“روميو وجولييت” بسجون الاحتلال: بعد 16 عامًا تحرّرّ الأسير هادي الهمشري ليجِد خطيبته قد بنت بيت الزوجيّة وهي تنتظِر فارِس أحلامها الذي ردّ: لم تفارقني لحظةً

الناصرة – “رأي اليوم” – من زهير أندراوس:

قمّة التفاني والإخلاص: بعد أنْ قضى 16 عامًا في السجون الإسرائيليّة، خرج الأسير هادي الهمشري من طولكرم ليجد مفاجأة بانتظاره. خطيبته التي غادرها إلى السجن طوال هذه السنوات بقيت في انتظاره، بل كانت تدخر له راتبه المخصص للأسرة طيلة تلك المدة، حتى اشترت له أرضًا، وبنت عليها بيتًا لهما منتظرةً عودته، وهذا ما كان.

وما لم ينتهِ ولم يكن بمقدور الاحتلال وقفه هو ذاك الحب وقصته التي حاك خيوطها الأسير المنحدِر من مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية وخطيبته شذا العلي بُعيد اعتقاله قبل 16 عاما، بأنْ كانا ضمن أولى حالات ارتباط الأسرى بزوجاتهم وهم داخل معتقلاتهم.

تحمّلت شذا ما لا تطيقه فتيات بعمرها، فاحتفلت وحيدةً بخطبتها، وكان اللقاء الدائم بخطيبها داخل معتقل تعلوه جدران إسمنتية وأسلاك شائكة عبر زيارات لم تخلُ من وحشة السجن الإسرائيليّ وقمع سجَّان الاحتلال، ومع ذلك، أوْ على الرغم من ذلك، لم تستسلم شذا لأيّ محاولاتٍ لتثبيط عزيمتها، فخاطبت هادي بعد اعتقاله تخبره بأنّها ستُكمِل دراستها الجامعيّة وتُواصِل حياتها الاعتياديّة، وذيَّلت رسالتها بعبارات تعكس وُدها وتحفظ عهدها له.

وترجمت الفتاة الثلاثينية الكلام واقعًا، فخصصت جزءًا من راتب خطيبها الأسير وشيئًا من راتبها لشراء قطعة أرض شيدت عليها بيت العمر بدعمٍ وتشجيعٍ من العائلتين، متحملةً أعباء العمل ومشقة الغياب قسرًا لرفيق الدرب، لكنها ورغم ذلك كانت تطلعه على أدق التفاصيل.

وقالت شذا، بينما كان يُقلها خطيبها المحرر بسيارته نحو البيت الجديد إنّ ارتباطها بهادي لم يكن نتيجة هوى طائش بل تفكير عميق ووقوفا لجانب أناس ضحوا بزهرة شبابهم فداء للوطن، فهؤلاء يستحقون أنْ نشعر بهم، على حدّ قولها، كما وجدت في هذا الزواج “الأمن والأمان” الذي تنشده والفتيات أمثالها مع أشخاص يقدرون قيمة الحياة مع من يضحين لأجله بأعمارهن “ويبقين على حبل الأمل موصولا”.

وأفادت وسائل الإعلام الفلسطينيّة أنّه خلال جولته داخل منزله أدرك الهمشري معنى هذه التضحية، وقال والفرحة تغمره: تحملّت شذا ما لا تطيقه الجبال، وهذا أحد معاني مساندة الأسرى فليس سهلاً أنْ تنتظر المرأة خطيبها سنوات طويلة، فكيف بمن ترهن نفسها بخطبته وهو داخل السجن، تساءل الأسير المُحرَّر.

فوق ربوة صغيرة بقرية عزبة شوفة جنوب طولكرم أقام العروسان منزلهما الذي استغرق بناؤه ست سنوات بمساحة تصل لنحو مائتي متر مربع، وجُهز بالكامل إلّا من بعض الأثاث الذي سيختارانه معًا قبل موعد زفافهما منتصف يونيو (حزيران) القادم.

وبقي العروسان ممسكين بيدهما وهما يطوفان بين غرف المنزل، تبحث شذا عن الأمان الذي انتظرته في “فارس أحلامها” ويستشعر هو “مُر الصبر والشوق” الذي تجرعه ببعده عنها، ويقول “هي لم تفارقني منذ لحظة تحرري، وصحبتها بأول زيارة للمنزل بعد تحرري بساعات”.

سرعان ما انقضت تلك الدقائق التي جمعت الخطيبين قبل أنْ يتفرقا، فهي الآن منشغلة بالتحضير للزفاف، فقد أعدت لذلك ثوبين، الأبيض التقليدي وآخر المطرز بألوان التراث الفلسطيني، وتقول بكلام مقتضب “يوم ميلادي يوم حرية هادي”.

وفي طريق العودة إلى متنزه البلدية بطولكرم حيث يستقبل الأسير المهنئين بسلامته والقادمين من كل حدب وصوب، كان يتحدث عن حكايات صمود يعيشها الأسرى وتشبه قصته، وهو خيط الأمل الذي يعيشونه.

كتب الهمشري على أولى هداياه لخطيبته وهي عبارة عن تحفة تحمل شكل قلب الحب صنعها بنفسه داخل السجن “أنت حريتي وحلمي الباقي” في حين خطت هي رسالتها الأولى له تعده بالحب والوفاء، واحتفظ كل منهما بهدية الآخر، وهما يستعدان الآن لتعليقها على شكل تحف داخل المنزل.

وغنيٌّ عن القول إنّ هذه القصّة الإنسانيّة والعديد من القصص الأخرى تؤكّد للمُحتَّل الغاشِم أنّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ مهما تكالبت عليه الأعداء والخصوم والـ”أشقاء” والـ”أصدقاء”، سيبقى شامِخًا ومتجذِّرًا في فلسطين تمامًا كسنديان فلسطين، الذي سيستمِر في التجذّر حتى التحرير الكامل، لكلّ فلسطين، وعودة جميع اللاجئين الذين تمّ تشريدهم وتهجيرهم في نكبة العام 1948 المنكودة.

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. بارك الله لكم كم أثلج صدري هذا الوفاء العظيم ..البنت الفلسطينية ..قمه في الوفاء ..جعل الله أيامكم كلها سعاده وأفراح…

  2. هذه هي المراه. الحقيقية. الام.الزوجه . الاخت. الابنه. انت كل هوؤلا. انت النموذج. انت حواء. ….. تحيه اردنيه خاصه صادقه من القلب للقلب للك

  3. تحية للأخت الوفية المخلصة و للبطل المقاوم، درس انساني بامتياز!
    تحية تقدير و إجلال لشعب الجبارين الشعب الوحيد في العالم، و معه بعض الشرفاء، الذي يقف و يقاوم ضد اعتى عدو للإنسانية: بنى صهيون.
    النصر قادم باْذن الله

  4. حبيبنا هادي كان لي شرف اللقاء بك عن قرب مؤخرا بعد تحررك من اسر السجن ، وفعلا كما كتب عنكم وعن شجاعتكم وهي اقل القليل ، ايها الابطال الاحرار فانت كما وصفوك ، دمث الخلق ، معطاء ، هاديء كاسمك ولكنك بركان ثائر ، تحوي في جوفك مثل رفاقك لهيب الغضب كبقية ابناء شعبك الصامد يقاوم تحت نير الاحتلال ، ومعا وسويا ايها الرائع هادي وان شاء الله تحرير فلسطين
    وتحرير بقية الاسرىوالمعتقلين وفي مقدمتهم اخي كفاح حطاب فك الله اسره .

  5. نحن شعب الجبارين….الإخلاص و الإيمان و الجهاد بعض من خصائلنا…نعاهدكم يا شهداء فلسطين…نعاهدكم يا أسرانا…نعاهدك يا مولانا أننا على الدرب سائرون حتى نحررها شبرآ شبرآ من النهر الى البحر و الله على ما نقول شهيد .
    ********************
    لن ينام الثأر في قلبي وان طال مداه
    لا ولن يهدأ في قلبي لظاه ,
    صوت امي , لم يزل في مسمع الدنيا صداه
    وابي ما زال في قلبي وروحي نداه
    ان تقدم , ثابت الخطو الى الحق تقدم .
    وتقحم حالك الاهوال …
    سوف تطويك االليالي السود ان لم تتعلم
    كيف تطفي غلة الثار بنيران ودم
    لن ينام الثأر في صدري وان طال مداه
    لا ينام …لا لا لن ينام

  6. لا تستشهدوا بروميو وجولييت واستشهدوا بعائشة وفاطمة الزهراء ورقية وأم كلثوم وغيرهم رضية الله عنهم نحن لدينا أعزمنهم فخرا وتقديسا من خلال هذا النص يبين إليك الغزو الفكري والثقافي والذي دمر بلاد الإسلام وتم إحتلالنا

  7. والله، والله ، انني بكيت عندما كنت اقرء هذا التقرير بل لازلت ابكي بسبب هذه القصة الرائعة وبدون شك المبكية ! بارك الله في أختنا ، هذه الأميرة والوردة الفلسطينية وابننا البطل هادي، بارك الله في الاثنين ،ربي يعطيكم العافية، الخير والراحة! انتم احسن مثل للشهامة ، الشرف، البطولة والجمال العربي ! عندما يكون الانسان في الغربة مثلي وفي بلد مثل المانيا المتواجد به منذ اكثر من ٥٠ سنة وبنسبة طلاق زادت ال ٤٠٪‏ ، تزيد الفرحة لسماع قصة عربية فلسطينية جميلة مثل هذه ، حقيقة امر خارق للعادة ، بارك الله كذلك في من كتب هذا التقرير وادخل علي قلوبنا الفرحة والفخر !

  8. هذه هي المرأة الفلسطينيه الكنعانيه المتجذرة في الأرض والتاريخ والحضارة والارض .. المراة الفلسطينية هي إمتداداً روحي ووجداني لتلك الناصريه إبنة الجليل في رحلتها في درب الألام والخلاص ورباطها في معبدها منذ فجر التاريخ لترسم درب كل تلك الحرائر الأم والأخت والزوجة والأبنه والشقيقة .. فشذا إمتداد روحي لتلك الناصرية الكنعامية وإمتدادأً لمن سبقوها , لفاطمة غزال وحلوة زيدان ورجاء أبو عماشة وشادية أبو غزالة وهنادي جرادات وآيات الأخرس ووفاء إدريس وريم الرياشي ودلال المغربي وزكية شموط وإسراء الجعابيص وشرين العيساوي .. فأي عنقاء أنت أيتها الروح المقدسة … ستبقين آيت ٍ قدسية وستبقين حارسة وجودنا وبقائنا نحو التحرير وبك إلى النصروالمجد نرتقي…..
    فكوني كما أنت ياشذا لظل أهله فتوهجي …. إليك سلام وعليك السلام والروحك السلام … يا أرض السلام

  9. الله يبارك لهم ويسعدهم في الدارين الف الف مبروك عقبال تحرير كل فلسطين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here