، تم استغلاله خارجياً بشكلٍ متقن بغاية ضرب شرائح الشعب السوري ضد بعضها البعض إثر التنافر الذي وقع بين من أخلص لدولته من جهة وبين من خانها وساعد المعتدي الغريب ضدها، فالبعض في حمص من الخونة -على سبيل المثال- رفع علم العدو “الإسرائيلي”، وهذه خيانة ما بعدها خيانة.

في خضم أحداث الأزمة السورية أو كما يجب أن نسميها في أديباتنا السياسية بـ الحرب على سورية، كانت ظاهرة اقتتال السوري مع السوري، ظاهرة مستجدّة غريبة على الواقع والثقافة السورية، ولم يألفها السوريون، وهو أمر يصعب تحليله إلا إذا وضّحنا الحشوة الفكرية التي تملئ عقل الطرفين السوري الأبيض والسوري الأسود، والمعيار هو الوطن والشعب فالأبيض مخلص مدافع والأسود عدو راصد، اقتتال دمر الكثير من معالم المنظومة الدينية والثقافية حين وصل الأمر لأكل القلوب وشرب الدماء ونحر الأطفال، أفعال وعقائد شيطانية خالفت شرع الرب الواحد وسائر القوانين الوضعية المحلية والدولية وكل ما له صلة بالشؤون الإنسانية، وهذه أمور لم يكن العقل السوري يتصورها سيما في العصور الحديثة بعد نسيان أجزاء كبيرة من تاريخنا العربي السوري عموماً وتاريخ محافظة حماه التي شهدت أصعب مراحل حياتها في فترات الإقطاعيين الذي كانوا يتاجرون بنسمة الهواء مقابل حبة الدقيق، فأي تاريخ عاشته شعوب ريف حماه الغربي خصوصاً مصياف ناحية سلحب وقراها وسهل الغاب وناحية عين الكروم، تاريخ مجبول بالدم والذل والهوان فيه مصير من تمرد وثار حباً وإحتراماً لكرامته كان مصيره القتل والصلب، إذاً البنية الثقافية في فترة الحرب على سورية شهدت إنقلاباً ثقافياً تسببت به حشوة فكرية غريبة عن الموروث الثقافي النظيف والعقلاني والمنطقي الذي شكّل جوهر الحشوة الفكرية المنبثقة من صميم الواقع والأعراف والتقاليد السورية عموماً والريف غرب حموية خصوصاً، طبعا مع مراعاة التفاوت في السمات البنيوية من مدينة إلى مدينة أخرى، ومن ريف إلى ريف أخر، إذاً العلاقة بين الحشوة الفكرية والبنية الثقافية علاقة تناسب طردي، وما طرأ على البنية الثقافية من تغيرات قلبت مضمونها وأثّرت عليه سلباً، وحوّرت ثقافته، أدت إلى خلل في العقلية السورية من حيث بنيتها وتوجهاتها وتجلياتها السلوكية بما فيها ألية التفكير.

إن التدقيق البسيط في بنى المجتمع الريفي سيكشف وبسرعة معادلة بمقدار ما هي بسيطة إلا أنّها معقدة وواقعية مفادها: أنّ الترابط الجدلي بين سلسلة البنى المتعدّدة للمجتمع يكمن خلف التأثر المتبادل بينها، الأمر الذي يجعل مفرزات أحدها سلباً أو إيجاباً تطال بقية البنى الأخرى، وهذا ما كشف عنه الواقع السوري، حينما دخلت الحرب على سورية مرحلة الحرب الاقتصادية وبأية حصار عالمي وإقليمي ضيق الخناق على السوريين الصامدين في الداخل السوري، لدرجة ظهر معها العديد من الأزمات ذات الطابع الاقتصادي من أزمات الوقود إلى الخبز إلى الأدوية إلى انقطاع بعض المواد، وصولاً إلى تدهور قيمة العملة مقابل سعر الدولار، وهنا مكمن الخلل ونقطة الارتكاز، حيث أفرزت هذه المشاكل مشاكلاً اجتماعية سببها اقتصادي، أودى بالحالة النفسية لبعض شرائح الشعب السوري، قامت على أساسها أفعال اجتماعية من جنس الأزمات الاقتصادية سلباً بسلب، فما كان يتعارف عليه في المجتمع الريفي الغربي على أنّه نقائص اجتماعية مخالفة للعادات والتقاليد، أصبحت مفروضة عليه بحكم ضغوطات الواقع، فالتقتير والبخل والحرص أصبحت في ظل هذه الظروف سمات ممدوحة رغم أن أصلها مذموم قبيح، ولكنها ثورة القيم التي أفرزتها الأحداث حيث انقلبت المعايير فما كان مذموم قبيح في الأمس وحسب الأصول العرفية أصبح اليوم ممدوح مفضّلاً، وكفى بهذا التغيير البنيوي علامة فارقة على حجم الخلل والضعف الذي لحق بالمجتمع السوري.

التغير البنيوي على الصعيد الفكري في الريف الحموي الغربي، لا ننكر في قبل اندلاع الحرب ضد سورية من شيوع أنساق فكرية أحادية كان لها الفضل في خلق خلايا اجتماعية نحلية أدت نتائج إيجابية من قبيل الانسجام والتناسق والتناسب والتوحد في الأذواق حتى، دون أن نطلق صفة التمام والإطلاق ، ولكن مع الأزمة تغيرت البنى الفكرية، حيث شهدت مجتمعات ريف حماه تبلور العديد من التيارات للعلن وبروزها بقوة لدرجة التجسد بكينونات سواء جمعيات نوادي وغيرها وصولاً إلى الجماعات الصغيرة، وبالنسبة لأسس التقسيم فكثيرة هي، فالتيارات المادية برزت بقوة لدرجة يكاد هو المسيطر، دون أن يكبح من نفوذ التيار الديني الذي رضخ لواقعه ومقتضياته، فشهد حالات خروج وركون للتيارات والأفكار المادية وذلك بحكم الواقع، وضعف القناعات الدينية وميل الكفة لصالح الدنيوية، والملاحظ شيوع صداع من المقتنعين بكلا التيارين وأفكارهما.

وبالنسبة للتيارات العلمية فبعد نموها بوتيرة متسارعة وانكباب أبناء هذا التيار على العلم وتحصيل أسبابه وفروعه، إلا تسخير العلم لأسباب مادية طغى على ميزة تحصيل العلم لكونه غاية في حد ذاته، فتحصيل العلم نفعي مادي بحت لا روحي. ورغم التطوّر التقني والعلمي في هذه الأرياف إلا أن الخرافات وفنون الشعوذة وغير ذلك مما يقوض العقل فعلياً، ولكنها تسليه وتخدره من آلامه، ما تزال مائله لدى العوام وبعض شرائح المتعلمين ولا أقول المثقفين، نتيجة ما أصيبوا به من إحباط سببه الظروف الخارجية كالمرحلة التي نمر بها كدولة مرحلة حرب قوضت تلبية الحاجات واستيعاب الأجيال الجديدة الوافدة، وهذا واقع يهدد الأمن البشري ولكنه مفروض جرّاء الحرب الساخنة.

مؤخراً طفت إلى السطح عدّة ظواهر في مجتمعات ريف حماه الغربية أبرزها ظاهرة جديدة لم تكن منتشرة سابقاً هي ظاهرة التكفير، وظاهرة النفور من الدين تحت ضغط الحاجات البيولوجية والعضوية والنفسية، وتحت نزعة تبرير الضعف التي تساق لأجلها الاف الحجج.

بالنسبة لظاهرة التكفير التي اشتهرت بها الجماعات التكفيرية التي عاثت فساداً وقتلاً وتدميراً في الشعب السوري منذ عام 2011م، والتي فجّرت العديد من الأسئلة حول منشأ التكفير وأسبابه وتداعياته السلبية، والإجابة كانت مفاجئة، فالجميع يعرف أن الفكر الإرهابي كان بيئة خصبة مليئة بالتكفير وممهدة له وسبباً أيضاً، علاوة على وجود منظمات إرهابية عملت على ممارسة التكفير وتشيجعه، ولكن المفاجأة بعد البحث كانت بأن عادات مجتمعاتنا وممارساته اللفظية والسلوكية هي مسبب رئيسي لنشأة التكفير، فقد لاحظنا في ريف حماه الغربي مثلاً شتم الشباب المتدينين، كذلك شتم رجال الدين رغم الخدمات الجمّة التي يقدّموها للمجتمع بحجة نقد سلوكهم، وبالفعل أقول: ” كم من عالم متفضّل قد سبّه من لا يساوي غرزة في نعله” ولاحظت كذلك تعييب أصحاب الدرجات العلمية العالية في حال احترامهم للعقائد ولجوئهم للديم كمصدر اعتقاد وراحة نفسية، كما لاحظت انتهاك للعادات والتقاليد ومنها احترام الضيف. وعلى العموم التكفير في ريف حماه الغربي قائم على الشتم واللعن والاستهزاء والسخرية من الأشخاص، وتعمّد إظهار الأخر على خطأ في سلوكه الخاص به، والطعن في أخلاقة وقناعاته بما فيها الدينية والدنيوية، وتشويه السمعة تحت مبرر النقد والتقييم، وهذه الظاهرة ظاهرة التكفير المستجدة في البيئة الثقافية والفكرية في هذه المجتمعات الريفية التي يشهدها ريف حماه خاصّة ريف ناحية سلحب وبالأخص قرية نهر البارد التي أجريت بها كشفاً واستبياناً بذلك، ودخلت مع البعض من أهلها في مناقشات حول هذا الموضوع.

وبالنسبة لظاهرة النفور من الدين التي تكتسح صفوف الشباب الريفي، فهو أمرٌ واكب اندلاع الحرب على سورية، حيث تسببت الحرب بضغوطات وصعوبات اقتصادية خانقة، واكبها تغيّر اجتماعي وثقافي، أدّى إلى العزوف عن ركائز المجتمعات الريفية من ضمنها الدين، وذلك تحت ضغط الحاجات البيولوجية والعضوية والنفسية، وتحت نزعة تبرير الضعف التي تساق لأجلها الاف الحجج في خضم الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم والتي غزت أبناء الريف، وهم أبناء الواقع المر حيث الزراعة والرعي والأعمال الشاقة حيث الفقر والحرمان، واليوم انتقلوا نحو العوالم الافتراضية التي تسببت بتغيّرات فكرية وثقافية أثّرت على السلوك ابن الريف الحموي الغربي.

وبخصوص الواقع التعليمي فلا داعي للشرح عنه، لأنّ الإحباط سيد الموقف والخذلان أيضاً، فهناك الاف الخريجين بغير عمل، والأخطر هم حملة شهادة الدكتوراه الذين يقبعون في الريف يمارسون أعمالهم الحرة في نقل الحطب للمتاجرة فيه، فهؤلاء أعلى الرتب العلمية ما يزال قبولهم بالمسابقات بحجة البحث عن الأفضل وكأن الذي ذاق الأمرين وتحمل أعباء وتكاليف الدراسة خلال سنوت الأزمة غير كفؤ، ولكن السبب الحقيقي معروف ولعل للنزعة الإقصائية دوراً ما في هذا الحدث، والمهم إن الفائدة من هذه العقول لا تتم ليتركوا ليواجهوا مصيرهم بين من لا يقدر شهاداتهم ولا يحترمهم، ولتترك أعمارهم تذهب فناء وهباً منثوراً.

بالنتيجة تواكبت الأزمة السورية مع حصول العديد من التغيّرات البنيوية في المجتمع الريفي السوري عموماً وريف حماه خاصّة، التي كانت غير معروفة من قبل، ولم يكن لما عُرف منها مسبقاً الزخم والسلبية الذي تشهده اليوم شملت بنى المجتمع كافّة من اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية بدرجة أولى، قادت هذه التغيرات إلى تغيرين جوهريين هما تغير بنية عقلية الإنسان الريفي والأخر تغيّر السلوك الذي يترتب عليه مفرزات قد تكون غير محمودة العواقب على أمن واستقرار المجتمع السوري، وهذا ما يجب تناوله بالدراسة والوقوف على مشاكل الريف والعمل على الحد منها وإلا فالمتضرر الوحيد هما الشعب والدولة معاً، وهذا ما يجب تفاديه لعدم الوقوع فيه، فإنقاذ العقلية الريفية الحاكمة من السلوكيات الدخيلة والأفكار السلبية الشاذّة كفيل بحماية أمننا الثقافي والفكري السوري.

دكتوراه في العلوم السياسية. جامعة دمشق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here