رميز نظمى: تغطية القضايا العربية فى الإعلام الغربى: صدق الأداء أم دجل و إفتراء؟

 

رميز نظمى

يتشدق الغرب عامة بحرية إعلامه و موضوعيته و حرفيته و دقته و استقلاله عن مراكز السلطة، و ذلك على عكس إعلام بقية دول العالم …إلا أنه من المؤسف أن هذه المميزات المفترضة لم يبن لها أثر عندما كان موضوع التغطية  هو القضايا العربية الحيوية، كالشأن الفلسطيني، و الحرب على العراق، و الأزمة السورية.

ستحل الذكرى السادسة عشرة للغزو الكارثى للعراق قريباً، و من الغنى عن البيان أن وسائل الإعلام، على كلا جانبى المحيط الأطلسى، كانت متواطئة فى جريمة قتل مئات آلاف العراقيين الأبرياء و فى القضاء على دولة كانت يوماً مهداً للحضارة .. كما أشار الكاتب البريطانى جورج مونبيوت: “أن حجم التضليل الذى قام به الإعلام قبل غزو العراق كان ضخماً و مؤثراً، و من الصعب رؤية دخول بريطانيا الحرب لولا قيام الإعلام بهذا الدور”.

حسب تقديرات البروفسور فرانسس بويل، أستاذ القانون الدولى من جامعة ألينوى الأمريكية، إن عدد العراقيين

الذين لاقوا حتفهم جراء الحصار و الحرب على العراق خلال سنوات 1990 – 2011 قد بلغ 3.3 مليون، منهم

 1.4 مليون قتلوا خلال الغزو و الاحتلال من 2003 إلى 2011 … إلا أن استطلاعات الرأى العام التى أجريت فى أمريكا و بريطانيا قدرت أن عدد الضحايا العراقيين لم يزد عن 5000 قتيل!. و هذا يوضح بصورة جلية فشل الإعلام الغربى بإعطاء صوره حقيقية عن المأساة العراقية .

لم ينحصر فشل الإعلام فى الإحجام عن التدقيق بصحة ادعاءات واشنطن و لندن ضد العراق، تمهيداً لاحتلاله، بل إن بعضهم أخذ على عاتقه التحريض بشدة على غزو العراق .. فمثلا فى 17\11\1997 نشرت “ويكلى ستاندرت” الصحيفة الأسبوعية ذات النفوذ فى الأوساط الحاكمة الأمريكية عندئذ، مقالا بعنوان “يجب التخلص من صدام” و حذرت قراءها إن لم تتم مهاجمة بغداد قريباً فعليهم “الاستعداد لذلك اليوم الذى سيطلق فيه صدام صواريخه المعبأة بالأسلحة البيولوجية و الكيميائية على إسرائيل و القوات الأمريكية فى الخليج”..  و قد أغُلقت هذه الصحيفة مؤخراً، التى كانت تدار من عناصر صهيونية، و لكن بعد أن نجحت فى غرس بذور الحرب و تأجيجها.

لم يقتصر تواطؤ الإعلام الغربى و تحريضه على غزو العراق على بعض الصحف و محطات التلفزة الدارجة، التى تعانى مصداقيتها من شكوك مزمنة، مثل بى بى سى و سى ان ان و فوكس و الجرائد الشعبوية، بل شمل أيضاً صحفاً “ليبرالية موقرة” على غرار “نيويورك تايمز” و “واشنطن بوست”، اللتين لهما سوابق إيجابية فى الكشف عن فضائح حكومية مثل “وثائق البنتاجون” و ” وترجيت” و مذبحة “ماى لاى” و “إيران جيت”.

و يمكن القول إن الدور الذى لعبته وسائل الإعلام الغربية بصورة عامة يشابه ذلك الذى أدته صحيفتا “ازفستيا” السوفيتية و “دير انجرف” النازية اللتان كانتا أبواقاً، لا غير، للسلطات الرسمية. و لكن تجدر الإشارة أيضاً أنه كانت هناك استثناءات قليلة التزم فيها إعلاميون غربيون بشرف مهنتهم كالصحافى البريطانى المرموق “روبرت فسك” و دار النشر الأمريكية “نايت ردر”.

النويورك تايمز بذلت جهوداً خلال الحرب الأمريكية على فيتنام  (1960 – 1975) من أجل البحث عن الحقيقة، أما فى حالة الحرب على العراق لم تكتف بالتستر على حجم الدمار و المعاناة التى ألحقها الحصار القاتل على العراق على مدى 13 سنة (1990 – 2003) و بتخاذلها عن التحقق من صحة افتراءات واشنطن و محافظيها الجدد، المتعصبين صهيونيا، حول التهديد العراقى المزعوم للأمن القومى الغربى، قامت هذه الصحيفة أيضاً بنشر تقارير لفقها مراسلوها الخاصون بها عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وصلات مع إرهابيى القاعدة.

و من المعلوم أن النيويورك تايمز هى الصحيفة الأولى و الرائدة من حيث التأثير على صناع القرار فى الولايات المتحدة. و على رغم أن مؤسسها، أدولف أوكس، كان يهودياً، إلا أنه يقال لم يرغب أن تكون صحيفته ساعية للدفاع عن قضايا “يهودية”. و لكن واقع الحال أثبت العكس، فحسب تصريح أدلى به محررها التنفيذى السابق، ماكس فرانكل، “أن ولائى لإسرائيل كان أعمق ممّا كنت أستطيع إظهاره”.

 و أقر بأنه كان يحرر مقالاته من “وجهة النظر المؤيدة لإسرائيل”. كيف يمكن للصحيفة أن تمتنع عن الإنحياز إلى الكيان الاستيطانى الصهيونى و “على الأقل أربعة من أبناء مراسليها تجندوا فى جيش هذا الكيان”؟

و بعد الغزو و الاحتلال عندما فاحت رائحة الخديعة النتنة بخصوص أسلحة الدمار الشامل، و صلات العراق مع الجماعات الإرهابية، نشرت النيويورك تايمز مقالاً بتاريخ 26\5\2004 اعترفت فيه عن أخطائها         و أقرت أن محرريها قد قصروا فى أداء واجبهم .. لكن ما نفع هذا الاعتراف لمئات الآلاف من الضحايا العراقيين الأبرياء؟ قد يكون هذا الإقرار بمثابة ترضية ضمير للصحيفة، و لكن ما قيمته بعد أن تم تدمير العراق و إدخال المنطقة بأكملها فى أتون فوضى شنعاء أسهمت الصحيفة فى خلقها؟

لم يساهم الإعلام الأمريكى فى تدمير العراق فحسب، بل إنه سبب أيضاً خسائر جسيمة لبلاده .. فوفق مؤسسة راند الأمريكية بلغ عدد المصابين الأمريكيين من جنود و مقاولين جراء غزو و احتلال العراق حوالى 40,000 بين قتيل و جريح، أما الخسائر المالية فقد وصلت إلى 6 تريليون دولار .. قال إبراهام لنكولن “دع الشعب يعرف الحقائق، حينها تكون الدولة آمنة”. توصية حكيمة خالفتها الإدارة الأمريكية  و وسائل إعلامها المتواطئة و بذلك عرضوا الولايات المتحدة لأضرار جسيمة و أخطار محدقة .. كل ذلك من أجل عيون الكيان الصهيونى الغاصب!

و حتى بعد أن انكشفت النتائج الكارثية للحرب على العراق، توجهت أغلب انتقادات الإعلام الغربى إلى             ،Tony Judtأخطاء الاحتلال الفادحة و ليس إلى الغزو نفسه … و من هذا المجال علق البروفسور تونى جدت   الأستاذ فى جامعة نيويورك، بقوله “لقد غضبوا من بوش لإعطائه ‘الحرب الوقائية’ سمعة سيئة”.

و قد أصاب البروفيسور جدت عين الصواب أيضاً عندما فسر دعم “المفكرين الليبراليين” للتدخلات الغربية غير الأخلاقية فى الوطن العربى بقوله “إن رغبة العديد من المحللين و المعلقين و الكتاب فى تأييد عقيدة بوش بالحرب الوقائية، و الامتناع عن انتقاد الاستخدام غير المتكافئ للقوة الجوية ضد أهداف مدنية فى العراق و لبنان، و التزام الصمت تجاه دعوة كوندليزا رايس الحماسية  ‘لآلام حادة دموية لولادة شرق أوسط جديد’ تصبح منطقية عندما نتذكر تأييد هؤلاء لإسرائيل: الكيان الملتزم على مدار خمسين عاماً بأستراتيجية مبنية على شن حروب وقائية و الرد الانتقامى غير المتكافئ و العمل على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله”.

يبدو واضحاً أن الانحياز الإعلامى اللئيم و الأحمق لصالح الكيان الصهيونى، هو الفارق الحاسم، فعندما يتعارض الحق و العدل مع المصالح الإسرائيلية، تكون الغلبة للمصالح الإسرائيلية و ليذهب الحق و العدل إلى الجحيم! حيث أن الحروب الأمريكية فى جنوب شرق آسيا (فيتنام ، كمبوديا ، لاوس) لم يكن لها تأثير مباشرعلى الكيان الصهيونى، قامت وسائل إعلام أمريكية بواجبها بتقصيها للحقائق و ذلك بعكس دورها المخزى بشأن الحرب على العراق…

وعلى صعيد آخر، فإن وسائل الإعلام  البريطانية لم تكن أفضل حالاً .. جزء كبير من الإعلام البريطانى يملكه قطب إعلامى مليادير مثير للجدل، روبرت مردوخ، المعروف بتأييده المطلق للكيان الصهيونى،         و الذى وصفه الصحافى الأمريكى المرموق، كارل بيرنستاين، بأنه “نجح فى اختطاف و إفساد المؤسسات الديمقراطية الأساسية فى بريطانيا من خلال المال و النفوذ و الاستغلال الكلى و السىء لامتيازات حرية الصحافة” و المعلوم أن بيرنستاين هو الصحفى الذى كشف مع بوب وودوارد فضيحة وترجيت التى أنهت رئاسة ريتشارد نيكسون فى عام 1974 .

هيئة الإذاعة البريطانية BBC))،  مفخرة الإعلام البريطانى، وصفت نضال الشعب الفلسطينى ضد الكيان الاستيطانى الصهيونى بأنه فى حيثية يعبر عن مشاكل “بين الإسرائيليين اليهود و المسلمين العرب، يمثل فى أساسه خلافاً حول أراض و حدود”!. هكذا يُطمس اسم فلسطين و يتحول كفاح الشعب الفلسطينى البطولى والمرير من أجل تحرير أراضيه المغتصبة إلى خلاف عنصرى دينى حول بقع من الغبراء!. و قد أقر “تم

ليولين”، الذى كان مراسل ال بى بى سى للشرق الأوسط لعشر سنوات، بأن محطات التلفزة و المذياع البريطانية لم تكن أمينة فى تغطيتها لنضال الفلسطينيين المسلح ضد الاحتلال العسكرى الإسرائيلى، و كتب “فى تقديرى كصحفى و خبير فى الشرق الأوسط، كانت تغطية هذه المحطات تأتى فى صالح الإحتلال (الإسرائيلى) على حساب المُحتل (الفلسطينى) و صورت المحتلين (الفلسطينيين)  كأنهم مخلوقات غريبة تهدد بقاء إسرائيل و ليس العكس”.

على أثر المجزرة التى اقترفها الكيان الصهيونى فى قطاع غزة فى كانون الأول / ديسمبر 2008 و التى أدت إلى دمار شامل و استشهاد مئات الفلسطينيين  العُزّل، أعدت جمعيات خيرية بريطانية نداء استغاثة لجمع معونات تساعد المنكوبين فى غزة على إعادة بناء مساكنهم المهدمة. إلا أن ال بى بى سى رفضت أن تذيع هذا النداء الإنسانى تحت ذريعه أنها تشاء المحافظة على حيادها! هل يوجد تبرير أكثر بؤساً من هذا التفسير السقيم؟ كيف يمكن لأى هيئة، تحترم نفسها، أن تكون محايدة ما بين القاتل و الضحية؟.

فى مقالة نشرتها جريدة الجارديان “الموقرة” فى 27\2\2018 لإحدى محرريها الرئيسين، جزمت فيها الكاتبة أن إخفاق الغرب فى سوريا يمثل “الهزيمة الأخلاقية للغرب” أى يبدو أن الغرب قد هُزم أخلاقيا عندما فشل بتحطيم سوريا كلياً و تغيير نظام حكمها كما فعل بالعراق و ليبيا و اليمن.. كاتبة المقال كانت سابقا مديرة تحرير صحيفة أوروبية “موقرة” أخرى و هى اللوموند الفرنسية.

أى عُهر و تدليس سياسى هذا الذى يجاهر أنه على رغم كل المآسى و المصائب التى ساهمت أنظمة الغرب  و أعوانها فى إلحاقها بالشعب السوري البرىء، إلا أن عدم النجاح فى التدمير المطلق لهذا البلد العريق        و القضاء على نظامه، مهما له من مساوئ ، يعتبر هزيمة أخلاقية؟ إن الهزيمة الأخلاقية الحقيقية هى التغاضى عمّا اقترفته الأنظمة الغربية من دناءات، و ما أكثرها، بحق العالم العربى .. إن السقوط الأخلاقى، السافر و الصميم، لهذه الأنظمة قد وقع عندما استعمرت الأمة، وشرذمتها حدودياً و طائفياً، و نهبت خيراتها، و نصبت و دعمت حكاماً مأجورين متخلفين، و زرعت فى قلبها كيانا استيطانيا عدائيا موبؤا و خبيثا.

آن الأوان أن يدرك الغرب أنه لا يوجد أى أمل  فى إحلال سلام عادل و ازدهار دائم ما لم يتخلص صُنّاعو

قراره، سياسيين و إعلاميين، من نفاقهم و جشعهم و ازدواجيتهم فى التعامل مع القضايا العربية الحيوية…

عاجلاً أو آجلاً، ستنبعث الأمة من جديد، بعربها و كردها و أمازيغها و كافة مكوناتها المتآخية، و بمسلميها     و مسيحييها و صابئتها و كل دياناتها و معتقداتها المتآلفة .. ستسمو الأمة بسواعد كادحيها و مفكريها          و أبنائها و بناتها الأبرار، الذين  قناعاتهم تردد “إما حياة تسر الصديق، و إما ممات يغيظ العدى” .. نعم ستنهض الأمة لتحقيق طموحاتها المشروعة، و لتحتل موقعها اللائق بين أمم العالم الجليلة، و لتستعيد دورها الحضارى الوحدوى الذى أسبغه عليها إيمانها و تاريخها و قيمها السامية.. أليس من مصلحة الغرب            و الإنسانية جمعاء أن يتخذا موقف الصديق لا العدو من هذه المسيرة الماجدة؟

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الصحافة الغربية على العموم وفيما يخص قضاياهم لديها مصداقية ولكنها تفتقد الى الحيادية، أما اذا تعلق الأمر بنا كمنطقة عربية فانها تفقد توازنها بالكامل فليس هناك لا حيادية ولا مصداقية بل على العكس في بعض الأحيان وقد نكون نحن سبب البلاء .

  2. لقد أحسن الاستاذ رميز بالتقاط هذه الحقيقة وآجاد في تصويرها و توضيحها. في لقاء رتبه احد الاخوان التقيت بالسيد تشيلكوت رئيس لجنة التحقيق في قرار الحرب على العراق، واذكر اني قلت له ان الطرف الذي يجب ان يحاسب محاسبة السيد بلير و غيره من الساسة البريطانيين، على أساس ان لجنته كانت تخص بريطانيا فقط، هم الاعلاميون وكتاب الصحف الكبرى والمؤثرة في الرأي على ما نشروه وما روجوا له من اكاذيب حول أسلحة الدمار الشامل وقدرة العراق على قصف بريطانيا باسلحة كيمياوية في ظرف خمس وأربعون دقيقة، الى غير ذلك من الافتراءات، معتمدين على ادعاءات عملاء ( يدعون انهم عراقيون)، وكل همهم هو الحصول على الإقامة او الجنسية حتى وان كان الثمن دم العراقيين الابرياء. أيدني الرجل فيما قلت وقال لي ان تقريره شمل هذا الموضوع، وان عمله لم يكن تحقيقا لإدانة احد وانما لإظهار الوقائع الحقيقية، وبعد ذلك الامر مناط بالقضاء. طبعا كلنا يعلم ان القضاء لن يفعل شيئا الان، خاصة وان الطرف المتضرر، العراق الدولة، لم ولن يحرك ساكنا الان او يشتكي حقوق ابناءه في المحاكم الدولية، لأسباب معروفة، والافراد المساكين لا يمتلكون الحق في اللجوء لهذه المحاكم. ولكني مؤمن بان اليوم الذي سيتم فيه ادانة كل الحكومات التي ساهمت في تدمير العراق ات، قد لا يحدث ذلك في حياتنا، ولكن اولاد واحفاد العراقيين الشرفاء سيشهدون مثل هذا اليوم وسيستمعون بآذانهم اعتذارات ساسة الدول المعتدية من العراق وشعبه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here