ساعود جمال ساعود: الثقة الشعبية الروسية بالرئيس بوتين بين الماضي والحاضر

ساعود جمال ساعود

حدثٌ له دلالاته المعنوية قبل الفعلية ، وله قراءاته وتفاسيره التي تتراوح ما بيت السطحية من جهة والمبطّنة من جهة أخرى؛ التي يقف عليها أبناء البيت الواحد، إذ هي أسرار بيت لا يجب على الأقارب والجيران الأعداء السماع بها، و”أنا لست روسياً يا موسكو”، بل طموح من بلدان الجبال الوعرة والحفر، حيث حكايا العشق والجفاء بين القصب والمستقنع نرتلها ليلياً، عنوانها:” يال ثاراتك يا ابن سهل الغاب”.

يتلّهف القارئ الآن لمعرفة هذا الحدث المهم، الذي أحدث ضجةُ سياسية وإعلامية، وباختصار هو يتمحور حول تصويت مجلس النواب الروسي بالإجماع، لصالح إقرار مشروع قانون من جانب الرئيس فلاديمير بوتين، يسمح له بالبقاء في السلطة مدى الحياة، وبالنسبة للتفاصيل، وبالنقل عمّا تداولته وسائل الإعلام، فقد قال البرلمان، في بيان له: “إن جميع الحاضرين، والبالغ عددهم 432، قد صوّتوا لصالح مشروع القانون في قراءته الأولى، وكان هناك 18 عضوا غير حاضرين، وجاء في البيان أنه “لم يكن هناك أي معترض على مشروع القانون، كما لم يمتنع أحد عن التصويت”، الأمر الذي ينبثق عنه تساؤلات كثيرة منها: هل حصل التوافق البرلماني طوعاً ؟

تبعاً لهذه الأسئلة فإن الإجابة علينا فرض عين، ففميا يتعلّق بالسؤال الأوّل لماذا أجمع أعضاء البرلمان بأجمعهم على شخصية الرئيس بوتين؟ فهو سؤال فرضته عدّة مقتضيات منها على سبيل المثال والإثبات إنّ الرئيس بوريس يلتسن جاء في عام 1991م مدعوماً من حزبه حركة روسيا الديمقراطية أعقبه فلاديمير بوتين الذي(أكمل الفترة الرئاسية لبوريس يلسن كرئيس للوزراء) في الفترة ذاتها التي كان فيها رئيساً لروسيا الاتحادية لأوّل مرّة  كرئيس 31/ديسمبر/1999م، انتخب بوتن للدورة الأولى بأصوات بلغت نسبتها 53% من إجمالي الأصوات، وهذه كانت أوّل بارقة على تميّز هذا الشخص على أقرانه، وامتلاكه لأسباب القوة أبرز ميزاتها الشمولية، والظهور القوي الذي جعلة يظهر وكأنّه مؤسس وعمود رئيسي في البيت الروسي لا يمكن إزالته، على غرار أهمية رؤساء الاتحاد السوفيتي السابقين لا سيما الرئيس الأوّل للاتحاد السوفيتي فلاديمير لينين الأب المؤسس كان رئيس مجلس مفوضي الشعب و القائد الغير رسمي للبلاشفة من ثم ما طلعوا، كان قائد الجمهورية السوفيتية الاتحادية الاشتراكية من سنة 1917, و قائد اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية من 1922 لحد ما مات، واليوم هاهو بوتين يرث مجد القادة الروس العظماء ، ليؤسس صرحاً جديداً ومجداً جديداً وحاضراً ومستقبلاً جديداً، وواقعاً دولياً جديداً، وبخصوص السؤال المطروح: لماذا أجمع أعضاء البرلمان بأجمعهم على شخصية الرئيس بوتين؟ فالجواب بنظري يعود إلى جملة المنجزات والمكاسب التي حققها لروسيا كدولة رجعت لسالف عهدها بالقوة والمكانة أولاً ، ثانياً: ولجملة الإنجازات التي حققها بوتين للشعب الروسي، فالشرعية ممنوحة له شعبياً، وثالثاً: ظالم من يغفل السمات الشخصية للرئيس بوتين، فيكفي الإشارة لمستوى ذكائه بالتدليل على مهارته في فن ركوب الأمواج الاستراتيجية، في فن ترويض الظروف الدولية وتسخيرها لمصلحة عودة الصعود الروسي للقمة الدولية حيث صراع النسور مع النسور، حيث صراع الصقور مع الصقور، حيث صراع الجبابرة؛ جبابرة الدنيا والسياسة والمصالح، القاسم المشترك هنا المصلحة والسلطة والسيطرة، آه ثم أه ما أطيب النوم عند العجز عن الفهم والتحرّك، لذا أعذريني يا موسكو أراك لا تمدين لي يد المعونة، أرجوك أخرجيني من قاعنا المظلم، فإنّي طموح ينشد كرسياً وبيتاً ومالاً وكتاباً، فمدي يدك وشفاهك وعلميني لغتك ودين العشق لأحيا بينكم، فأنا ذو نون هذا العصر يا قيصر.

بالعودة إلى جملة المنجزات التي حققها الرئيس بوتين، فيمكن ذكر بعضا ليتسم كلامي بالدقة والإثبات وفق ما يلي:

أولاً: وفقاً لما أظهره استطلاع للرأي أجراه مركز “ليفادا سنتر” لاستطلاعات الرأي العام، بمناسبة تنصيب الرئيس بوتين لولاية رئاسية رابعة، يعتبر الروس أن أهم إنجازات الرئيس فلاديمير بوتين تتمثل باستعادة بلادهم صفة الدولة العظمى المحترمة عالميا (47%) واستقرار الوضع في شمال القوقاز (38 %) والحفاظ عليها من التفكك (27 %).

ثانياً: حماية الاقتصاد من التهديدات الخارجية، كما إن روسيا تمكّنت من تحقيق هذه الإنجازات بميزانية متواضعة، وتحديدا مقابل إنفاق “الكوبيكات (القروش)”، مشيرة إلى أن واشنطن تنفق على الدفاع ضعف ما تنفقه موسكو في جميع المجالات، ورغم ذلك، استطاعت روسيا أن تصبح مرة أخرى قوة رئيسة في الشرق الأوسط كما أنها وسعت نفوذها في القارة السمراء.

ثالثاً: أن موسكو خلال هذه السنوات نجحت في تعزيز العلاقات مع الصين، وإعادة شبه جزيرة القرم إلى قوام روسيا.

رابعاً: ويظهر من بيانات البنك المركزي الروسي أن احتياطيات روسيا الدولية نمت من 11.5 مليار دولار سجلتها في ديسمبر 1999 إلى 542 مليار دولار بلغتها في الشهر الثاني عشر من عام 2019م.

خامساً: إقامة شبكة علاقات دولية وإقليمية تؤهلها مستقبلاً في حال انكسار القطبية الأحادية، وقيام تعدّدية قطبية وانقسم العالم إلى حلفين أن تكون قائدةً لأحدهما.

وبعد استعراض هذه الغيظ من فيض، نعود للإجابة على سؤالنا المطروح، هل حصل التوافق البرلماني طوعاً ؟ فأنا أقول أنّها طوعاً، والسبب في ذلك هو الجدارة التي أبداه في إدارة شؤون الدولة الروسية وسياسة الشعب الروسي، وكذلك لخبرتهم التي تعود لقدمه في مجال العمل السياسي في روسيا، وكذلك المصداقية وهنا أعود لأذكر بتصريحات سابقة لبوتين تعود للعام 1999، حينها حذر بوتين، الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس وزراء روسيا، أن الاقتصاد الروسي بحاجة إلى أن ينمو خلال الـ 15 عاما القادمة بنسبة 8% سنويا للحاق بركب دولة أوروبية مثل البرتغال، من حيث نصيب الفرد من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وبالتدقيق بالفعل لقد حقق ما وعد به، ونفّذ خطته بنجاح بالأدلة والإثباتات التي قدّمها بيانات البنك المركزي الروسي.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here