روسبا وإيران… على رقعة شطرنج

د. نادية الحكيم

تذوب الخلافات في بحر المصالح كما يذوب السكر في الماء..عبارة تختصر روح العلاقات الروسية-الإيرانية ،علاقات تحمل بصمات دهاء فارسي في اقتناص الفرص ،و   مهارة روسية في تحويل وجهة الأحداث لصالحها و صالح شركائها .

والحديث هنا عن فرصة الشراكة و التوافق بين دولتين لم يحل وجود تلال من الاختلافات الاديولوجية ،”و تناقض المرجعيات الفكرية و الدينية ،ووجود إرث من الصراعات التاريخية سواءا في العهد القيصري وعهد الشاه أو في العصر الحديث، أو وجود مقومات لصراع على مناطق نفوذ تدخل في المجال الحيوي لكلتيها ،كدول القوقاز مثلا أو بحر قزوين، والتنافس على أسواق النفط والغاز ،لم تحل كل هذه العوائق من الوقوف في وجه سيل جارف من المصالح المتشابكة ،ووجهات النظر المتشابهة بخصوص عديد القضايا الإقليمية و الدولية ، والتي استطاعت أن توجه بوصلة العلاقات الثنائية بينهما باتجاه تفاهم وشراكة قدحت شرارتها امتلاكهما لنقيضين ، هما عدو مشترك و حليف مشترك ، أما العدو المشترك فهو الغرب بقيادة الوﻻيات المتحدةالأمريكية و التي صنفتهما في محور واحد هو ( محور الشر) مع دول أخرى،مما فتح الباب لحرب باردة استخدمت فيها كل أساليب الضغط الممكنة كالعقوبات الاقتصادية و التحالفات الدولية المناوئة و غيرها .

و أما الحليف المشترك فليس واحد ولكن تقف سوريا  على رأس القائمة، وهنا يكمن مربض الفرس بالنسبة “للفرس″في علاقتهم مع المنطقة العربية فلطالما بحثت إيران و على مدى تاريخها عن موطىء قدم لها في المنطقة العربية ،يمكنها من استغلال موقعها كجارة شرقية للرفع من مستوى التبادل التجاري و التعاون الاقتصادي ،و يكون متنفسا لها للتخفيف من وقع الضغوطات المسلطة عليها .و لكنها رغبة اصطدمت دائما بتحفظ عربي من الطموحات الايرانية بمد شيعي في المنطقة ،و خوف متزايد من تطور عسكري إيراني لا محدود ترتعد منه فرائص حتى الدول الكبرى، و نفس الطموح امتلكته إيران تجاه جمهوريات آسيا الوسطى و الفاصلة بينها و بين روسيا  التي ترى التدخل في هذه الجمهوريات و من أي طرف استهدافا مباشرا لأمنها وحدودها الجنوبية و لمصالحها في بحر قزوين .وهنا تتقاطع المصالح و المخاوف بين الطرفين .

وفي وضع مشابه بحثت روسيا دائما عن مرتكزات تؤسس لوجود استراتيجي لها في المنطقة العرببة لاعتبارات عسكرية ،أمنية،اقتصادية و سياسية و لكن بفارق أن علاقاتها الثنائية مع الدول العربية قامت دائما على مبادئ احترام سيادة الدول و عدم التدخل في شؤونها الداخلية ،و النأي بعلاقاتها الاستراتيجية عن سوق المزايدات و المقايضات السباسية الشيء الذي كان واضحا للعيان من خلال موقفها من الأزمة السورية ،و التي منحت روسيا فرصة للوقوف على عدم إمكانية اعتماد الطرف التركي كحليف استراتيجي، خاصة بعد حادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية ،و اختلاف وجهات النظر في جوانب محورية للملف السوري .خروج تركيا من الصندوق الثمين لحلفاء روسيا ترك فراغا ملأته روسيا بتقارب مع إيران .قد يكون من المبكر الحديث عن إمكانية تحوله إلى تحالف استراتيجي في ظل وجود قضايا قد تتحول في أية لحظة إلى نقاط خلاف ،و التي قد يكون من ضمنها حجم التواجد العسكري الايراني في سورية .و لكن

شاءت المعطيات و الظروف الدولية و الإقليمية أن تلتقي هاتان الدولتان في إحداثية مشتركة خط طولها المصالح المشتركة و خط عرضها الغريم و الحليف المشترك.

العلاقات الروسية-الإيرانية تشبه رقعة شطرنج يقف عليها طرفان ،أحدهما أي إيران تقول الأساطير أنها من ابتكرها و أما الطرف الثاني و هو الروسي  فتقول الوقائع أنه أمهر من لعبها و نال بطولاتها ،و لكن اللعبة في هذه الحالة قد اتفق على أن تنتهي بالتعادل….إلى أن يأتي ما يخالف ذلك!!!.

كاتبة تونسية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الخلافات السياسية والأيديولوجية توجد بين كثير من الدول المصالح الاستراتيجية المشتركة والمخاطر هي اللتي تقرب هذه الدول وهذه حالة طبيعية في العلاقات الدولية
    برامج التواصل الاجتماعي يبحث فيها المجتمع من كل اطيافه من أفكار مختلفة بين افراده
    اما اللذي لم افهمه ! ان تتهم إيران بالمد الشيعي
    لماذا لم يكون هنالك المد السني من السعودية او مصر او اي دولة اخري ؟

  2. مقالة تشرح الحاضر والمستقبل وتقرب وجهات النظر بكل بساطة قصد الفهم لما يجري ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here