“ريم البنا: نموذج للإرتقاء الإنساني من الهم الوطني إلى التوق الوجداني للانعتاق الصوفي والفلسفي

نورس كرزم – حيفا:

تمازج “إرادة الحياة” النيتشوي” وإبداع الحلاج الصوفي

دُهشتُ صراحةً من النضوج الفني والفلسفي الذي بلغته المرحومة ريما البنا وخصوصاً في أواخر أعمالها، حيث نلاحظ عُمق المعاني التي تمزج ما بين البعد الوطني والمعاني الفلسفية والصوفية المجردة، كمخرج فلسفي وجداني من الأزمة الصحية والوطنية التي شغلت كيان المرحومة.  إن إبداع ريم إذن هو إبداع فلسفي-إنساني بقدر ما هو إبداع فني وموسيقي، هو إبداع “إرادة الحياة” النيتشوي بقدر ما هو إبداع الحلاج الصوفي.  رغم القرابة العائلية التي تجمعني بريم البنا، إلا أني أذكر أني التقيتها وأنا صغير، وكنت أسمع عنها دوماً من خلال الوالد جورج كرزم، إذ أن المرحومة هي إبنة خاله، وكانت تُقدر وتحترم الماضي النضالي لوالدي أيما تقدير.  تعرفتُ أنا شخصياً على المرحومة من خلال أعمالها الفنية، ولفتتني عموماً توليفة المعاني العميقة التي تزخر بها أغانيها.

إذا ما بدأنا بأغانيها الأقدم، نلاحظ أنها كانت تتمحور حول جملة من المعاني والإشارات الوطنية والمحلية (كما يتبين في أغاني ألبومها “وحدا بتبقى القدس” عل سبيل المثال).  ففي أغنية “وحدا بتبقى القدس”، نرى عفوية التعبيرات عن قضية القدس وما يرتبط بها.  وفي أغنية “طيري وهدي يا وزه” نجد أيضاً جمالية التعبيرات الوطنية الموشحة باللمسات الأدبية المبسّطة كي تمس وجدان المستمع على اختلاف أذواقه وميوله.  أما في أغنية “فارس عودة” من ألبوم “مرايا الروح”، فنستمع بوضوح إلى معاني الشهادة والوطنية بأسلوب عصري خاص بالمرحومة.
إلا أن ما كان يلفتني في أغانيها منذ مدة، هو النزعة الصوفية الفلسفية المبطنة والممزوجة بالرومانسية أحياناً، قبل أن تصببح واضحة للغاية في ألبومها الأخير قبل رحيلها.  في أغنية (غلالة الروح) من ألبوم (مواسم البنفسج)، نستمع لكلمات تنقلنا إلى عوالم صوفية خاصة، فمثلاً: “وهناك هزمنا العاصفة تحت قناديل الليل، وعلى وشاح الليل أضاءت أحزاننا البيضاء”.  ومن الجدير بالملاحظة أن التوزيع الموسيقي لأغانيها في هذه المرحلة كان متأثراً  بموسيقى “الجاز”، من حيث الإيقاع والتآلفات الموسيقية، بالإضافة إلى موسيقى الفولكلور الفلسطيني من قبيل أغنيتها “يا طالعين” من ألبوم (الحلم).

ولعل قمة النضوج الفني بلغته ريم البنا في أواخر سنينها، عندما مزجت ما بين الهم الوطني الفلسطيني والنزعة الصوفية الفلسفية كما يتبين في ألبومها “تجليات الوجد والثورة”.  ففي أغنية “شمس الهوى”، تغني ريم البنا من كلمات ابن عربي، وهي كلمات تصب في صميم المعاني الصوفية والعشق الإلهي.  أما في أغنية “عجبتُ منك ومني” فترحل بنا ريم البنا في عوالم الوجد الصوفي في كلمات من قبيل “أدنيتني منك حتى ظننتُ أنك أني”.  وفي أغنية “أنشودة المطر” نرى الكلمات جامعة للمعاني الوجودية والثورية في آنٍ واحد، مع أملٍ بالتحرر والانعتاق: “وكل دمعة من الجياع والعراة، وكل قطرة تراق من دم العبيد فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد…”

ولكأنها كانت تودعنا بهذه النزعة، وتُشاركنا نُضجها الفلسفي والوجودي، وكأنها تقول لنا: إن الهم المحلي لا ينفصل عن الهم الإنساني العام، وأن الوجد والحب والأمل هما مفاتيح التحرر إلى جانب الثورة، داخلياً في البداية ومن ثم خارجياً”

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. إلى جنات الخلد يا ريم، رحل جسدك ولن يرحل ابدا صوتك الوطني.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here