رنا العفيف: الانفتاح الأميركي على لبنان والتهويل الإنساني

 

 

رنا العفيف

بعد الفاجعة الوطنية والإنسانية التي عصفت بـ لبنان، راودتني عدة أسئلة في الطرح السياسي لدول الغرب، خصوصاً فيما يتعلق بالملف الإنساني حصراً، واللافت للانتباه زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت مخترقاً الجائحة الصحية كورونا، وتاركاً بلاده تغرق بالأزمات السياسية والمالية والاقتصادية وغيرها، ليأخذ دور المنقذ الوحيد لبيروت، وكأنني أرى فيلم رعب يعترض ذاكرتي في حلقاته الأولى، ليثير الدهشة، فيما بعد هذا الفيلم من إخراج أميركا وإنتاج إسرائيل، والذي يتحدث عن زيادة وتيرة التصعيد السياسي في الداخل اللبناني، بعد أن انقسم الشارع الى قسمين، الأول له مطالب محقة، والثاني للتصعيد وإيقاظ الفتنة ، وتسارعت الأحداث وراحت المطالب المحقة تجري مع الرياح، لتبقى الفوضى في المشهدية وتأخذ الأولوية بعد الفاجعة، وراح الأخ يقتل أخاه بإسم الطائفية.

البعض يقوم بتشويه الحقائق ليكون المشهد أكثر تعقيداً، وذلك بسبب وجود المشروع الاستعماري الذي حط رحاله في هذه الفاجعة التي ولدتّ الكثير من اللغط، لتضرب أصقاع الحكومة اللبنانية، وتسببت بتلاطم الأفكار لدرجة يصعب على الكثيرين تحليل ما يحصل وسيحصل.

والأكثر تعقيداً بأن الوجود الأميركي والتدخل الفرنسي، ليس إلا لخراب لبنان وليس كما يدعون، لأن خارطة التقسيم التي كانت متجهة إلى سورية سقطت، فما كان للمشروع الفرنسي والأمريكي والإسرائيلي إلا أن يتوجهوا بها إلى لبنان، وهذا متوقع طبعاً، ولا نستغرب خبثهم فنحن منفتحون على الذهن الاستعماري، وندرك تماماً بما يخطط فما كان لحادثة بيروت الأمنية، إلا أن تثمر حقائق ترتبط بالجرم الأمني الذي هز العاصمة، ليكون لواشنطن منصة سياسية قادرة على اللعب في العمق اللبناني لما يحمل من امتداد سوري.

فمهما كثرة التعقيدات، ألا أننا نجيد التحليل السياسي لما نراه على أوجه الأوغاد ممن يريدون للبنان الدمار، فقد علمنا من مصادر إعلامية بأن إسرائيل على استعداد تام في تقديم المساعدات الإنسانية إلى لبنان، وذلك في اتصال هاتفي بين الرئيس الفرنسي ماكرون ونتنياهو، وتحدثوا عن إرسال المساعدات عبر منظماتهم الدولية الغير شرعية، وهذا يعني أن إسرائيل وفرنسا وجهان لعملة واحدة في الغطرسة الاستعمارية، ليصلوا الى حزب الله أولاً، ومن ثم تجهيز منصة حرب سياسية تجمع عملاء لبنان مع إسرائيل وفرنسا منها بالعلن ومنها في السر، والبعض أو لنقل الشارع اللبناني متناسياً حقبة الجرائم والمجازر، التي ارتكبتها إسرائيل في صبرا وشاتيلا وقانا والنبطية ودير ياسين وكفر قاسم وغيرهم، فعن أي مساعدات يتكلم الشيطان الأكبر، هذه المساعدات ليست من حساب أمريكا ولا إسرائيل، بل هي قامت بسرقة الشعوب ونهبها.

ما حصل في مرفأ بيروت مرتبط بالموساد الإسرائيلي، وبحسب ما شاهدت من تسارع أحداث الأمريكي والإسرائيلي والفرنسي هذا الثلاثي ومعهم تركيا ايضاً، لهم علاقة كبيرة بالحدث الأمني الذي حصل، وذلك من خلال المبادرات اللا أخلاقية التي جمعتهم تحت سقف واحد، لينؤوا بأنفسهم بالمشروع الذي يُحيكونه لبيروت، وليضعفوا حزب الله وسورية، وليكون هناك نقطة التقاء سياسي ميداني عسكري بينهم بحجة الملف الإنساني وهنا بيت القصيد.

واشنطن اختلقت الملف الإنساني حجة لمصالحهم، ووظفت الجميع تحت هذه المسؤولية الأمنية كأجهزة استخبارات سرية لها في بيروت، لتواكب تحركات حزب الله وحركة أمل  لأهداف أمنية وسياسية ليس إلا، أي بمعنى  تواجدها الرئيسي هناك ليس من أجل انقاذ لبنان كما تدعي، فـ وراء هذه المساعدات ثعبان  خطير سينفخ سمومه بوجه المقاومة وبوجه كل من يقف مع حلف المقاومة، لتنتقل سياسة سورية إلى لبنان كونها تمثل الامتداد السوري اللبناني، وليس فقط في لبنان بل وكل دول الجوار، لتتجذر إسرائيل وحلفاؤها لتحقيق ما تضمر له، فهي لا تسعى فقط لإسقاط العهد اللبناني، فمصالحها أعمق من ذلك ولها ثأر مع حزب الله، وهذا هو المستهدف من هذه الفوضى، ولاحظوا توظيف الرئيس الفرنسي لمهمته في بيروت في عقد مؤتمر دولي سريع للمانحين فقط، وتخصيص مساعدات مالية عاجلة لإعادة المناطق المدمرة في بيروت، وإعلان أكثر من دولة مثل فرنسا وتركيا وهنا مربط الفرس، لماذا كل هذه الاندفاعات الأميريكية والآفاق المطروحة فرنسياً مالم يكن لهم غاية صهيونية لإسقاط بيروت، واعلانها منطقة منكوبة لنزع سلاح حزب الله، ليفتحوا عدة مواجهات لتضليل الحقائق والملفات، ولتكثر السيناريوهات المدبلجة بحجة إنقاذ لبنان، وفي المرحلة القادمة سنشهد فتح ساحات إقليمية ودولية تربك الوضع السياسي والميداني ليكون هناك صدام لربما عسكري في حال كان لإسرائيل وحلفاؤها علاقة في حادثة بيروت، وتشغيل أبواق الفتنة  والتحريض العلني.

ومن هنا ستكون المواجهة تخص ليس حزب الله بل وسوريا أيضاً، وكل ما نراه باعتقادي هو تمهيد لأحداث مّبرمة بعد أن رأينا الانفتاح الأمريكي على لبنان  فجأة، ولهذا الحماس المشبوه والرخيص، وفي المقابل سيكون هناك فعل ردات فعل أُخرى سنتفاجأ بها.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here