زيد عيسى العتوم: سدّ للمياه أم سدّ لعقد التاريخ والجغرافيا!

 

 

زيد عيسى العتوم

ربما من المستغرب للكثيرين أن يتقبلوا خلط علوم النفس بعلوم السياسة, فسيجموند فرويد الذي غاص في طبقات الشخصية البشرية من سطحها الظاهر الى قاعها المظلم ربما لم يلتفت الى ذلك المزيج ولم يأبه  بتلك السياسة, لكن رحابة الكون وتراكمه التاريخيّ وصراعاته المتعددة من نقطة بدئه الى ساعة توقفه لهم ما يشبههم, فأرواحنا العميقة وفطرتنا الدفينة وسلوكنا المكتسب لا يفارقوننا من نقطة مولدنا الى لحظة موتنا, ومثلما قد تتملكنا مجموعة من الأفكار المركبة والمغمورة بشحنها العاطفيّ, تجعلنا ننكرها بأن نلقيها في بحيرة الكبت المغلقة, فنتنازع ونتصارع مع غيرنا من الأفكار والرؤى متناسين بواعث تصرفاتنا ومسببات عقدنا, فللدول أيضا ما يُعكّر حالها, ذلك الذي تختزنه الشعوب كما تتوارثه الأنظمة المتلاحقة, فيصبح لتلك الدول عقدها السياسية الخاصة بها.

لقد انقضت السنوات العشر من التفاوض بين اثيوبيا وأفرقائها دون ركيزة يضطجع عليها استقرار المنطقة ونمائها, في الوقت الذي كان من الممكن أن تنجح فيه حزمة التشريعات الدولية المنظّمة للمياه العابرة للحدود بحلّ تلك المعضلة في عُشر تلك اللقاءات المهدورة, فتصبح طبول الحرب تطاول أمتار المياه المجمّعة, وتغدوا الأيام المقبلة تعكّر صفو نهر رسمته الطبيعة وأذن بجريانه خالقها, كل ذلك ربما ينبع من روافد عقدة الشعور الاثيوبي بالنقص, عقدة تلازم من يمتلك معظم أنفاس النيل ولا يتفيأ سوى ببقعة من ظلاله, وعقدة حضارة المنبع التي لم تلامس تلك السقوف التاريخية والحضارية لحضارة المصب التي سخّرت ذلك النهر العظيم وجعلت له إله يُعبد, وعقدة بلد عاش ربع قرن من المجاعات والصراعات والحروب الأهلية المدمرة, وعقدة أثيوبية ترى أن استعمار تلك القارة السوداء لم يكن منصفاً حتى في ظلمه, ذلك الاستعمار الذي سلب وقنّن حق المياه لصالح دولتي المصبّ عندما كان يربض هو نفسه فوق ترابهما, وعقدة نسيج عرقيّ وقبليّ يجلس فوق فوة بركان يغلي, وليس ببعيد عن ذلك تلك الحرب المروّعة في تيجراي التي لم تلملم دمائها بعد, فتجعل حاجة القفز الى الامام وتصدير الازمات أفضل مسكنات ازماتها الداخلية, وعقدة أظنها تتربع فوق سواها من قبل ومن بعد, كون الانفصال الاريتيريّ قد ترك أثيوبيا المتخمة بمساحتها وسكانها محصورة في قمقمها لأنها ببساطة قد غدت دولة حبيسة, وما الرغبة الاثيوبية المتنامية بتأسيس وتضخيم سلاح بحريتها دون أن تمتلك ميناءا واحداً لنفسها الا نتاج ما يؤرقها, ثم تنبري عقدة انتشار الفقر والاحباط المزمن بينما يبيع الجميع حولها من ثرواتهم ويسعدون, وترى بذلك حتمية لملمة حليبها المسكوب وبيع مائها الضائع كما تظن.

كان باستطاعة اثيوبيا تحقيق تنميتها المنشودة دون الاضرار بغيرها, وإضاءة بيوتها المعتمة دون الحاجة لتعطيش الاخرين, لكن تلك العقد وغيرها قد جعلت من ذلك السد المشؤوم مشروعها ” العاطفيّ” وخيارها ” السيكولوجيّ” شاء من شاء وأبى من أبى, وقد لا نندهش إن أنجزت اثيوبيا الملء الثاني لسدّها كما تشتهي أن تعقبه بعمل عسكريّ لإعادة سلب ما استرجعه السودان من أرضه, حمى الله النيل…وأبعد الدم عن الماء!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. نعم حمي الله النيل وابعد الدم عن الماء … افضل دعوة في افضل شهر … للأسف المشكلة ليست فقط في اثيوبيا ولكن في المال البترودولاري الذي دعم بناء هذا السد … المشكلة بيان العربان وحقدهم علي مصر اكبر من الاثيوبيين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here