زياد علوش: ابرز ملامح النظام العالمي الجديد

زياد علوش

في الذكرى الستين لارتقاء الملكة فكتوريا عرش بريطانيا في حزيران/يونيو 1897؛ كان ربع سكان الأرض يرقبون الحدث الماسي، وصفه المؤرخ الأشهر ارنولد توينبي قبل أن يطاله التاريخ قائلاً: (نحن هنا فوق قمة العالم) فهل يطال نفس التاريخ امريكا؟ توجد اصداء معاصرة؛ الاسراف التوسعي الاستعماري مشابه والمأزق الإستراتيجي المشترك والتفرد القطبي بإدارة العالم، رغم التباينات الجوهرية، فالتحدي الانكليزي التاريخي اقتصادي؛ رغم الاختيارات الاستراتيجية الصائبة والدبلوماسية الراقية، كان موقعها كقوة- ديناميتها الاقتصادية والتكنولوجية يتآكل، فيما الأمريكي سياسي على الرغم من تعافي الاقتصاد بازمته الحالية وحيوية المجتمع بعد سنتين من الاحتفال الماسي وبعيد حربها مع الدراويش في (ام درمان) 48000  ألف درويش بين قتيل وجريح بخمس ساعات مقابل 48 جنديا! دخلت بريطانيا حرب البوير لحظة بداية انهيارها، واليوم لا تزال امريكا بحربها بعد العراق وافغانستان ودراويش العالم..!

على رأي بعض المؤرخين؛ كان يمكن لبريطانيا تجنب سقوطها بتجنب حرب البوير، فهل ينطبق ذلك على امريكا عبر حروبها الدينكوشوتية؟ احتفظت بريطانيا بتفردها لعقود، رغم سقوطها الاقتصادي بفضل استراتيجية واضحة ودبلوماسية جيدة، بداية عصر تحول القوى، والقوة اختارت التأقلم مع صعود امريكا بدل منافستها، وبعيد العام 1880 استسلمت لندن لواشنطن تحت عنوان تفضيل الاسترضاء والتهدئة والأماني الطيبة، بدلا من المواجهة مع القوى الفاشية، توجه بلير مع امريكا في العراق وافغانستان، وآخر مسمار في نعشها الاقتصادي الامبراطوري كانت الحرب العالمية الثانية التي مولتها امريكا مادياً والاتحاد السوفييتي بشرياً، الا ان الداهية تشرشل على الرغم من الثنائية القطبية الجديدة حجز له مكاناً بالسياسة ولبلاده في (يالطا) شباط/فبراير 1945 قمة تقسيم العالم: فرانكلين روزفلت، جوزيف ستالين، وونستون تشرشل، لقد كان هناك كبيران ومستثمر سياسي عبقري! الملاحظ قدرة امريكا العسكرية ليست سبب قوتها، إنما نتيجة لها.

لقد بدأت قاعدتها العلمية والتكنولوجية بالتآكل بتحلل ثقافي بتحول المسرات المؤجلة الى ملذات دائمة على حساب اساسيات الرياضيات والتصنيع والعمل والادخار، البقاء على القمة له سلبياته، بافتراضه تحمل العالم مشقات إفهامه وتفهمه مثال سيادة اللغة الانكليزية التي حرمت اصحابها الأساسيين واعطت الآخرين فهماً ومدخلاً لسوقين وثقافتين ولغتين، فالتعلم من الآخرين لم يعد شيئاً اخلاقياً فحسب، بل ضرورة تنافسية متزايدة، الوظائف لا تذهب لدول منخفضة الأجور بقدر اماكن فيها عمال جيدو التدريب والتعليم، لأن العالم يسبح في رأس المال، على مدى قرن بعد 1894 كانت معظم السيارات المصنعة بأمريكا الشمالية تصنع في ميتشغان، ومنذ 2004 حلت اونتاريو بكندا مكانها، بسبب الرعاية الصحية المرتفعة بأمريكا 5600 دولار للعامل مقابل 800 دولار في كندا! ليصبح توظيف الأمريكي مخاطرة تنافسية، هذا المأزق يطال الشركات الأمريكية؛ عندما كانت تجلب من الخارج رأس المال والمعرفة، واليوم يكتشفون أن الآخرين لا سيما الصينيين لديهم المال والمعرفة.

لاحظ الاقتصادي مارتن وولف ان رأس المال والعمل اصبحا سلعتين، ويستطيع اي بلد الأزدهار بالأفكار والطاقة، تدخل امريكا القرن الواحد والعشرين بالموجة الرابعة من القلق التاريخي حول فقدانها ميزاتها بعد الحرب الكونية الثانية، الأولى اواخر خمسينات القرن الماضي باطلاق السوفييت قمرهم الصناعي سبوتنيك، والثانية اوائل السبعينات بانخفاض اسعار البترول والنمو، والثالثة اواسط الثمانينات مع صعود التكنولوجيا والاقتصاد الياباني، تلك كانت تقديرات النخبة الأمريكية التي لم تحدث، تدنت فعالية السياسة الأمريكية وبلغت الحضيض في ملف التسوية الشرق اوسطية، بسبب تقادمها وتصلبها الذي بلغ 230 عاماً، عندما قبض عليها المال والمصالح الخاصة ووسائل إعلام غوغائية ومجموعات ايديولوجية عدوانية، والنتيجة مجالات عدوانية لا تنتهي حول خلافات سياسية مسرحية، واصبح وطن القدرة مثقلاً بالفشل السياسي الذي يطمس السياسات الحزبية الجريئة، تمنى بعض علماء السياسة الأمريكيين تشابه احزابهم مع الأوروبيين، ايديولوجية نقية؛ انضباط شديد، حيث الجناح التنفيذي يضبط عمل الجناح التشريعي، اما النظام الأمريكي فيقوم على مشاركة السلطة وتداخل الوظائف وتنازع السلطات، ولهذا اعتبرها جيمس ماديسون خطراً مميتاً على امريكا، التحدي السياسي يقع على عاتق واشنطن فهل تستطيع التأقلم مع صعود الآخرين وتستجيب للتحولات في المتطلبات الاقتصادية والقوة السياسية.

لقد كان العالم الماضي من تصميمها واليوم هي في قلب اكبر فترات التغيير في التاريخ، العالم الجديد ربما تسيطر فيه امريكا بفضل قوتها في العالم الشبكي على مساحة اقل، لكنها مجبرة على الاختيار بين استقرار النظام العالمي الناشئ بتقبل الأمم الصاعدة والتنازل عن بعض الامتيازات والقبول بعالم متعدد الأصوات ووجهات النظر، وبين ان تقف في وجه منطق التاريخ الذي يطال كل شيء وهو يولد المزيد من النزاعات مما سيمزق النظام الذي بنته على مدى الستين عاما المنصرمة، فهل يدرك الساسة في واشنطن حقيقة واقعة ما بعد امريكا؟.

(كاتب صحفي ومحلل سياسي)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here