روض الأطفال السياسي المغربي

د. حميد لشهب

أصبح المشهد السياسي المغربي في الشهور الأخيرة غريب للغاية، بل لم يعد المتتبع له يفهم ما يدور فيه، باستثناء واقعة تفنن المتحكمين في الدمى السياسية المغربية في جعلهم يرقصون على إيقاعات مختلفة، باختلاف المناسبات والأهداف المرغوب فيه. ولعل خير مثال على ذلك هو طريقة اشتغال الحكومة الحالية، بل عدم اشتغالها على الإطلاق، لأنها منهمكة في صراعاتها الداخلية وتبادل التهم بين أعضائها، على حساب خدمة الوطن والمواطنين والمواطنات. والغريب في الأمر، في ظل الحضور الباهت لما يُسمى عبثا المعارضة، هو أن الحكومة تصنع معارضتها بنفسها ومن صفوفها وبين أحزابها ووزرائها. والأغرب من هذا هو أنها تتفنن في إعداد حواجز في جسدها، بل يُحاول كل حزب مشارك فيها تفخيخ الأحزاب الأخرى بالهجوم على وزاراته ووزراءه. ولعل ذروة هذا العبث السياسي اللامسؤول قد وصل ذروته بين حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الحكومة، وحزب التجمع الوطني للأحرار.

تعطي التراشقات الكلامية والإعلامية بين الحزبين المذكورين أعلاه انطباع تفرج المغاربة على كراكيز أو على ما يحدث في روض أطفال بين فاعلين لم يتجاوزوا الطفولة السياسية، يحاول كل منهم فرض نفسه بالصراخ والضجيج ولربما التشابك بالأيدي والعض والخدش. وإذا عبر مثل هذا السلوك السياسي الصبياني عن شيء، فإنما يعبر في المقام الأول على خوف كل الجسد الحكومي الحالي على مستقبله السياسي وعلى مكاسبه المادية الدسمة؛ بما أن الناخب المغربي لن يرحم أي أحد في استحقاقات 2021 المقبلة. والأدهى في الأمر هو أن هذه الحكومة مستمرة في التعامل مع الشعب المغربي بمنطق الإستخفاف بقدراته على التفكير والتمييز بين الأمور والأشخاص والأحزاب. والمُرُّ هو أنها لا تتوفر حاليا على أية قاعدة شعبية، بل يوهم كل حزب فيها بأنه يتكلم باسم الشعب، في الوقت الذي يوحي فيه الواقع الفعلي بأن الحكومة تغني في واد والشعب يكد ويشتغل في واد آخر.

في غياب معارضة حقيقية وقوية، كما أشرنا إلى ذلك، فإن الحكومة المغربية الحالية، وبالأساس الحزبين القويين فيها، اختارا عن وعي أو دون وعي سبيل النزاعات، الفعلية والمُصطنعة، إيمانا منهما بأنهما يلهيان الشعب المغربي، وكأن كل الشعب نزل لجامع الفناء بمراكش ليتفرج على “حلايقيا” حكومته، وشتان بين العمل الفني لأصحاب الحلقة والحكومة. فمفعول الفرجة الذي تراهن عليه الحكومة في تبادل الشتم والقذف بين وزراءها بقي غائبا، جارا البساط من تحت أقدامها، لأن مشاكل الشعب كثيرة ومتشابكة تشغله عن متابعة مهزلة حكومة هزيلة في آدائها.

بموازات الضجيج الداخلي للحكومة، يستغل المرء مناسبات موسمية لزرع الرعب والهلع في جسم الشعب المغربي، كما يحدث حاليا في استغلال الحكومة “أنفلونزا الخنازير” لإيقاض مضجع المغاربة. لا يعرف المرء بالضبط سبب هذه الهستيريا، أهي “الأنفلونزا” أم “الخنازير”؟ فالأولى وباء موسمي عادي في فصل البرد أما الثاني فإنه حرام، وبهذا يشد الوباء في يد الخنزير ويقتحم اللاوعي الجماعي المغربي، لينشغل الشعب بشروط تحميه من وباء الخنازير. وفي العمق، يعبر تعامل الحكومة مع هذا الوباء على الفشل الكامل لها في ضمان الوقاية الصحية للمواطنين، بل تزيد الزيت على النار عندما يُقر المرء بأن حتى التلاقيح المتوفرة ضد هذا الوباء تعتبر دون مفعول، بل هناك إشاعات تقول بأنها “مسممة”.

تشكلت الحكومة على أساس خدمة الشعب وليس محاولة إلهائه أو ترهيبه بشتى الوسائل، وما “الأنفلونزا” إلا مثال بسيط على هذا. وبما أن الدعاية الانتخابية بدأت سنتين قبل الانتخابات، فمن الأفضل أن يُجري المرء هذه الأخيرة في أقرب وقت، ليحسم الشعب من جديد من يقود السفينة. المشكل الحقيقي للحكومة الحالية هو بنائها على قاعدة حزبية عريضة، إيجابية جدا من حيث المبدأ، لكنها أتت قبل أوانها بنصف قرن على الأقل، بما أن أحزابنا لا تستحق هذا الإسم، على اعتبار أنها تتصرف وتسلك بعقلية القبيلة والعشائر.

كاتب واكاديمي مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here