زافترا: تجارة غير مشروعة على حساب الشعبين السوري والليبي؟

كتب الكاتب السوري رامي الشاعر مقالا في صحيفة “زافترا” الروسية حيث قال ان غالبا ما يتقاطع الشخصي مع العام، ويجد المرء نفسه حائرا أمام خيارات صعبة وعروض أقل ما توصف به أنها مغرية.

لكن المسؤول السياسي وصانع القرار، فيما يفترض أن يكون، يكتسب شرعيته ووزنه وقيمة فعله السياسي من خصال النزاهة والشفافية والصدق والتضحية التي يجب أن يتمتع بها.

إلا أن الواقع، مع الأسف الشديد، يمتلئ بأمثلة صارخة على إعلاء الشأن الشخصي على القضايا العامة، وتفضيل المصالح السياسية والتجارية الضيقة على فض المنازعات والتوصل لحلول أزمات، يصب استمرارها في مصلحة البعض هنا وهناك. ولا يدور الحديث هنا عن منطقتنا البائسة وحدها، بل تنتشر تلك الآفة إقليميا ودوليا. فالقرار يصنعه في نهاية المطاف أشخاص، ولبعض منهم مطامع ومصالح، وتتبع هؤلاء عائلات وقبائل وعشائر ومؤسسات وشركات تستفيد من الأزمة ومن الصراع، وحل الأزمة وفض الصراع يضع حدا لكل هذا.

تمر الأزمة السورية، على سبيل المثال لا الحصر، بوضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى وأبعاد وعمق، حيث أصبحت طوابير الوقود والخبز تقاس بالكيلومترات، وعشرات الساعات، والشعب السوري يموت من الجوع والفقر والمرض. في ذات الوقت، وخلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” الأمريكية الثلاثاء الماضي، يصرح الرئيس الأمريكي بأن العقوبات الأمريكية تطال شخصيات قريبة من الرئيس السوري، بشار الأسد، الذي كان يعتزم اغتياله، لكن وزير الدفاع السابق، جيمس ماتيس، أقنعه بعدم اللجوء لهذا الخيار! فهل هناك ما يفوق تلك التصريحات فجاجة وصلف؟

أتعجب كيف يأتيه النوم هذا الـ “ترامب”، بينما يعيش ملايين السوريين تحت تهديد الموت نتيجة لقراراته، سواء فيما يخص عقوبات “قيصر”، أو ما يخص الوضع في شمال شرقي سوريا، حيث أقنعه بعض العسكريين بإبقاء الوضع على ما هو عليه.. وليس السبب في ذلك أمني أو سياسي، وإنما لمصالح شخصية لبعض الأطراف ممن يأمّنون ممرات عبور الموارد الطبيعية السورية إلى الأسواق العالمية عن طريق تركيا، وما أدراك ما تلك المصالح، وما أدراك من تلك الأطراف!

بضعة أشخاص يتقاسمون هذه التجارة الآثمة بالثروات الطبيعية للشعب السوري، من آبار شمال شرقي سوريا، وهي شخصيات مقربة من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأخرى شخصيات عسكرية ومخابراتية مقربة من الرئيس ترامب شخصيا، وثالثة مقربة من أصحاب القرار في دمشق. وجزء بسيط من أرباح تلك التجارة يذهب إلى تنظيم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الكردي. ولأكون أكثر وضوحا، تبدو تقديرات النسب على النحو التالي: 30% للولايات المتحدة الأمريكية، 20% لتركيا، 30%لدمشق، 20% لـ “قسد”.

وربما كانت حصة “قسد” هي الوحيدة التي يمكن تتبع مسار صرفها، حيث تعتبر المصدر المالي الوحيد لميزانية الإدارة المحلية المؤقتة والمعلنة في السنوات الأخيرة، والتي يستفيد منها ما يقرب من 5 مليون مواطن كردي وعربي سوري في شمال شرقي سوريا. إن تلك العائدات، والتي كان الأحرى أن توجه لإطعام وتدفئة الشعب السوري، لا تقع تحت طائلة عقوبات “قيصر”.

أليس هذا ازدواجية في المعايير والمواقف السياسية لكل من يشارك في هذه الصفقات المشبوهة؟

إن الاستغلال الشخصي للأزمات السياسية، والرقص على جثث الشهداء، وامتصاص دماء الجوعى والمحرومين والمرضى والفقراء هو العائق الأساسي لأي حل عادل سواء في سوريا أو في ليبيا، وأصبح بإمكاننا اليوم أن نضيف إلى تلك القائمة لبنان.

بهذا الصدد، حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال حوار مع وكالة “سبوتنيك” الروسية، من خطورة النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية ، وما يمكن أن يجلبه ذلك من عواقب كارثية للمنطقة برمتها، وأعرب عن قلق روسيا إزاء الوضع في الأراضي السورية الواقعة شرق الفرات، والتي تخضع لسيطرة واشنطن.

في ليبيا تدور أحداث مشابهة، وضعت فيها الأطراف الليبية أهدافها في الحصول على مصالحها المادية الاقتصادية فوق أي اعتبار، دون مراعاة للوضع الكارثي الذي يعاني منه الشعب الليبي، وكأن تلك الأطراف ترغب في تقاسم ليبيا، دون مراعاة لمفاهيم السيادة أو وحدة الأراضي. ومع الأسف الشديد، تساعد أطراف دولية على تفاقم هذا الوضع، من خلال اتباع سياسات خاطئة سعيا وراء المكاسب الاقتصادية لشركات نفطية معينة ترتبط بشخصيات قريبة من الأوساط الحاكمة في فرنسا وتركيا واليونان. لذلك تدور المنافسة على أشدها بين هذه الدول، للحصول على أكبر حصة من تقاسم ثروات ليبيا الطبيعية، بينما يرتبط كل طرف من الأطراف الليبية المحلية بأطراف دولية خارجية، تقدم لهم ضمانات لحماية مصالحهم الشخصية من عمولات ونسب محددة من أرباح الشركات. لذلك نلاحظ المحاولات الحثيثة لإبعاد مصر أو أي دور عربي لحل الأزمة الليبية، وعرقلة جهود هيئة الأمم المتحدة، والعمل على إفشال الوساطة الروسية.

يتعين الاشارة هنا ايضا إلى القلق الروسي المتنامي من وضع ليبيا، التي يمكن أن تتحول إلى معقل للإرهاب الدولي، حيث تضع روسيا دائما على قائمة أولويات سياستها الخارجية محاربة الإرهاب الدولي أينما كان، لارتباط ذلك ارتباطا وثيقا بحماية الأمن القومي الروسي. وعلى الرغم من القضاء على عدد كبير من العناصر والتنظيمات الإرهابية في السنوات الأخيرة، إلا أن خطر الإرهاب الدولي لا يزال حاضرا، في الوقت الذي نشهد فيه تصعيدا خطيرا وتعزيزا لتواجد قوات حلف الناتو على الحدود الروسية، بالتزامن مع حملة إعلامية شرسة موجهة ضد روسيا، تتهمها باتهامات مختلفة لتحريض الرأي العام الدولي ضدها. ومن خبرات سابقة، نعرف كيف يتم استخدام الإرهابيين من بين أدوات أعداء روسيا لزعزعة استقرار وضعها الداخلي، وهي سياسات تقف وراءها شخصيات بعينها، تصل أحيانا إلى مستوى رؤساء الدول. من هذا المنطلق تسعى روسيا لبناء علاقات مع جميع الأطراف الليبية دون تمييز، لمساعدة الليبيين في التوصل إلى توافق يعيد سيطرة الدولة الليبية على كافة الأراضي، واستعادة السيادة التي تشكل الضمانة الرئيسية لعدم انتشار الإرهابيين في الداخل الليبي، وإنشاء قاعدة لتنظيماتهم على الأراضي الليبية.

وأشير هنا إلى الدور الفرنسي النشط في سوريا ولبنان وشمال إفريقيا، والذي يخدم بالدرجة الأولى المصالح الاقتصادية للشركات الفرنسية، حتى ولو على حساب المصلحة العامة للبلد التي تنشط فيها. نتمنى أن يتخلى الرئيس الفرنسي عن هذا النهج، وأن يتخلى الزعماء الليبيون من جانبهم عما بدأت تتسرب رائحته من صفقات، تنذر بفضائح يمكن أن تطال شخصيات ليبية متورطة مع أجهزة أمنية معينة أو شركات نفطية تسببت وتتسبب في إطالة أمد معاناة الشعب الليبي، وعدم التوصل إلى حل لعودة الأمن والاستقرار والسيادة للبلاد.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here