روسيا “اليهودية”؟

عبد الحسين شعبان

ينسى بعض العرب الشيء الكثير من حقائق الديموغرافيا والجيوبوليتكا حين يتحدثون عن روسيا اليوم في خضم الصراع في الشرق الأوسط، ولاسيّما دورها في سوريا رافعين أحياناً من شأن ” الصداقة” والاعتبارات “المبدئية ” فوق المصالح التي لا تتردّد روسيا ولا تخفي تقديمها كأولويات في سياساتها الخارجية.

وكجزء من السياسة الروسية في المنطقة هو التوازن في علاقتها مع العرب وعدوتهم “إسرائيل”، لاعتبارات كثيرة منها: النفوذ الصهيوني المالي والتجاري والإعلامي والفني في روسيا، حيث يعود الوجود اليهودي إلى القرن التاسع الميلادي بعدما توسعت مملكة الخزر في وادي الفولغا واستقر قسم كبير من اليهود في مدينة كييف لمركزها التجاري الذي يربط البحر الأسود وآسيا وغرب أوروبا، إلى وجود ما يزيد عن مليون يهودي من أصل روسي أكثر من نصفهم يحملون جوازات سفر مزدوجة، وهم جزء من امبراطورية مالية دولية متعدّدة الجوانب.

وبعد ثورة اكتوبر الاشتراكية بقيادة لينين وتأسيس الاتحاد السوفييتي ، كان عدد اليهود يزيد عن مليونين ونصف المليون، وقد توزّع الآخرون على دول مستقلة مثل بولونيا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا، وعشية الحرب العالمية الثانية كان عددهم نحو ثلاثة ملايين. وشرّع البلاشفة  قانوناً يساوي اليهود بغيرهم وأصبحت معاداتهم “جريمة” تصل عقوبتها إلى الإعدام، ولكن لينين وتأثراً بماركس كان يعتقد أن  “اليهود لا يشكّلون أمة مستقلة”، ويرى أن الحل الأمثل للمسألة اليهودية هو ادماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها . أما ستالين فحسب تعريفاته للأمة فقد اعتبر ” اليهود أمّة على الورق” .

 وسبق للينين أن عارض فكرة تأسيس حزب شيوعي يهودي مستقل ” البوند” داعياً إلى انضوائهم في الحزب الأصلي، ووجدت هذه التنظيرات تطبيقات مختلفة، فخلال  الأربعينات والخمسينات جرت عمليات دمج و”ترويس″ إكراهية للجماعة اليهودية، وكان عدد اليهود في الحزب الشيوعي 280 ألف من مجموع أعضاء الحزب البالغ عددهم في منتصف السبعينات 14 مليون عضواً، بينهم عدد كبير من الأطباء والكتاب والصحفيين والمشتغلين بالبحث العلمي يفوق عددهم إلى نسبة عدد السكان.

ومع كل هذه المواقع فإن ملف الهجرة ظلّ قائماً، بل ازدادت الضغوط لفتحه، لاسيّما في الثمانينات، باستغلال أجواء البريسترويكا التي دعا إليها غورباتشوف، وكان شامير قد وصف هجرة اليهود السوفييت باعتبارها “المعجزة الثانية”، وهو يعني بالمعجزة الأولى قيام دولة ” إسرائيل”، لأنه يدرك الأهمية البالغة لعملية الهجرة في ظل استمرار مأزق “إسرائيل” الأخلاقي والحقوقي والإنساني، لاسيّما بهدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني ، خصوصاً حقه في تقرير مصيره.

وكان هدف الهجرة الجديدة التي قدّر أن تبلغ حتى نهاية الثمانينات مليون يهودي، الوقوف بوجه القنبلة الديموغرافية الفلسطينية التي ستهدد بالانفجار وتؤثر في التركيب السكاني لدولة ” إسرائيل”، وذلك قبل أكثر من ربع قرن على قرار الكنيسيت باعتبارها دولة “يهودية نقية”، وتم تقديم المغريات لهم بما فيها الاستيطان في القدس.

وترافق ملف الهجرة مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين “إسرائيل” لكل من هنغاريا وجيكوسلوفاكيا وبلغاريا وبولونيا ويوغسلافيا، ورضوخ ألماني ديمقراطي لمطالب “إسرائيل” بالتعويض عن الأضرار التي لحقت باليهود في الحرب العالمية الثانية على يد هتلر، وتحوّلت الهجرة من حق فردي إلى هجرة جماعية شبه إكراهية ، لاسيّما بإقامة جسر جوي، الأمر الذي عقّد من عملية إقامة سلام حقيقي. جدير بالذكر أن المستوطنين الروس المهاجرين إلى ” إسرائيل” هم الأكثر يمينية وتطرّفاً وتتّخذ غالبيتهم الساحقة مواقف مسبقة معادية من العرب.

وحسب الكاتب اللبناني اليساري  يوسف مرتضى في كتابه المهم والشائق “المسلمون في روسيا” (دار الفارابي، بيروت، 2017) فإن نفوذ اليهود الروس يزيد عن حجمهم ، فوزير الخارجية وفيما بعد وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان ورئيس الكنيسيت يزلي أولشتاين ورئيس الوكالة اليهودية شرانسكي ونائب وزير الخارجية رئيف ألكين  كلّهم من الصهاينة المتطرّفين ، بل إن اليهود الروس في الأرض المحتلة ازدادوا تطرفاً (عمّا كانوا عليه) و5% منهم فقط مع عودة الجولان إلى سوريا، وذلك طبقاً لدراسة البروفسور ماجد الحاج وفقا للكتاب المذكور.

وعلينا أن نعرف علاقة الصداقة التي تربط بوتين بنتنياهو وحسب وصف الطرفين فإنها صداقة ستراتيجية بامتياز، علماً بأن ” إسرائيل” تحفّظت على فرض عقوبات على موسكو بعد ضم شبه جزيرة القرم، وباعتها طائرات بلا طيّار، وكان لها دور غير منظور في موضوع السلاح الكيماوي السوري، ولم يكن لموسكو اعتراضات على ضرب مواقع حزب الله في سوريا من جانب القوات الجوية “الإسرائيلية”، علماً بأن  حجم التبادل التجاري هو أربع مليارات دولار بين البلدين، كما التزم بوتين في خطاب له أمام الحاخامات بمحاربة حازمة لأي تعبير “لا سامي” على أرض روسيا (2014)،  متعهداً دعم الجاليات اليهودية في روسيا، وباقتباس عن كتاب يوسف مرتضى أنقل قولاً  للبروفسور ماجد الحاج مفاده “إن الروس صاروا أكثر “إسرائيلية” وصهيونية مع الزمن وتلك هي لعبة المصالح ذات العلاقات المتناقضة”!!

باحث ومفكر عربي

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. كانت روسيا السوفياتية رغم قناعات ستالين بان اليهود أمة على الورق، ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة تعترف بالكيان الصهيوني . لو خيرت روسيا بوتين اليوم بين علاقاتها مع العرب كافة أو علاقاتها مع العدو الصهيوني، لاختارت تل أبيب. الروس بعامة وبوتين بخاصة يكرهون الاسلام. الروس يحتقرون العرب. الروس في الحكم فاسدون حتى النخاع. ليس لنا الا قوتنا الذاتية ونبذ الأوهام ومواجهة الحقائق بالعلم والتهديدات المتصاعدة بوحدة الصف. بغير هذا واكثر نسير نحو الزوال ، نغدو بعدها امة ميتة لا تستحق حتى كرامة الدفن.

  2. ممكن بسهولة عكس المقال, بان المسلمين وجودهم في روسيا قديم جدا وقوي وبوتين بغازلهم ويبني لهم المساجد واكبر مسجد في اوروبا في موسكو وان بوتين بعلاقات فاترة مع اسرائيل وان العرب والمسلمين افضل له لوجود مسلمين كثر في روسيا ولان اسرائيل لا تنفك عن التحالف مع امريكا عدوة روسيا
    يعني يمكن عكس المقال على المسلمين وياتي بكلام ونتائج قوية ايضا
    الامر ان روسيا تلعب على مصلحتها في اي مكان وزمان ومع اي نوع من الرجال المهم مصلحتها كباقي الدول
    وشكرا

  3. أتا مع الاستاذ شعبان فيما ذهب به من طبيعة العلاقة بين اسرائيل وروسيا ، ولكن بالمقابل روسيا دولة عظمى ولها مصالح في سوريا وايران ، وعليه من المفروض على الدولتين استغلال ذالك .

  4. شكرا على هذا المقال المميز و الذي ينبّه الى ناحيه قد يغفل عنها الكثيرون لأجل ما تقدمه روسيا من “مساعده” في سوريا و نأمل ان يأتي يوم لا يعتمد فيه العرب الا على نفسهم لأن فواتير المساعدين طويله و مكلفه جدا و لا يقل بوتين جشعا عن ترامب و لكنه لا يعلن عن ما يُسرّ

  5. هذا المقال يتهجم على روسيا بدون تقديم شواهد بينة.
    روسيا عرضت على العرب منظومات مضادة للطائرات س-400، روسيا من قبل، زمن الاتحاد السوفياتي، سلحت مصر بمنظومات سام-6، لولاها ما عبرت القناة.
    وايظا سلحت سوريا الا انها لم تحسن استغلالها فدمرتها اسراييل.
    فيما يخص الحرب الايرانية الاسراييلية فهاته لا تخص روسيا، بل هذه مشكلة العرب.
    اما عن الروس اليهود، فمن مصلحة روسيا الابقاء على شعرة معاوية معهم نظرا لنفوذهم المالي وحتى التكنولوجي، وايضا لولائهم، كباقي اليهود، للموساد. لكن لا اظن الحالة ترمي بالروس مع الصهاينة.

  6. كل ما جاء في هذا المقال عن روسيا مخالف للمنطق و للحقيقة والوقائع فروسيا اليوم روسيا الرئيس العظيم بوتين الذي ذوّد سوريا بصواريخ s300 رغم انف اسرائيل التي عملت المستحيل لمنعها ,وهو الذي رفض استقبال نتنياهو بعد الاحداث الأخيرة رغم كل المحاولات , وهل روسيا بوتين هي المسؤولة عن هجرة اليهود السوقيت الى اسرائيل , وهل تأثير اليهود الروس على السياسة الروسية تقارن بتأثيرودور اللوبي الصهيوني في السياسة الاميريكية , ثم من هي الدول لا تعمل من أجل مصالحها قي العالم , الدول الغربية أم أمريكا !؟ يكفي شرف روسيا إنها لم تكن يوماً دولة مستعمِرة ولا محتلة ولا غاصبة لأي دولة في العالم كما فعلت كل الدول الغربية , ويكفيها فخراً أنها سلّحت كل الدول العربية الحرة والمستقلة عن الارتباط بالغرب المستعمر , وروسيا لو لم تفعل في الوطن العربي شيئاً غير بناء السد العالي في مصر لكفاها فخراً .

  7. ماذا يقول الأسد العربي عنهم؟ هل سوريا غير معفاة مما حدث مع العراق حيث التشرذم والتفكك والعودة إلى الوراء سنين أو ربما عقود حيث لم نرى إلا ما هو أسوء مما كان يفعله النظام البعثي الصدام وكان على أهلنا بالعراق معرفة السبب لداء أولا قبل التوجه لعلاجه وهل يعتبر التحالف مع الشياطين من صنعوا إسرائيل المحتلة العدوانية وشردوا المستقرين بوطنهم إلى المجهول وذبحوهم وأعاقوهم ووقفوا لهم العجلة المرور إلى المستقبل المشرق والمزدهر والإنساني ويوجد بعض القواسم المتشابهة بالعراق والشام لا ندري أين ذاهبة الرياح بها وأذكركم بإحدى الأغنية المغربية الشعبية فين غادي بي خويا.

  8. لا اهدف من هذا التعليق الدفاع عن بوتين او السياسه الروسيه في الشرق الاوسط وموقفها من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.ولكن اذا عدنا الى العام ١٩٤٨ نرى ان الاتحاد السوفياتي برئاسه ستالين في ذلك الوقت كان اول او ثاني دوله اعترفت باسرائيل وكان ستالين يعتقد ان وجود دوله يهوديه في الشرق الاوسط ستؤدي الى تثوير الجماهير العربيه ومن ثم الى القضاء على الانظمه الاقطاعيه التقليديه في المنطقه..ولكن ينبغي الاعتراف كذلك ان الاتحاد السوفييتي نصح الفلسطينيين بالموافقه على خطه التقسيم عندما عرضت على الامم المتحده وقد دفع الشيوعيون الفلسطينيون ثمنا كبيرا وصل لحد اتهامهم بالخيانه في ذلك الوقت لموافقتهم على مشروع تقسيم فلسطين.
    اما بالنسبه لدور اليهود في السياسه السوفياتيه فهو معروف ومن يريد البحث في هذا الموضوع يمكنه ان يعود الى المراجع المتوفره في هذا المجال ولكن يمكن القول باختصار ان اليهود الروس كان لهم دور وازن في الثوره البلشفيه وتروتسكي ودوره في تشكيل الجيش السوفياتي وفي تثبيت الحكم الشيوعي معروف وقد كان تروتسكي منافس خطر لستالين ولم ينته دوره الا باغتياله في المكسيك من قبل السلطات السوفييتيه كما اشيع ان بيريا رئيس المخابرات السريه السوفياتيه كان ورا موت ستالين .
    عوده الى موضوع هذا البوست وهو موقف روسيا من اسرائيل واستشهاد الدكتور عبد الحسين شعبان ببعض الاراء لمؤلفين عرب في الشان الروسي وان روسيا صديقه لاسرائيل الخ اود ان اقول ان السياسه بشكل عام وليس السياسه الروسيه فقط ليست ذات لون واحد (ابيض او اسود).صحيح ان بوتين ليس عدوا لاسرائيل ولكن بوتين اولا وقبل كل شئ سياسي روسي ئومن بعظمه روسيا وهو يعتبر نفسه خليفه بطرس الاكبر والملكه كاترين اللذان صنعا روسيا الحديثه وامجادها وجعلا منها امبراطوريه من اكبر الامبراطوريات الحديثه ..بوتين هذا يعترف باسرائل ولكنه لا يعترف باحتلالها للاراضي العربيه في فلسطين وسوريا ولبنان ويدعم قرارات الامم المتحده الخاصه بقضيه الشرق الاوسط.اما الان وبعد انخراطه في الحرب الاهليه السوريه الى جانب النظام السوري بدأ يشعر بان سوريا مهمه له اهميه اسرائيل لامريكا والدول الغربيه واعتقد شخصيا انه سيدافع عن سوريا حتى النهايه واذا وضعت سوريا واسرائيل في كفتي ميزان بوتين سترجح كفه سوريا بالتاكيد.لانها منحته الدور والهيبه في الساحه الدوليه عدا عن الموقع الاستراتيجي الذي تمنحه قاعده طرطوس للجيش الروسي الذي اصبح له ميناء في مياه البحر الابيض المتوسط الدافئه. .
    ..

  9. احسنت النشر دكتور شعبان معلومات قيمة بارك الله بك

  10. هذا صحيح مجاراة روسيا للاسرائيل كون أليهود يسيطرون على المنظومة ألمالية العالمية – هذا صحيح – أما ألقول أن روسيا هدفها استراتيجي مع اسرائيل هذا غير واقعي – – – لو كان أليهود الروس مرتاحون في روسيا لما هاجروا الى فلسطين — على سبيل ألمثال في أمريكا تلاتة ملايين يهودي لماذا لا يهاجرون الى فلسطين – في فرنسا 600 الف يهودي لماذا لا يهاجرون الى فلسطين — أليهود مكروهون في روسيا تاريخيا كون أليهود الروس أصولهم خزرية الد أعداء الروس التاريخين – لقد درست و عشت في روسيا عشر سنوات – و الروس يكرهون اليهود – عندما يشتم روسي روسي آخر يقول له انت يهودي — صحيح روسيا تتجنب الخوض في حرب ضد اسرائيل – لكن هدف روسيا أليوم هو خلق واقع عربي يزيل اسرائيل عن الوجود – على سبيل ألمثال هدف روسيا في سوريا ان تصبح سوريا أقوى دولة في الشرق الاوسك – — قدرة اسرئيل على الضغط على روسيا في الواقع الحالي تقوم على سيطرة اليهود على المنظومة المالية العالمية فقط و ليس على ألتاريخ – تاريخيا لا عداوة و لا حروب بين العرب و الروس — حرب الخزر ضد الروس امتدت لمئة و خمسون عاما – — هل باعت روسيا رصاصة واحدة للاسرائيل قتلت بها انسان فلسطيني-

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here