ريزان حدو: تركيا والحرب الاقتصادية على سوريا

ريزان حدو

العودة إلى محاولات التركية لفرض التعامل بالعملة التركية منذ عام 2015 ، لم يكن قرارا وقتياً فرضته وقائع الحرب في سورية بل كان حلقة من سلسلة بدأت منذ 15 عاما على الأقل عنوانها المعركة الاقتصادية هي أم المعارك في سورية ،

و كي تكسب أم المعارك عليك أن تدمر أم الاقتصاد حلب العاصمة الاقتصادية لسورية ، فاستطاعت تركية استغلال العزلة التي فرضت على سورية إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري فبراير 2005 ، عبر تمرير ( بمساعدة من جناح ميال لتركية في الحكومة السورية ) حزمة من الاتفاقيات و العقود الاقتصادية التي كان لها نتائج سيئة على الاقتصاد السورية بشكل عام و تحديدا على معامل وورشات حلب ،

لتبدا المرحلة الثانية بعد آذار 2011 عبر استهداف ممنهج للمعامل و الورشات السورية و تحديداً في حلب ، سرقة المعدات و الآلات من معامل حلب و نقلها لتركية عبر أدوات تركية من الفصائل المسلحة و أبرزها ( لواء التوحيد – غرباء الشام – شهداء بدر – الزنكي – السلطان مراد ) ، و الذي يصعب فكه و نقله إلى تركيا كان يتم تدميره و تخريبه ، و استمر الحال على هذا المنوال إلى وصلنا للمرحلة الثالثة عبر استهداف العملة السورية بشكل مباشر في محاولة لتوجيه الضربة القاضية للاقتصاد السوري ،

على الرغم من سعي أدوات تركية في سورية ووسائل الاعلام التركية القطرية لم يتركوا وسيلة إلّا و استخدموها في إطار إقناع السوريين أن التعامل بالليرة التركية لم يكن مردّه عبودية ذليلة و انبطاحية لسيدهم أردوغان ، بل هو إجراء اضطراري بهدف خدمة المواطنين السوريين و ضبط الأسعار بسبب الفوضى التي سببتها ارتفاع العملة السورية في الأشهر الماضية و عدم استقرارها .

هم كعادتهم يراهنون على ضعف ذاكرة السوريين ، ناهيك على قدرتهم في الخداع و التضليل و تزييف الحقائق ،

فموضوع التعامل بالليرة التركية في المناطق الخارجة عن سلطة الدولة السورية بدأ الحديث عنه أواخر عام 2014 و بدأت عدة مؤسسات و جهات تنفيذه عام 2015 ، و كلنا يتذكر بيان جبهة علماء بلاد الشام ، و قرارات ما تسمى بالمحكمة الشرعية في حلب و ريفها ووقتها كان المبرر رفض التعامل بالعملة النقدية الجديدة من فئة 1000 ليرة  ،

معلومة هامة للتاريخ العامل الأبرز الذي أفشل المخطط وقتئذ كان موقف وحدات حماية الشعب المسيطرة على منطقة عفرين شمال غرب حلب  وقتئذ ، رفض كل  العروض ” من ترغيب و ترهيب ”  التي وصلتهم في محاولة لاقناعهم بالتعامل بالليرة التركية ، حيث كان جواب الكرد سكان عفرين واضحاً و حاسماً (لا تعامل بغير الليرة السورية ) .

 عفرين التي كانت وقتئذ بمثابة بيضة القبان في حلب و ريفها  لما كانت تشكله من ثقل اقتصادي ، فمنطقة عفرين تحولت إثر سرقة و نهب معامل حلب ، و الحصار الذي فرض على حلب المدينة ، و خروج قسم كبير من أحياء حلب عن سيطرة الحكومة السورية ،

إلى المركز الصناعي و التجاري الأهم في حلب و ريفها و تحديدا في الفترة الواقعة ما بين 2013 حتى آذار 2018 .

لذلك يعتبر موقف عفرين و أهلها عامل أساس في إفشال تلك الجولة من الحرب الاقتصادية التركية على سورية ، و هذا ما ولّد قناعة لدى الساسة الأتراك أن  الكرد في سورية و في منطقة عفرين تحديداً يشكلون سداً يمنعهم من تحقيق مشروعهم الأكبر في سورية ،

فبدأت تركيا باستهداف عفرين بدايةً عبر وكلائها ، عبر تضييق الخناق على عفرين ( حصار متقطع – قطع للطرقات – قصف متقطع لقرى عفرين و مركز المدينة ، ناهيك عن استهداف حي الشيخ المقصود في حلب ( يشكل الكرد غالبية سكانه ) بشكل مكثف و تحديداً أواخر 2015 و الربع الأول من 2016 ، لنصل لمرحلة الإجهاز على عفرين و الذي تتطلب دخول الأصيل بشكل مباشر في المعركة ، فكان العدوان التركي على عفرين 20 يناير 2018 و الذي أسفر عن تمكن الجيش التركي من احتلالها في 18 آذار 2018 ،.

و قبيل أيام و بينما كانت تركية تشارك اجتماع دول صيغة الأستانة الأخير ، و تشارك في صياغة بيان الختامي و ما تضمنه من كلام إنشائي في غاية الروعة و الجمال عن وحدة و استقلال و سيادة سورية ، و عن مصلحة الشعب السوري ، كانت تركيا ذاتها الحريصة على وحدة و سيادة و استقلال و مصلحة الشعب السوري تقوم في إطار حربها على سورية بخطوة جديدة إضافة لخطوات سابقة كرفع الأعلام التركية على المؤسسات و المنشآت السورية في المناطق المحتلة ، و استبدال العملة السورية بالعملة التركية بشكل رسمي و علني في ادلب و ريف حلب و الذي أخيراً تمكنت تركية من تنفيذ هذه الخطوة بنجاح حتى الآن ،

الخطوة التركية الجديدة تتلخص بالعودة إلى استخدام ورقة المياه ( الفرات – دجلة ) في محاولة لشل عصب الحياة و سد الثغرات التي لم يتطرق إليها قانون قيصر ، فالأمريكي مهما حاول أن يكون مباشراً و فظاً لا يستطيع سن قانون يحمل في طياته بنوداً مثل قطع المياه عن سورية ، فترك هذه المهمة القذرة لحليفه الاستراتيجي و القائد الميداني الموكل إليه تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الرئيس التركي طيب أردوغان ،  و الذي قامت حكومته بتخفيض معدل مياه نهر الفرات المتدفقة إلى الأراضي السورية ، في خطوة ستترك أثراً سلبياً على السوريين و العراقيين على حد سواء لجهة توفير مياه الشرب ، و توليد التيار الكهربائي ، و ري الأراضي الزراعية .

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here