رواية ايمن العتوم .. والنحت في صخر الذاكرة 

في هذا الكون الرحب صخور تترامى.. بين انعكاس الشمس عليها فتشرق جمالا ورديا…

وأخرى تتوارى خلف أخرى في دامس الليل العتيق …

قد تلمع تحت النجوم … وقد يكشفها وجه القمر بنوره الأخّاذ… وقد تختفي للأبد …

وكمن ينحت في الصخر ليكشف لنا عن أصالتها وجمالها كانت هذه الرواية …فقد عمد الأديب د.أيمن حفظه الله بقلمه المهاجر أن يُنقّب عمّا لا يخطر بالبال .. فيصوغ لنا مسرحا من الدهشة …

* الرواية من بدايتها تسمو بقداسة النضال الواضح في النفس والبيئة ..حيث يدور فلكها حول معركة الكرامة وبسالة الجيش الأردني ..وقائدها البطل مشهور حديثة الحويطات

* تُبرز الرواية أيضا القتال بتفاصيله المنظمة وغير المنظمة … وتكشف عن اتضاح ما يخفى على المتابع من بعيد

فاليهود – قاتلهم الله – لهم رؤية واضحة وخطوات منظمة في سيرهم نحو فلسطين

* والإنجليز بين المقت والتودد من جهتين ساذجتين لا يمكن أن تخفى على من يعمل معهم … وإن كانت محيّرة لبعض وجوه الإخلاص المصطنع فيهم !

* الرواية هادئة جدا في الثلث الأول منها… كمن يقتطع الأحداث ويصنع منها وردا عَبِقا …

* أفصح الأديب بمداد قلمه السيّال  عن الخيل وجمالها .. وقربها النفسي من صاحبها… وأن لها كينونة يخسر من يهملها … والخيل أحب وأقرب من الذئاب التي تتناثر في رواياته الأخرى.

* وللصحراء قُرب نفسي يتخلّل روحي.. قليل من يشاركني به… في الرواية حروف من ذهب.. صيغت لتكشف لنا عن رهافة رمالها … وعريق جمالها…

مع شيء حاد من الرهبة .

حقا من نشأ ودرج بها لا شك أنه يختنق في غيرها .فالسُّقُف المفتوحة لها امتداد نفسي يتأصّل مع العمر ..

* صوّر لنا الأديب نفسية زعماء اليهود وحرصهم على العمل مع اتضاح الفكرة لديهم

لا أعرف كيف للحلم أن يقف على أقدام الحقيقة ..وأعمدته مشوّهة …وبنيانه ملوّث.. وقواعده تَسوّل ونحيب مصطنع …

قد كتب هرتزل قرارا…وشرع أبناء الشتات بتنفيذه بكل وسيلة لاحت …وليس للنظافة طريق إنما الجماجم سلّم الوصول

* استطاع الأديب في هذه الرواية أن ينجو تماما من أدب السجون …واتجه بالكامل إلى دُرر من الأجمل .. وأسرج زيتها … وأعاد لها بهاءها … فغاص في نفس نائل العبقري الصامت والذي ما هاب ( غلوب ) وهو ضيف بأرضه.. رغم صغر سنه.. بينما كشف رقته وحنانه في شوقه الغامر لولده الطفل ( سلامة) ولهفته ليناديه …

* وبرع الأديب في وصف الحسيني … شعرتُ في الرواية أن الحسيني أُمّة وحده … يقاتل يناضل.. لا يهاب ..لا يخشى إلا الله …ذرّة خوف واحدة لم تمسّ فؤاده الفولاذي ..بينما من وجه آخر فاضت طراوة الدنيا في صدره نحو هيفاء ابنته

يا لهذا الإنسان العجيب !

* وصف الجد حمد عميق …صاحب عقل حاذق

…ونفس أبيّة…وحكمة جد بالغة.. وفدائي من الطراز الرفيع رغم أعوامه الثمانين

سبحان الله ..كيف يجتمع الجمال بأقطابه في إنسان !

* حين يأتي الأديب ذِكر فلسطين في الرواية تشتعل النصوص فجأة بالشوق.. وتخفّ وطأة الحرب للحظة.. تصهر في بوتقتها كل أشكال العواطف النابضة

يا لهذه الروعة حين تتناغم مع قلم نقيّ جَزل

*  الإنجليز واليهود في خطابهم للعرب تكررت عبارة استوقفتني جدا حد الاذى :

( نحن نعمل من أجل أمجاد بلادنا وأنتم تعملون من أجل أمجادكم الشخصية)

عبارة مفزعة لا تُنكر ..ولكنها تثير حنقا وعجزا كسيفا

* تهب نسائم الورود التي سيّجت بها يسرى بيت الحب بحكمتها وقوتها ..حين تأتي الرواية  على ذكر هذين الزوجين الرائعين يسرى ومشهور  بحروف نديّة …

هذه التوأمة انسجامهما غريب…

قدرة يسرى على التفهم والاستيعاب لخليط المتناقضات ..

وجبروت المسؤولية كان عزيزا على ابنة ستة عشر ربيعا

* الحب مائدة مشهور التي يقتات منها كلما جاع.. وظلاله التي يستروح بها كلما تعب

* الشرفاء حين يشتعل في صدورهم فرقد من الهمة والهمّ العظيم اسمه الوطن يعيشون تعبا مضاعفا خاصة إذا كان من حولهم جهلة…أو حسّادا..أو ماكرين ..أو متسلقين

*وصف مرارة الحرب وشوك الهزيمة كان متأججا في الرواية ..يشعر به كلما أتى ذكر مشهور

* الراحلون كانوا زادا لمشهور … جعلوه يصمد ..ويعتلي عرش الأمانة والفوز في زمن بِيعت به الأوطان بأقلام الخيانة …

اعتدنا ان تُتقش الأسماء على الذهب ..والزخارف…

أما أن تُنقش على الرصاص فذاك حبّ فدائيّ فريد !

* ( يا يسرى إنّني قد تعبتُ من كل هذا .. أما آن للجواد أن يستريح )

 وأنا يا مشهور تعبتُ أيضا من تقصيرنا ..وتفريطنا …

( والله غالب على أمره )

بوركت رحلتا الشتاء والصيف في القرآن العظيم … وأنا انتظر روايتيّ الأديب صيفا وشتاءً بشوق للأدب وللعربية

حفظ الله الدكتور أيمن العتوم وأجزل له المثوبة ..ورزقه علو المنزلة في الدارين .

سعاد عطيات

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here