زهرة عباد الشمس

adel-alamin1

عادل الأمين

 الكوزموبلوتانية  نظرية رجعية تدعو إلى نبذ المشاعر الوطنية والثقافة الوطنية والتراث الوطني باسم وحدة الجنس البشري وتعكس الكوزمو بلتانية – كايد ولجية-طموح المستعمرين  خلال الحقب الثلاث الاستعمار المباشر(الكولونالية ) والاستعمار غير المباشر(الامبريالية) والشراكة –الديمقراطية) أو الامبريالية الجديدة التي نعيشها الآن كآخر مراحل الرأسمالية الاحتكارية العابرة للقارات..

لقد ادت هذه الكوزمو بولتية تحت شعارات الشيوعية الدولية”يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة  أتحدو” إلى هيمنة الاتحاد السوفيتي السابق على نصف دول العالم وكانت أكثر مسخاً للدول التي كانت تدور في فلكه فيما يعرف بحلف وارسو.. المانيا الشرقية وبولندا والمجر ورومانيا وتشيكو سلفاكيا ويوغسلافيا..طمست هوية هذه الشعوب الوطنية وشرد مفكريها ومثقفيها ونهب تراثها..وأغرقت في الفقر..ولكن عندما انهار جدار برلين وذهبت السكرة وجاءت الفكرة استعادت هذه الدول سيادتها وخصوصيتها وحدودها الجغرافية..بعضها نهض بسرعة الصاروخ وتمكن من تاهيل نفسه وشعبه بمقاييس أوروبا الجديدة ودخل نادي الكبار في الاتحاد الأوروبي ،بينما البعض الأخر لم يصمد وخرجت النزاعات القائمة على الهويات الصغرى التي لم تفلح الشيوعية الدولية في إزالتها..بعضها أعاد لحمة الوطن  والبعض تفككك..كأعراض لنهاية هذه الكوزمو بلوتية   والوطنية العالمية الزائفة..

أما في منطقة الشرق الأوسط الذي استورد  منها نموذج الدولة المركزية المهيمنة/مصر والدويلات التي تدور في فلكها/الوطن العربي ، تماما كم هو حال حلف وارسو.جاءت الشعارات القومية العروبية عبر أبواق إذاعة صوت العرب في  1953 لتلغي الحدود  الجغرافية للدول العربية والخصوصية لكل دولة عربية،بل سعت لإسقاط الأنظمة الملكية التقليدية بالقوة وسببت الآلام وتشريد للشعوب وانتشرت الانقلابات من المحيط إلى الخليج وتكرست ثقافة الزعيم والقائد الضرورة  و دولة (المشروع ) والحروب العبثية والنزوح..حتى ذبلت هذه الشعارات القومية بشقيها البعثي والناصري مع تقادم الزمن وخفت بريقها لتعود نفس هذه الايدولجيات العابرة للحدود في إطار ديني اسلاموي عبر تنظيم القاعدة من ناحية أو الأخوان المسلمين من ناحية أخرى  وبأحلام طوباوية بعودة الخلافة وعقارب الزمن إلى الوراء إلى المركز القديم   وهيمنة تركيا على الوطن العربي والاستعمار الإقطاعي المجرب و بإعادة تدوير مشروع الإخوان المسلمين فيما يعرف بالربيع العربي..وعادت الحروب المميتة والنزوح والمعاناة..وبروز النزاعات القائمة على الهويات الصغرى في الدولة القطرية..والصراعات المذهبية التاريخية التي تهدد الحدود الجغرافية المقدسة للدولة القطرية كل عن حدة..وتضعف المشاعر الوطنية وتبث الكراهية بين أبناء الوطن الواحد..

هذه هي الكوزمو بلوتانية بوجوهها المتعددة أو ما نسميه مجازاً بطموحات زهرة عباد الشمس..تشرئب في غرور فريد لتعانق الشمس ،فتفارق جذورها المياه..وتذبل وتموت وتتيبس وتتفتت أيضا ويلقى بها في مذبلة التاريخ..

حتى نتفادى هذا المصير المشئوم..على كل دولة عربية أن ترفع هذا (الإصر )الوافد عن عنقها  والممتد لستة عقود  وتبحث عن مسار جديد في سباق المسافات الطويلة إلى الديمقراطية ،يعبر فقط عن خصوصيتها الثقافية والتراثية والتاريخية سواء كانت ملكية أو جمهورية ليس المهم (نوع) النظام بل المهم (طبيعة) النظام..وان تقوم أسس الوحدة بين الدول في التنوع والمصالح الاقتصادية  كما هو تجربة الاتحاد الأوروبي1990 بوضع صورة قياسية ، تسعي لها كل الدول وفقا لظروفها الموضوعية دون استنساخ مخل لتجارب الآخرين أو هيمنة المركز على الهامش ونموذج جامعة الدول العربية الفاشل من 1946..وكما يقول أخواننا المصريين(ما فيش حد أحسن من حد)..

  انظروا إلى الأمارات العربية اليوم مقارنتا بليبيا..والسعودية مقارنة بالعراق وكلها دول نفطية..مع العلم إننا نعيش اليوم في عصر العلم والمعلومات. وان الاستقرار وديمومة السلام لا تعتمد على النفط ولا الأجهزة الأمنية..بل (الديمقراطية التوافقية) بكل اكسسواراتها المعاصرة من فصل بين السلطات وتداول سلمي للسلطة ودولة مدنية لامركزية حقيقية خالية من النزاعات الهويات الصغرى الناجمة عن التهميش..بسبب الملة أو العرق أو المذهب…أو النظام المركزي السقيم..والحديث ذو شجون…

*كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here