زمن الذكريات الصحفية

amimourok1.jpg661

دكتور محيي الدين عميمور

 

في بداية العهدة الأولى للرئيس الشاذلي بن جديد وصل إلى الجزائر الصحفي المصري المعروف لطفي الخولي، وأبلغني الرئيس أن الصحفي طلب الالتقاء به عن طريق الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وسألته عن المؤسسة الإعلامية التي سيكتب لها لطفي فقال بأنه لا يعرف، وكان مندهشا لأن الصحفي لم يبادر بالاتصال بي، وإن كنت أتخيل السبب، حيث كان لي موقف من هذا الصحفي، الذي كان يتسرب إلى الجزائر تحت مسوح اليسار، ولم يكن موقفي ينطلق من اعتبارات شخصية، فقد كنت أعتبره من الصحفيين المتميزين على الساحة السياسية، وكان  يلقى من الجزائر ومن الرئيس هواري بو مدين كل احترام وتقدير، خصوصا وقد ارتبط اسمه بالكفاح الفلسطيني، ولهذا كان الباب مفتوحا أمامه دائما، وهو ما كان فرصة لبعض جماعتنا للتقرب من الرئيس عن طريقه، ولكنني كنت على يقين من أنه يتعامل مع مصالح خاصة، وهو ما سيتأكد فيما بعد.

واسترجعت في ذاكرتي آخر زيارات لطفي الخولي إلى الجزائر بعد حرب أكتوبر 1973، حيث قمت، بتكليف من الرئيس بومدين، بتنظيم زياراته واتصالاته وحواراته، ومن بينها حوارات مع الرئيس نفسه، حضرتها كلها وسجلت فيها أهم معالم الحديث، كما يحدث في كل اللقاءات الصحفية.

 وكانت العادة في التعامل مع الصحفيين أن أقوم بمراجعة النص النهائي الذي سينشره الكاتب، لكنني لم أكن أتمسك بذلك مع الأوزان الثقيلة مثل محمد حسنين هيكل ولطفي الخولي وجورج مونتارون وجان دانييل وغيرهم من كبار الكتاب.

وخلال الحوار قال الرئيس بو مدين للطفي الخولي، وبحضوري، بأنه كان “يعلم” أن السادات سيقوم بحرب ضد إسرائيل من واقع ما سمعه منه.

وكان المتفق عليه أن تصدر المقالات في “الأهرام” و”النهار”، ويعاد نشرها في الجزائر في “الشعب” باللغة العربية”، وتترجم إلى الفرنسية لنشرها في “المجاهد”.

وصُدمت عندما وصلتني صحيفة النهار التي تحمل نص الحوار مع الرئيس، فبدلا من أن يقول الصحفي على لسان بو مدين …. :”كنت على “عِلم” أن الرئيس السادات سيدخل الحرب …. قال : كنت على “ثقة” أن الرئيس السادات سيدخل الحرب، وبين العلم والثقة سور كأسوار الصين، وأحسست يومها أن لطفي دخل في عملية تلميع الرئيس السادات، وكان هذا مثيرا للدهشة من قبل صحفي يساري ناصري، كما كان يقدم نفسه.

ولاحظ الرئيس بومدين الفرق، وتأكد، بسؤال مباشر، أنني لاحظته.

ثم جاءت سلسلة المقالات التي كتبها لطفي الخولي فيما بعد في الصحافة المصرية “، تحت عنوان :  “المدرسة الساداتية – نظرة فوتوغرافية”، أي أنه يقدم “مدرسة” السادات وكأنه آلة تصوير محايدة، وكان هذا خداعا كبير لأنه إذا كانت الآلة في حد ذاتها محايدة فإن زاويا التقاط الصورة واتجاه الأضواء المسلطة على ما يتم تصويره هي مادة معروفة للتلاعب.

وكمثال بسيط، فإن التقاط الصورة من أعلى En plongé  يُقزّم العملاق الذي يتم تصويره، في حين أن صورة تلتقط من أسفل  En contre plongé تجعل من القزم عملاقا.

وهكذا، وعندما بدأ لطفي الخولي يجري اتصالاته ليفوز بأول حديث صحفي مع الرئيس الجزائري الجديد، تحفظت على اللقاء وصارحت الرئيس بشكوكي، خصوصا عندما عرفتُ، عبر اتصالاتي الخاصة، أن الحديث سينشر في مجلة “الوطن العربي”، التي كانت مواقفها منّا عدائية منذ انفجار قضية الصحراء الغربية على ساحة المغرب العربي، ثم بعد الموقف المتزن الذي التزمت به الجزائر في الحرب العراقية الإيرانية، وكان العراق ممولا رئيسيا للمجلة التي انقلبت ضده بعد أغسطس 1990.

وقلت للرئيس بأن الصحفي سيجري حديثه لمجلة “الوطن العربي”، التي أمّنت له السفر إلى الجزائر، ولكن الأمين العام لرئاسة الجمهورية الذي حضر لقائي مع الرئيس نفى ذلك، وقلت للرئيس أنه صاحب القرار النهائي، وإن كنت أفضل، على ضوء التجربة السابقة في عهد الرئيس بو مدين، أن يتم الاتفاق مسبقا على نص المادة التي ستنشر وعلى المنبر الذي ستبث منه، وهو إجراء عادي معمول به في كل البلدان.

وكان من خلفيات تحفظي هو تأكدي من أن الصحفي يعمل أيضا لمصلحة مراكز مُعينة، تريد، عبر الاتصال الأول مع الرئيس، اكتشاف أشياء وزرع أشياء أخرى، خصوصا وأنا أعرف دهاءه وحسن نية الرئيس في التعامل مع الأشقاء، وكان علي أن أحافظ، لأطول مدة ممكنة، على جو الغموض حول الرئيس الجديد، حتى يتمكن من الإحاطة بكل شيء.

ومرت أيام، وكلمني الرئيس هاتفيا ليقول لي أنه اضطر لاستقبال الخولي بناء على تدخل من مسؤول أمني كبير، قدم الصحفي للرئيس على أنه مناضل مصري معادٍ لخط السادات، وقال لي الرئيس عندما التقيته في مكتبه بعد ذلك : لقد قبلت لقاءه على ذلك الأساس، ولكنه أحرجني عندما قال خلال اللقاء بأنه لا يستطيع أن ينسى أنه صحفي، وبأنه يستأذن في أن ينقل للقراء العرب صورة عن الرئيس الجزائري الجديد وعن فكر القيادة الجزائرية.

وقلت للرئيس بكل موضوعية بأن ذلك يمكن أن يكون أمرا جيدا إذا نشر كاتب في حجم لطفي الخولي صورة إيجابية عن الجزائر، وفي مجلة الوطن العربي على وجه التحديد، وهي مجلة معادية لنا ولي أنا على وجه التحديد.

ولأن عملي كان متابعة كل ما يرتبط بالرئيس فقد كلفت في باريس من يطلع على المجلة التي توقعت أنها ستنشر الحديث، وأبلغت بصدور المجلة  التي حملت على غلافها عنوان: أول حديث يدلي به الشاذلي بن جديد.

وأطلب النص على الفور فيصلني برقيا في نفس الليلة، وأرسلتُه للرئيس الذي اتصل بي هاتفيا ليقول لي : كنتَ على حق، والرجل لم يحترم الاتفاق، وعليك أن تنفي إجراء حديث صحفي معي.

وأجبته بأنني أفضل، بعد إذنه، انتظار وصول المجلة نفسها ثم نتخذ قرارنا على ضوء المادة.

ووصلتني أعداد من المجلة نفسها في اليوم التالي فأرسلت نسخة للرئيس، ورحت أتأمل الحديث الذي نشر على عدة صفحات من المجلة.

والواقع هو أنه، لو حسنت نوايا لطفي الخولي، لكانت قضية هذا الحديث تكذيبا لتنبؤاتي وربما ضربة قاضية لمكانتي بجوار رئيس الجمهورية، ودعما لكل الخصوم الذين كانوا يريدون، بكل وسيلة ممكنة، زحزحتي عن سلطة القرار الإعلامي المتعلق بالرئيس، أو أرادوا مشاركتي فيه على الأقل، وبشروطهم، وهو ما كنت أرفضه دائما.

كان الحديث في مجمله جيدا نظرا لأن الخولي صحفي قدير، لكن هناك قضايا نشرت ولم يكن قد حان أوان الحديث عنها، وقال لي الرئيس بشأنها أنه تحدث بقلب مفتوح مع الرجل كمناضل وأكد أن بعض ما يقوله هو له شخصيا، وأضاف بأن هناك أشياء لم يقلها وأشياء أخرى نشرت محرفة.

 وقلت للرئيس بأمانة أنني أتصور أن الصحفي ربما استعان بأفكار آخرين ممن هم على علاقة به، ولم أحاول إطلاقا أن أذكر بما قلته ضد الرجل وبعدم موافقتي على إجراء حديث معه، بل على العكس حاولت أن أجد له مبررا، مع كل ما قد يبدو في هذا التصرف من ماكيافيللية، ولكنني لم أردْ أن يضطر الرئيس للبحث عن مبررات لإجراء الحديث بما يدفعه للتعاطف مع الصحفي، ولعل الرئيس وجد في تبريراتي تأكيدا لموضوعيتي، غير أنه كان ثائرا  لأنه كان يحس بنوع من الخديعة، وأعطاني أمرا واضحا بتكذيب الحديث، فرجوته أن يعطيني حق التصرف بعد أن أدرس الأمر من كل جوانبه، وعندها أعطاني حرية التصرف.

وكان من توفيق الله أنني اتخذت قراري بعد دراسة لكل المعطيات وبعيدا عن أي دوافع شخصية، وكان هدفي الرئيسي أن أكون وفيا لثقة الرجل الذي أعمل معه

وبدأت في إعداد رد الفعل على ضوء المعطيات التالية:

* – كان أكبر خطأ وقع فيه الخولي، وهو ما سهّل عملي، نشره الحديث بتوقيع مستعار، هو مصطفى النديم، ونشرُ حديثٍ صحفيٍّ لرئيس دولة باستعمال توقيع وهمي أو باسم غير معروف معناه أن الحديث مُفبرك، أو أنه إعلان مدفوع الثمن، وهذه استهانة برئيس جديد جاء بعد زعيم كان ملء السمع والبصر لأكثر من عقدين

* – إذا عُرف يوما، وهو آت لا محالة، أن الذي أجرى الحديث هو الصحفي المرموق لطفي الخولي فإن هذا سيعني أن الصحفي ترفع عن وضع اسمه على الحديث لأنه لم يقتنع بما قيل له، وبهذا يكون وضْعُ الرئيس وسمعته أكثر سوءا (وقد قال الكاتب لبعض أصدقائه فيما بعد أنه اضطر لوضع توقيع مستعار لأنه كان ممنوعا من الكتابة في مصر، وهو تبرير غير مقبول، إذ أن النشر كان في مجلة تصدر في باريس، وكان ممكنا أن يتم “نسيان” ذكر الصحفي الذي أجرى الحوار، أو وضع اسم مدير التحرير نبيل مغربي على الحديث، ولا أتصور إلا أن نص الحوار قد نقل حرفيا إلى جهات معينة في مصر، كانت هي التي شجعت على إجراء الحوار، ومنع الصحفي من التوقيع باسمه، إن حدث، يؤكد هذا الظن).

* – يشمل الحديث جوانب إيجابية لا بد من الاستفادة منها.

* – اتخاذ أي موقف ضد صحفي عربي يمكن أن تستغله الدوائر المضادة لكل ما هو عربي.

واستقر رأيي على صيغة تكذيب يمكنها أن تستجيب لكل ما أفكر فيه، وتُمكننا من استثمار الإيجابيات وسحب المصداقية من السلبيات، وهكذا نشرت صحيفة الشعب صباح السبت 13 أكتوبر 1979 على صدر صفحتها الأولى الخبر التالي :

“نشرت مجلة عربية أسبوعية تصدر في باريس حديثا منسوبا إلى رئيس الجمهورية، وقالت أن الحديث أجراه مراسل يدعى مصطفى النديم، وقد تأكد لصحيفة الشعب، بعد استيضاح الدوائر المعنية برئاسة الجمهورية، أن الرئيس لم يستقبل بتاتا صحفيا يحمل هذا الاسم”.

ثم أجريت اتصالا بدا روتينيا مع مراسل صحيفة لو موند بالجزائر السيد “دانييل جونكا”، (وكنت ألفتُ الاتصال دوريا بأهم المراسلين الأجانب في الجزائر لأسرب لهم معلومات مطلوب إشاعتها، أو لألتقط أخبارا يهمني معرفتها، وهو الدور العادي للمستشار الإعلامي).

وعبر الحوار دفعت الصحفي شيئا فشيئا إلى استدراجي للسؤال عن قصة أول حوار صحفي مع الرئيس، فقلت له أنني سأنشر غدا تكذيبا في الشعب، وبأن القضية أن الرئيس استقبل مناضلا مصريا من خصوم الرئيس السادات، وتحدث معه أخويا وعلى الطبيعة، ويبدو أن المناضل نقل إلى المجلة التي تصدر في باريس، وبحسن نية، جوانب من الحوار كما احتفظتْ به ذاكرته، ولعله أضاف له بعض ما التقطه من أحاديث مع جزائريين آخرين.

ونشر الصحفي الفرنسي محتوى هذه الدردشة في صحيفة “لوموند” في نفس الأسبوع من شهر أكتوبر 1979، وواضح أنني حرصت على عدم الإساءة للصحفي برغم أنه حاول الوصول للرئيس من وراء ظهري.

وفيما بعد قال لطفي الخولي لبعض الرفقاء بأنه لا يفهم سر عدائي له، وكان المؤسف أنه، بذكائه وبحنكته، لم يحاول أن يفهم بأنني ملتزم بمهمة سامية مع رئيس الجمهورية أساسها الثقة المطلقة، وهي لا تسمح بأي مجاملة أو محاباة لأي فرد مهما كان وزنه إذا كان من المحتمل أن تمس بالصورة الجماهيرية للقائد الذي وضع في ثقته، وسواء تعلق الأمر بالرئيس بو مدين أو بالرئيس بن جديد، رحم الله الجميع.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. شكرًا لك دكتور عميمور علي هذه المقاله الصادقة والصريحه التي استمتعت بقرائتها واعادتني الي الزمن العربي الجميل. متشوقون لمقالاتك التي تتناول أوضاع العرب حاليا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here