روح باندونج وجمال اندونيسيا وأهمية الذاكرة التاريخية

nouha-khalaf-new

د.نهى خلف

نظمت  مجموعة من المثقفين الاسيويين  والافارقة  في مدينة باندونج الاندونيسية ما بين  27 و31 من شهر أكتوبر -تشرين الأول- الماضي  مؤتمرا بمناسبة مرور ستون  عاما على مؤتمر باندونج الأول الدي انعقد في نفس هذه المدينة الاندونيسية الجميلة في شهر نيسان1955   ودلك بهدف احياء ما عرفوه “بروح باندوج”..

وقد صمم المنظمون وخاصة الاستاد الاندونيسي درويس خضوري على ادراج قضية فلسطين على جدول اعمال المؤتمر عبر تنظيم جلسة خاصة حول فلسطين قي باندونج يوم 29 تشرين الأول، حيث قد تم التنسيق مع جمعية ‘الحكمة’ الثقافية لتنظيم هده الندوة الهامة التي  شارك فيها كل من سفير فلسطين قي جكارتا الدكتور فريز المهداوي  والدكتور مكرم خوري – مَخُّول والدكتورة نهى خلف..

  تصميم المثقفين الاندونسيين ومجموعة من المثقفين الافارقة والآسيويين بمساندة وزارة الخارجية الأندونسية على ضرورة احياء ذكرى  هذا الحدث التاريخي الذي جاء في فترة هامة من القرن العشرين التي شهدت صعود دول الجنوب في مواجهة الاستعمار القديم و اعتبارهم لقضية فلسطين كالقضية الوحيدة التي لم يتم حلها في القرن  الماضي  بسبب استمرار الاحتلال والاستيطان الصهيوني رغم ان القرن العشرين شاهد تحقيق الاستقلال والتحرر من الاستعمار لمعظم بلدان الجنوب اوما كان يسمي بالعالم الثالث،كان موضوع نقاش مثير في المؤتمر.

وقد ناقش مؤتمر باندونج الثاني عدة قضايا  ومفاهيم مثل  الثقافة والدين والبيئة والمرأة، حيث تم  تشكيل لجان متخصصة بكل من هذه المواضيع. والمدهش في هذا المؤتمر، بالإضافة الى محتواه الغني، هوالروح الإيجابية والتعاونية التي سادت خلاله بين الفئة المنظمة و المثقفين ووزارة الخارجية الاندونيسية التي دعمت ووفرت الإمكانيات  لعقد هذا المؤتمر الذي ساهم فيه مفكرون واساتدة جامعيين من خمسة  وعشرون دولة من الجنوب بما في دلك فنزويلا والشيلي وروسيا بالاضافة الى بعض المثقفين من دول الشمال من المختصين بالشؤون الأفريقية والأسيوية.

اما الغريب والمؤسف في هذا المؤتمر هوغياب التمثيل العربي باستثناء المشاركين من فلسطين ومشاركة أستاذة  جامعية من المغرب وتواجد ممثل للشبيبة السودانيين..

ويعكس هدا الغياب للأسف التناسي التدريجي للعالم العربي بانه جزء لا يتجزأ من آسيا وافريقيا وكأنه يظن إنه قد تحول الى جزء ملحق من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية..

 ان تناسي وتجاهل الجنوب الاسيوي والافريقي، في مخيلة العرب،  يبدووكأنه يتماشى مع الانحطاط التدريجي للثقافة العربية السائدة التي بدت تتأثر بالهوامش الساقطة للفكر الغربي عموما وخاصة ان المثقف العربي لا يبرز في العالم العربي ولا يُعترف به كمؤلف اوكاتب اومفكر الا بعدما تعترف به دولة غربية  بعد تخرجه من جامعاتها التي كثيرا إما ان تتبناه مؤسساتها اوتشبعه بأخلاق الغرب المبنية على الذاتية والفكر البراجماتي الضيق الأفق و التسويق الإعلامي  المزيف اوأن يبقى مهمشا وتعمل ضده التيارات المركزية لتهميشه في حال لا تنجح في استيعابه  في حال لا تنجح في استيعابه بل في تجنيده للدفاع عن مصالحها..

كما ان تعدد الجامعات الغربية والاختلاف  بين الفكر الانجلوساكسوني من جهة والفرانكوفوني اوالاسكاندينافي وغيره  من جهة أخرى قد زاد من تشتت المثقفين العرب وعدم امكانيتهم للقيام بأي عمل فكري جماعي لانقاذ ما يمكن انقاذه من الجزء العقلاني التنويري في الثقافة العربية  الأصلية وتطوير فكر ثوري عربي معاصر.  هذا في الوقت نفسه التي تلعب أموال الدول النفطية دورا أساسيا في شراء المثقفين العرب وتدجينهم ومنع تطور اية ثقافة عربية ثورية تتمتع بالأصالة من جهة  وبمواكبة التطورات العالمية والكونية  مع الحرية المطلقة بممارسة الفكر النقدي دون تعتيم الحقائق من جهة اخري..

فالذي أصاب العالم العربي هواستقطابا حادا ما بين ثقافة  مصطنعة  مبنية على مزيج مشوه وهابط ‘غربي –عربي’ يقتبس في معظم الاحوال ما هوأسوأ من المفاهيم  الغربية مثل النيوليبرالية  والنعرة الاستهلاكية  دون الالتزام بمفاهيم غربية اكثر إيجابية مثل الاهتمام بالتعليم  والصحة، وما بين فكر  ظلامي متطرف من جهة أخرى، مع أن الجميع  يعلم انه قد تم تشجيعه من قبل أوساط غربية-صهيونية لتحطيم كل إمكانية نهوض عربي في شتى المجالات..

وقد حظي هدا النوع الثاني  من الفكر على مد تصاعدي في الآونة الأخيرة بسبب  ازدياد الفقر واتساع الهوة الاجتماعية والثقافية بين الفقراء الدين يشكلون أكثرية المجتمعات العربية والأغنياء الجدد  واستخدام الدين والتمويل ال مشروط من قبل بعض الدول النفطية المهيمنة اقتصاديا  ومن الغرب. ولكن تقع مسؤولية واضحة أيضا  على المثقفين العرب في السماح بإنجاح هدا التيار لأنهم برغم الادعاء بالحداثة والاستنارة والعلمانية ، لم يتمكنوا من تطوير فكر جماعي ومواقف ثورية ثابتة في  مواجهة الفكر الصهيوني ولا في وجه التيار الظلامي ولا في مواجهة الأنظمة العربية  الدكتاتورية التي اجتاحها الفساد والتي تميزت في قمع شعوبها، لا بل قبلوا ان يتم  تهميشهم وشرائهم، بدلا من العمل على نهوضها وانتعاشها ورفاهيتها..

هذا هوالدرس الأساسي الدي يجب ان نستنبطه من تجارب شعوب أخرى من الجنوب الافرو-أسيوي ومن أمريكا اللاتينية ، والتي كان ينظر اليها بعض المثقفون  العرب والأنظمة العربية  المرتبطة بالغرب بعنجهية وفوقية، بينما  أصبحت في الواقع هذه الدول اكثر تفوقا ورفاهية من معظم الدول العربية حتى بدت تنافس الغرب من حيث الأهمية الاقتصادية والتفوق الثقافي. ويبدوذلك واضحا بشكل خاص عبر تطوير مجموعة “بريكس” المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين والتي اضيف عليها بعد ذلك جنوب افريقيا..

بالطبع ، لوسُئل المثقفون  العرب عن سبب عدم اهتمامهم وتغاضيهم لدول الجنوب قد ينكرون ذلك ويتحججون انهم يدركون أهمية هذه الدول  على الصعيد العالمي ولكنهم طبعا يفضلون التعاون مع من يسمونهم “الدول المانحة” اكانت من الغرب اومن دول النفط لاسباب  مادية مما يعني تقديم مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة..نفعية و

المهم ان الثقافة العربية لم تستنبط دروسا من الثقافات  والفلسفات الاسيوية اوالافريقية  مثل فلسفة “سواراج” الهندية التي طورها المهاتما غاندي خلال حرب الاستقلال من الاستعمارالبريطاني والتي تدعوالى حكم داتي للشعوب انطلاقا من القاعدة الشعبية وليس مفروضا من القمة   أومن الفلسفة الأفريقية  “أوبونتو” والتي  تعني الإيمان بروابط إنسانية تجمع بين  البشرية جمعاء .كما تخلت الدول العربية عن معظم المباديء الفلسفية التي سادت في مؤتمر باندونج الأول  والذي حضره الرئيس المصري جمال عبد الناصر كأحد رموز وقادة المؤتمر.

و هذه المبادئ العشرة هي: 1- احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة .2- احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها.3- إقرار مبدأ المساواة بين جميع الأجناس، والمساواة بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها.4- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أوالتعرض لها.5- احترام حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أوجماعية، وفقا لميثاق الأمم المتحدة.6- وعدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأي من الدول الكبرى. وعدم قيام أي دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى.7- الامتناع عن القيام، أوالتهديد بالقيام، بأي عدوان، والامتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أوالاستقلال السياسي لأي دولة.8- الحل السلمي لجميع الصراعات الدولية، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.9- تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.10- احترام العدالة والالتزامات الدولية.

إن التأمل اليوم بكل المباديء الخاصة بمؤتمر باندونج الأول من جهة وبما يحدث في العالم العربي الآن من جهة أخرى يوضح الى أي مدى لم تلتزم الدول العربية  حتى في التعامل ما بينها في تطبيق هده المباديء.

 إن السياسة المؤيدة للغرب التي انتهجها الرئيس  المصري انور السادات كانت من أهم الأسباب التي أدت الى التخلي العربي من الاهتمام بآسيا وأفريقيا عبر التركيز على الولايات المتحدة والغرب بشكل عام وخاصة عبر ابرام اتفاقيات كامب ديفيد للسلام مع الدولة الصهيونية وعلى حساب قضية فلسطين، وهواسلوب تفكير قد أصاب كثير من انظمة الدول العربية مما أثرحتي على مجرى  السياسات الفلسطينية بشكل عام.

وبينما لا يمكننا العودة الى الخلف، فهل  يسمح لنا اليوم من التساؤل حول ما كان يمكن ان يكون عليه الوضع العربي والفلسطيني في حال كان قد تم التركيز على التعاون  المكثف مع آسيا وأفريقيا ؟ وعدم السماح للدولة الصهيونية بالتوغل في هذه البلدان عبر بيع الاسلحة وتطوير المشاريع الاقتصادية والتدريبات العسكرية المشتركة؟

يطرح علينا مؤتمر باندونج الثاني تساؤلات هامة  تتطلب عمل وتفكير جماعي جدي وبعيد الامد للإجابة عليها..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. Excellent article, thank you very much.

    Judging by the lack of comments on this excellent article I would say you are not far from the truth that Arabs have turned into western states and forgot how to be individuals.

    God Bless all of those who participated in the original meeting in 1955 mainly the presidents and heads of these seven Arabic countries, Egypt, Sudan, Saudi Arabia, Libya , Syria , Lebanon and Iraq.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here