زياد أحمد سلامة: هل عرضت قريش على النبي محمد دولة علمانية؟!

 

 

زياد أحمد سلامة

  كانت ردود الفعل متباينة حول مقالنا السابق عن كتاب الدكتور محمد أبو رمان “أسرار الطريق الصوفي” المنشور في “رأي اليوم” يوم 18/11/2020 لا سيما فيما يخص الحديث عن تحول الشاعرة زليخة أبو ريشة عن التصوف إلى العلمانية، وقد ردت السيدة زليخة بأنها لم تتحول عن الصوفية بدليل أنها ما زالت تكتب شعراً صوفياً، ولما قلنا بأننا يعنينا موقف الإسلام من العلمانية ردت باستنكار: هل كانت العلمانية موجودة عندما ظهر الإسلام؟ أو هل ظهرت العلمانية في فترة نشوئه؟

  عند تحرير محل النقاش، لا بد من تحديد معاني المفاهيم والمصطلحات المستخدمة، ومن ذلك لا بد من تحرير معنى “العلمانية”، وكما قال الناشط العلماني “حميد الملا، وهو محام بحريني في مقال له بعنوان:” لماذا العلمانية وكيف نفهمها” منشور في موقع “المنبر التقدمي في البحرين بتاريخ 6/6/2017 عن معنى العلمانية: “هي مصطلح غربي وجذورها تعود الى الفلسفة اليونانية القديمة لفلاسفة يونانيين أمثال ابيقور، غير أنها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوربي على يد عدد من المفكرين أمثال توماس جيفرسون وفولتير وغيرهما، وهي نتاج تطور المجتمعات منذ  القرن الخامس عشر وأول من استخدم هذا المصطلح المفكر الانجليزي جورج هوليوك عام 1851وكان يقصد به الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة”، وتابع قائلاً:” كما أن الفيلسوف الانجليزي الآخر جون لوك واضع أسس العلمانية في القرن السابع عِشر كان قد عنى بالعلمانية: “الفصل بين الحكومة والدين والفصل بين السلطات، وكان يرى أن وظيفة الدولة هي رعاية مصالح المواطنين الدنيوية، أما الدين فيسعى إلى خلاص النفوس فى الآخرة”، وخلص الكاتب إلى نتيجة تقول:” إذن فالعلمانية هي الفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية، بحيث ألا تفرض المؤسسة الدينية قوانينها على الدولة باسم الدين ولكن مع ذلك على الجميع ممارسة حقوقهم الدينية وبشكل كامل ولكن بعيدا عن مؤسسات الدول”. وهذه الخلاصة في أن العلمانية تعنى بفصل الدين عن الدولة: نُظماً وقوانين” موضع إجماع بين العلمانيين كافة، ولكنهم قد يختلفون على الموقف من الدين: هل نقصيه نهائياً؟ هل نترك للناس حرية الخضوع لبعض القوانين (الدينية) كالأحوال الشخصية؟ هل نأخذ من الديانات بعض الأحكام فنعيد صياغتها فتصبح بهذه الصياغة علمانية؟

 هناك من العلمانيين من وقف بصرامة من الدين، ولم يسمح بإعطاء أي مجال للدين مهما كان صغيراً خارج نطاق التدين الشخصي المعني بعلاقة الإنسان بخالقه وحسب، ومنهم ومن فهم على أن العلمانية ترفض الدين من أصله فكانت العلمانية قرينة بالإلحاد، ومنهم من قال بأن للعلماني أن يكون مؤمناً بخالق ودين وله أن يمارس بعض العبادات وأداء بعض (الطقوس) الدينية من صلاة وصيام وحج وتبرع للفقراء، وهم يُسَمون بالعلمانيين المؤمنين وهم أكثر العلمانيين من أبناء المسلمين.

  نعود إلى موقف الإسلام من العلمانية: صحيح أن العلمانية مصطلح حديث نسبياً، ولم يرد في القرآن والسنة ولا كتب الأولين، ولكن عند إخضاع أي مفهوم مُحْدَثٍ لمعايير الإسلام وأفكاره نجد أن الإسلام لا يقول بهذا الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وهناك الكثير من الأدلة الشرعية من قرآن وسنة التي توجب على المسلمين إقامة كيان سياسي لتطبيق أحكام الإسلام في كل المجالات: الاقتصاد، النظام الاجتماعي، نظام الحكم، النظام القضائي والقانوني، تماماً كالقيام بالعبادات وممارسة الأخلاق.

إذا كان العلماني يرى عدم وجود حرج في أن يكون علمانياً ومؤدياً فرائض الله في الوقت نفسه، فهذا شأنه، ومن قبلُ سمعنا من يقول بأنه يجمع بين الاشتراكية والإسلام، وظهرت كتب عن “الاشتراكية والإسلام”، وعن “اشتراكية [الصحابي] أبي ذر” ورأينا مَن يجمع بين الرأسمالية والإسلام، وبين الوجودية والإسلام، حتى إن بعض الشيوعيين راق له أن يأخذ الجانب الاقتصادي والاجتماعي من الشيوعية وأبقى على الإيمان بخالق مدبر لهذا الكون، كل أولئك وشأنهم، ولكن هل يوافقهم الإسلام على هذا المزج والخلط؟!

  صحيح أن مفهوم العلماني حديث نسبياً كما مرَّ انفاً، ولكن التصور العام له كان حاضراً في التصور الإسلامي مبكراً، فقد ظنت قريش عند ظهور الدعوة الإسلامية أنها دعوة فردية عابرة وأنها تماثل دعوة الأحناف الذين كانوا في مكة يرفضون مشاركة قريش في عبادة الأصنام وبقية قيمها وعاداتها شأن ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهم وأنها سرعان ما تذهب في حال سبيلها، ولكن لما اتضحت معالم هذه الدعوة وأنها لا تعني محاربة عبادة الأصنام وحسب، بل تعني نسف كل القيم البالية في المجتمع المكي، فهي تدعو للمساواة بين الناس (مهاجمة القيم الاجتماعية)، وتهاجم التطفيف في الميزان، ( مهاجمة القيم الاقتصادية)، وغير ذلك، فأدركت أنها أمام دعوة غير دعوة زُهَّاد قريش وحنفائها، فقررت التصدي لهذه الدعوة، يُذكر في كتب السيرة أن أبا طالب لما أتاه كفار قريش، وقالوا: “يا أبا طالب! إن ابن أخيك سب آلهتنا، وشتمنا، وسفَّه أحلامنا، فإن كان ابن أخيك مطبوباً -أي: مسحوراً-داويناه، وإن كان يريد ملكاً ملَّكناه، وإن كان يريد مالاً جمعنا له مالاً، وإن كان يريد زوجة زوجناه بأحسن فتاة في مكة”، أي أرادت تفريغ هذه الدعوة من محتواها، وأن تحصرها في ممارسات شخصية، فيعبد محمد واتباعه الله كما يريدون مقابل أن لا تتعدى دعواهم ذلك، وهذا معنى عرضهم الملك على النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رفض النبي عليه السلام لهذه الدعوة قاطعاً   فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لعمه الذي أوصل إليه الرسالة: “يا عم! والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”، فالأمر واضح عند النبي صلى الله عليه وسلم، دعوة تامة لا نقص فيها. وأشد درجات وضوح عدم القبول بدمج مفاهيم الإسلام مع مفاهيم غيره من الديانات والمذاهب أن الكفار قريش عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلوا في دين الإسلام عاماً، وأن يدخل هو في دينهم عاماً، وهذا يعني أن تتقدم قريش خطوة تجاه الإسلام فتتنازل عن شيء من عقيدتها وقيمها وأعرافها، وأن يتنازل (النبي) مقابل ذلك عن شيء من دينه وعقيدته وأحكامه التي تميز دينه عن غيره، ولكن الرفض كان قاطعاً، وأعلن بصراحة أن الأمر غير قابل للخلط ” قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ “. فهذا دين الإسلام، لا يقبل ازدواجية الأحكام والمفاهيم مع غيره، وكما قال الشاعر الإنجليزي كيبلنج “الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا”.

عمان / الأردن

ziadaslameh@yahoo.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

8 تعليقات

  1. يا سيد جهاد، لم يكن هناك فقهاء وعلماء شريعة ودين ايام الخلفاء الراشدين، مفهوم الفقهاء وعلماء الشريعة والدينه و نتاج العصر الأموي.
    هل لك ان تأتيني بفتوى دينية واحدة منسوبة الى عمر بن عبد العزيز.
    اكرر لعل في التكرار افادة، افكار معلبة، لمواقف سياسية معلبة لا تحول اساطير فقهاء عصر الانحطاط الى حقيقة تاريخية.

  2. ردي على الأخ فاروق الطباينة
    كلامك قد جانب الصواب، فكل الخلفاء الراشدين كانو فقهاء وعلماء شريعة ودين قبل أن يكونو حكام، كذلك عمر ابن عبد العزيز وغيره من الحكام الفقهاء، وليس صحيحا ان الحكام لم ينصبهم الفقهاء بل كان هناك ما يسمى البيعة وهي تتم من الجميع للخليفة وعلى رأس هؤلاء الفقهاء والعلماء

  3. الى السيد فاروق:
    ألم يكن رسول الله رئيسا للدولة وقائدا للجيش يرسل الغزوات والمشرع للأحكام والمنفذ للعقوبات، وكذلك كان خلفائه -باستثناء النبوة- كانوا أيضا يسيرون الجيوش ويصدرون الاحكام ويقيمون الحدود، فهل هذه أعمال دول أم لا ؟ وهل كانت هذه الاعمال على أساس أحكام الدين المنزل من عند الله أم كانت رؤيه خاصة بهم؟
    والصحيح أن الاسلام لم يفصل بين الدين والدولة ولكنه فصل بين الدين والامور الدنيوية المتعلقة بتطويرالتقنيات المستخدمة في الزراعة لقوله عليه الصلاة والسلام في تطبير النخل” أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، ويمكن قياس ذلك على تطوير كافة التقنيات الصناعية والمهنية المختلفة الاخرى وطبعا يجب أن يكون هذا التطوير ملتزما بالقيم الشرعية فلا غش ولا ضرر ولا ضرار….الخ.

  4. العلماني ” المسلم ” لو اقام الليل وصام النهار فهو في جهنم!! اذ كيف يعبد الله ويرفض شريعته !!!!

  5. يا ابو انس، ما الذي تعرفه عن تاريخ انكلترا غير اسم كرومويل؟ يا اخونا الهيمنة البريطانية على العالم بدأت مع الملكة اليصابات الاولى التي سبقت كرومويل بقرن كامل، كما ان ثورة كرومويل وما رافقها من حروب اهلية وفوضى سياسية في بريطانيا في حينه تسببت بتراجع النفوذ البريطاني الى حين اعادة استتباب الأمر للطبقة الحاكمة.

  6. يقول الله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان
    وبناءا على ذلك فان كل الفلسفات وكل النظريات والطوبيا وكل الافكار في بحر والاسلام في بحر اخر ولن يمتزجان
    الاسلام هومشروع امة تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر
    ولن يقف على الحياد ولن يقبل بمقولة دع ما لله الله والباقي اتركه للمرابين وقتلة الشعوب واستعمارها وناهبي ثرواتها
    والاسلام لن يكون معناه الاستسلام لسطوة التاريخ وحتى في اوروباالعلمانية لن يسمح الاسلام
    لنفسه ان ينظر الى الله باعتباره اله التاريخ
    ولن يقبل الاسلام بدين صوفي يكرس العبودية والتبعية
    ان الدين عند اوروباومعناه هو تجربة فردية خاصة لا تذهب ابعد من العلاقة الشخصية بالله وهي علاقة تعبر عن نفسها فقط في عقائد او شعائر يؤديها الفرد وعليه فلا يمكن تصنيف الاسلام كدين بهذا المعنى فالاسلام اكثر من دين لانه يحتوي الحياة كلها
    اوروبا تريد منا فصل الاسلام عن الدولة وليس الدين
    من وجهة نظر فلسفة التاريخ يعتبر ظهور انجلترا والروح الانجلوسكسونية في تاريخ الغرب اشبه بظهور الاسلام في تاريخ الشرق ولعل هذا ما عناه شبنغلر في مقارنته بين النبي محمد عليه السلام وبين كرومويل حيث انه اي شبنغلر راى الشخصيتين في اطار نظرته لتاريخ العالم كانهما شخصيتان معاصرتان حيث ان الوحدة الكنيسية مع الدولة في انجلترا وظهور انجلترا كقوة عالمية كل ذلك بداء مع كرومويل .
    وكذلك بدأت مع محمد عليه السلام وحدة الدين والدولة وظهور الاسلام كقوة عالمية وكان كلاهما مؤمنامتطهرا ومؤسسا لامبراطورية كبرى
    في انجلترا لم تظهر محاكم التفتيش ولا هيمنة كنسية وكذلك الاسلام لم يعرف شيئا من هذا

  7. يا سيد سلامة،
    الاسلام فصل تماما بين الدين والدولة، عكس اوروبا.
    اتحداك ان تسمي خليفة واحد نصبه على كرسي الخلامة فقيه في التاريخ الاسلامي كله، كما كان باباوات روما ينصبون ملوك اوروبا كافة.
    واتحداك ان تسمي فقيها واحدا حكم في تاريخ الاسلام كله.
    او ان تسمي خليفة واحدا افتى في تاريخنا الاسلامي كله.
    افكار معلبة، لمواقف سياسية معلبة لا تحول اساطير فقهاء عصر الانحطاط الى حقيقة تاريخية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here