رواية النظام السياسي الاردني ومخاوفه عن ومن الاصلاح السياسي هل هي حقيقية ام هروب من الاصلاح؟ والى متى تصمد هذه الرواية؟

د. معن علي المقابلة

   اصبحت جملة الاصلاح السياسي في الاردن من اكثر الجمل تردداً سواء من القوى والنخب السياسية المحسوبة على المعارضة او من رجال السلطة السياسية، بل ان هذه الجملة ترددت مراراً وتكراراً على لسان رأس الدولة(الملك)، والاصلاح السياسي بمفهوم كثير من النخب سواء في المعارضة او رجال السلطة محصور بقانون الانتخاب، والرواية التي يتحدث عنها رجال السلطة في غرفهم المغلقة مرتبطة بمخاوف وصول تيار سياسي بعينه يحقق اغلبية في مجلس النواب وهم الاخوان المسلمين، او ان يحقق مكون اجتماعي اغلبية فيه وهم الاردنيون من اصول فلسطينية على اعتبار انهم يشكلون اغلبية في المجتمع الاردني، -لا توجد اية إحصاءات رسمية وغير رسمية تؤكد ذلك- مما يؤدي الى إقصاء التيارات السياسية او المكونات الاخرى من المشاركة السياسية عبر بوابة البرلمان.

     قبل مناقشة هذه الرواية وتفنيدها من حيث مدى صدقيتها، لابد ان نؤكد ان الاصلاح السياسي المنشود لا يرتبط بقانون الانتخاب بقدر ما يرتبط بالنظام الانتخابي برمته من حيث مجموعة القواعد التي تحدد كيفية تنفيذ وتحديد نتائج الانتخابات والاستفتاءات، والتي يتم تحديدها في الدساتير وقوانين الانتخاب، فقانون الانتخاب يجب ان ينبثق عن مادة دستورية بحيث تجعل من مجلس النواب المنتخب من الشعب بشكل مباشر حجر الزاوية في الاصلاح السياسي، وفي الحالة الاردنية يجب ان يتم تعديل دستوري تجعل من المجلس سيد نفسه، وتحميه من الحل الا بمدده الدستورية، وهذا ما لا تتحدث عنه السلطة السياسية وللأسف بعض القوى والاحزاب السياسية، فالحديث فقط عن قانون الانتخاب دون التطرق لتعديلات دستورية.

   مخاوف السلطة السياسية التي تسوقها بان الاصلاح السياسي المرتبط بإصلاح النظام الانتخابي قد يحدث خللاً في التركيبة السياسية والديمغرافية، بحيث تصعد قوة سياسية بعينها وهم الاخوان المسلمين على اعتبار ان الجماعة لها تاريخ طويل سواء في العمل الاجتماعي او السياسي مما ادى الى تغلغلها في المجتمع الاردني، وهذا يعطيها فرصة اكبر من غيرها في تحقيق اغلبية في مجلس النواب، وهذا ما اكدته انتخابات مجالس النواب في السنوات السابقة، اما التخوف الاخر فيرتبط بسيطرة الاردنيين من اصول فلسطينية على مجلس النواب على اعتبار انهم يشكلون اغلبية من مواطني الدولة، وهذا كما ذكرت انفاً لا تؤكده اية دراسة إحصائية سواء من السلطة او من غيرها.

                                                                                                                هذان التخوفان او الفزاعتان لا تصمدان امام سلوك السلطة السياسية والتي ترى   بهما وسيلتها في إبقاء الامر على ما هو عليه، حتى لا تحدث الاصلاح المنشود، فسلوك السلطة في التعامل مع مجلس النواب تنطلق من اصرارها على عدم وصول كتلة سياسية تشكل اغلبية داخل المجلس بحيث تصبح قادرة على توجيه المجلس حسب توجهاتها السياسية وبرامجها الانتخابية التي انتخبها الشعب على أساسها، وبعيداً عن تأثير السلطة، وهذا الامر ليس له علاقة بالإخوان المسلمين فالسلطة تنظر لأي تجمع او حزب بذات العين، ففي الخمسينيات اجهض النظام تجربة حكومة برلمانية حزبية محسوبة على اليسار، عندما حقق اليساريون اغلبية داخل المجلس وهي حكومة سليمان النابلسي، اذ تشكلت على اساس ائتلافي اذ ضمت ستة من اعضاء الحزب الوطني الاشتراكي وثلاث مستقلين ووزيراً عن حزب البعث العربي الاشتراكي ووزيراً عن الشيوعيين، ولم يتحمل النظام مثل هذه الحكومات فتم إقالة الحكومة بعد خمسة اشهر من تشكيلها، ليجهض النظام اول حكومة برلمانية كان من الممكن البناء عليها والسير بخطى ثابتة نحو اصلاح سياسي حقيقي يصبح فيها الشعب مصدر السلطات، ومنذ ذلك التاريخ ازداد اصرار النظام على اقصاء الاحزاب وعدم اعطاء افضلية لها في قوانين الانتخاب المختلفة، فمسألة فزاعة الاخوان المسلمين ما هي الا باطل يراد به باطل، وهذا الامر ينسحب ايضاً على فزاعة  الاردنيين من اصول فلسطينية فلو توفرت الارادة السياسية لدى النظام فلن يعدم الوسيلة في إيجاد قوانين تمثل الاردنيين بمختلف توجهاتهم وقواهم السياسية ومكوناتهم الاجتماعية.

الاصلاح السياسي مرتبط بالإرادة السياسية لدى السلطة الحاكمة اذا توفرت النوايا السليمة، وللأسف هذه الارادة والنوايا غير متوفرة لدى السلطة على الاقل حتى هذه اللحظة، بل انها اضاعت عدة فرص في توسيع المشاركة السياسية وانهاء  احتكارها بيد شخص او عائلة او طبقة سياسية، سواء الفرصة التي تحدثنا عنها اعلاه وهي حكومة سليمان النابلسي سنة 1956م، او فرصة هبة نيسان سنة 1989م وكان اخرها حراك سنة 2011م.

 اخيراً وليس آخراً، هذا الاصرار من النظام على التمسك بروايته حول الاصلاح السياسي، ما هي الا دعاوي واهية لا تصمد امام التجارب التي قدمها الاردنيون عبر محطات مهمة في تاريخ حركتهم الوطنية، لن يكون حراك عام 2011م اخرها فلا زال الاردنيون مصرين على احداث الاصلاح السياسي الذي ينقل دولتهم من حكم الفرد والطبقة السياسية الواحدة الى حكم الشعب، فهذه الانظمة في هذه المنطقة من العالم لا تزال تقاوم حركة التاريخ وقوانينه، بان الشعوب لا محالة ستسترد سلطتها، فيكفي ان ننظر لخارطة العالم السياسية حتى ندرك ان اكثر الدول تخلفاً واستبداداً في افريقيا وامريكا اللاتينية لم تصمد امام حركة التاريخ فانهارت انظمتها الدكتاتورية امام ارادة شعوبها ولحقت بركب الدول الديمقراطية، فهل تعي انظمتنا السياسية هذه المعادلة؟! وتبدأ مرحلة التصالح مع شعوبها وتنتقل للإصلاح السياسي الطوعي والآمن ام انها ستعاند حركة التاريخ وإرادة شعوبها فيصبح الاصلاح اكثر كلفة بحيث يخرج الجميع خاسراً، وقالت العرب قديماً السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه، فأي العظتين ستتعظ بهما هذه الانظمة؟

باحث وناشط سياسي/الاردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here