زافترا: على ماكرون أن يعتذر

 

 

رامي الشاعر

خيط رفيع يفصل ما بين الرأي الشخصي والتصريحات الرسمية التي تصدر عن رؤساء الدول، خاصة في اللحظات شديدة الحساسية، وخاصة إذا كانت صادرة عن رئيس دولة بحجم فرنسا.

لهذا أعتقد أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد أخطأ حينما قال إن فرنسا “ستستمر بالتقيد والدفاع عن حرية التعبير بما في ذلك من خلال الرسومات الكاريكاتورية”، ويقصد بذلك الرسومات الكاريكاتورية للنبي محمد، والتي يعتبرها العالم الإسلامي بأسره (1.8 مليار نسمة، ربع سكان العالم) مسيئة ولا تحترم التقاليد الإسلامية. أرى أن ذلك أقرب للرأي الشخصي منه إلى تصريح رجل دولة يشغل منصب رئيس فرنسا.

لقد اضطرت تصريحات ماكرون الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للرد عليه موجها إليه انتقادات حادة، لا سيما أن تركيا تعد من أكبر الدول الإسلامية، وهذه قضية شديدة الحساسية بالنسبة للعالم الإسلامي، على الرغم من محاولات بعض المعلقين الإعلاميين أو الشخصيات السياسية الأوروبية التهوين من أمرها، ومهما ساقوا من تبريرات بالقوانين الأوروبية التي تقدس حرية التعبير، وتحمي الكلمة والصورة. فهناك حدود صارمة لابد وأن يعيها الأوروبيون وغيرهم، تخص حرمة الديانة والمعتقد، وتمنع ازدراءها.

إن إظهار النبي محمد، أو أحد من الصحابة، أو تجسيدهم بأي شكل من الأشكال هو أمر محرم في الشريعة الإسلامية، فما بالك ونحن نتحدث عن التندر به، وتصويره في رسومات كاريكاتورية مسيئة.

لكن، وعلى الجانب الآخر، فإن مقتل المعلم الفرنسي بدم بارد على يد المجرم والملحد، ولا أجد وصفا غير هذا لأصفه به، هو أمر مرفوض، ومجرّم جملة وتفصيلا، ولا يمكن التسامح مع ذلك تحت أي مسمى. وإذا كان جهل ذلك القاتل قد صور له أن ما يفعله هو “دفاع” عن الرسول الكريم، الذي جاء رحمة للعالمين، فإن تلك الجريمة هي أبعد ما تكون عن المفاهيم والتقاليد الإسلامية، وتخالف القرآن والشريعة والمنطق والإنسانية.

أعود وأقول إن على الأوروبيين أن يدركوا أن تلك الرسومات لا تمس العشرة ملايين مواطن فرنسي مسلم فحسب، وإنما تمس العالم الإسلامي كافة، ولا يجوز التمييز هنا بين مسلمي فرنسا أو مسلمي الصين أو أفريقيا أو باكستان أو تركيا أو العالم العربي. وعلى الرئيس ماكرون، من واقع منصبه كرئيس دولة بحجم فرنسا، أن يزن كل كلمة يتفوه بها، وتمس حرمة الأديان. وأتساءل هنا ما إذا كان الرئيس الفرنسي يجرؤ أن يصرح تصريح كهذا بشأن الهولوكوست أو الديانة اليهودية على سبيل المثال لا الحصر؟

إن تصريحات كهذه هي ما يصب الزيت على النار، ويدفع نحو تجرؤ أكبر لمسؤولين على مستويات مختلفة، مثل عمدة مدينة نيس الذي قال تعليقا على جريمة القتل العمد التي ارتكبت في نيس صباح يوم أمس، إن الوقت قد حان “لتدمير الفاشية الإسلامية”، هكذا قالها بصراحة وبلا مواربة. إن ذلك تحديدا هو ما يدفع الذئاب المنفردة إلى ارتكاب جرائمها الآثمة، فالمجرم الإرهابي الذي ارتكب جريمة القتل في نيس، إنما يدّعي زورا وجهلا أنه “يدافع عن الإسلام” و”يدافع عن الرسول”، والإسلام والرسول منه براء، وليس هو سوى مجرم شقي، مريض نفسي، يتصيد الفرصة ليمارس عدوانيته وإرهابه. أما الإسلام فهو ديانة سماوية تحترم الديانات الأخرى، وتحرّم قتل النفس إلا بالحق والحساب.

كان على الرئيس ماكرون أن يدرك قبل أن يتفوه بعباراته أن من بين الملايين العشرة من المواطنين المسلمين في فرنسا، مئات وربما آلاف يعيشون دون عمل، ومورد رزق مستدام، خاصة في ظل الجائحة والأزمة الأخيرة. وبعض هؤلاء ربما يعانون إلى جانب البطالة من عقد وأمراض نفسية، ورغبات عدوانية في الانتقام تؤثر على سلوكهم ومفاهيمهم وتقديرهم لقيمة الحياة الإنسانية، وتدفعهم إلى طريق الضلال والتفسير الخاطئ للدين. ولا أبرر بذلك الجريمة البشعة، وإنما أشير إلى أن ظهور هذه الفئات يقع ضمن ما يقع على عاتق الأنظمة التي انتهجت، ولا زالت تنتهج سياسات أدت إلى ظاهرة المهاجرين واللاجئين، ممن تركوا أوطانهم بحثا عن لقمة العيش في دول أخرى، ويعيشون في مجتمعات منعزلة في دولة المهجر، وربما لا يعترفون بقوانين البلاد وتقاليد المجتمعات التي يعيشون فيها، ولا يرون أمامهم أي أمل أو آفاق مستقبلية، ولا علاقة هنا للإسلام بتلك الظواهر من قريب أو بعيد.

أعود لأكرر أن محاولات ماكرون أو محيطه من المسؤولين الأوروبيين أو أي أحد في أي مكان تبرير خطابه بـ “الدفاع عن الحرية من خلال الرسومات الكاريكاتورية للرسول” لن تجد  آذانا صاغية في أي مكان من العالم الإسلامي على اتساعه، ولدى نصف مليار  نسمة من المسلمين حول العالم، حيث أن تلك التصريحات لن تفسر سوى بأنها استهانة بالإسلام وتعد على قيمه ومقدساته وتقاليده الراسخة.

إن الدين الإسلامي هو دين التسامح والتآخي بين الشعوب والديانات، والكثير من الدول الإسلامية بما فيها تركيا شجبت بأقسى العبارات الجرائم الآثمة التي وقعت في فرنسا، وتقدمت على الفور بالتعازي والمواساة لأهل المغدورين الذين وقعوا ضحايا لها. لذلك لا أجد سبيلا آخر أمام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، سوى الاعتذار العلني للعالم الإسلامي، ولا يعني ذلك أبدا التخلي أو التراجع عن قيم ومفاهيم الحرية الأوروبية، ومخالفة القوانين الفرنسية، وإنما هو رجوع عن خطأ غير مقصود، ونداء لكافة المواطنين الفرنسيين باحترام التقاليد والمشاعر الدينية للمؤمنين.

كاتب ومحلل سياسي سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. المٸوامرۃ مذبرۃ ومكشوفۃ وقذ بذأت بارسال البسوس الی البرلمان لتذلي بكاماتها وأقصد البسوس هنا تلك المنقبۃ التی خرجت من العذم واختفت بنفس الطریقۃ

  2. الحاجه ليست فى عدم نشر او نشر الكاريكاتير
    الحاجه الى حوار أديان ومقارنة اديان هادئه هادفه لمصلحة البشريه
    ما اكثر المقارنات فى القنوات الدينيه الفضائيه
    ليس تصلب الشرايين هو مرض العصر انما هو تصلب العقول والارواح والتعصب الاعمى .
    اذا كان الله واحد ( وهذه حقيقه 100% – ليس 3 الهه كما يزعم البسطاء والجهلاء ) فلابد ان يكون له دين واحد فقط لاغير .

  3. بسم الله الرحمن الرحيم.
    مبروك على أمتنا الإسلامية مولد خير البشر رسول رب العالمين و خاتم النبيين محمد بن عبدالله صلى الله عليه و آله ارواحنا له الفداء.
    الاستاذ رامي الشاعر المحترم.
    احسنتم وحفظكم الله ودمتم بالف خير.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here