رفقة العميا: حصار غزة: تأملات ومعاناة شخصية

book-an-dfather.jpg55

رفقة العميا

لا أفهم كيف يمكن اعتبار أن فرض الحصار على  قطاع غزة لأكثر من عشرة أعوام عقاب لحركة حماس ، بينما ينعم بعض قادة الحركة بحرية المرور ذهاباً و إياباً . ما أفهمه أنني و عائلتي لا نتبع لحماس و لا لغيرها ، و مع ذلك فإن اثنين من إخوتي فقدوا سنة دراسية كاملة بسبب تأخير مرورهما عبر معبر رفح ، و حتى ذلك لم يكن يخلو من إجهاد و إذلال و اعتماد كامل على الحظ. لا يمكنني أن أنسى أول صورة رأيتها لأخوَيّ – و كلاهما سافر في سنة مختلفة – كيف كان يبدو عليهما أنهما عانيا أهوال القيامة ضريبة لهذا المرور . أختي أيضا عاجزة عن السفر إلى زوجها (الفلسطيني النازح ) في دولة أخرى ، و قد تأقلمنا جميعاً و كأن الوضع “الطبيعي” ألا يحضر أي فرد منا زفافها، المهم أن تصل هي لزوجها . و من الطريف، في هذا السياق، أن يطلب منها القائمون على تسجيل المسافرين تقديم ( طلب استرحام ) للنظر في إمكانية تقديم سفرها في حال تم فتح المعبر  ٣ – ٤ أيام كل ثلاثة أو أربعة أشهر لآلاف الغزيين المضطرين للسفر، ثم يقابَل طلبها بالرفض .

كما أن اختي الطفلة التي أجرت سابقاً عمليتين في القلب ، محرومة من السفر للخارج من أجل فحوصات دورية للتأكد من كفاءة عمل القلب للعام السادس على التوالي. و زوجي يعتذر عن عشرات الدعوات لمؤتمرات أو ندوات تخص عمله أو نشاطه لعدم قدرته على الخروج من فخ غزة الذي يطبق على أعناقنا ، و هو لم يرَ شقيقته المتزوجة في بيت لحم التي يفصلها عن غزة ساعة واحدة فقط بالسيارة منذ سبعة عشر عاماً ، كما أنه لم يستطع العودة  لحضور جنازتي والديه الذين توفيا و هو في الخارج قبل أن يعودا إلى القرية الحلم ( زرنوقة.)

و لا أريد أن أتحدث عن عدم قدرتي على السفر لأن ذلك قد يبدو رفاهية -و أقولها بغير اقتناع – أمام من لديه أسباب تتعلق بالمرض أو الدراسة أو لم شمل أسرة فرقّتها فاشية الصهيونية و العروبة المتصهينة .

كنت طوال الأعوام السابقة أجاهد كي لا يعتاد وعيي على حقوقي منقوصة ، فلا أشكر أي طرف عندما يفتح فسحة صغيرة للتنفس في سقف السجن كلما اتفق ذلك مع مزاجه ، و لا أشعر أبدا أن ثماني ساعات يومياَ هي حقي الكامل في الحصول على خدمة كهرباء مدفوعة الأجر ، و مهما تقلصت هذه الخدمة كنت أرفض أن أتأقلم مع شحاحتها . كما أنني لم و لن ألوّث أصبعي قط في أي انتخابات يخوضها ثلث الشعب الفلسطيني فقط ، تحت حراب الاحتلال و لا تساهم إلا في تبييض وجه إسرائيل من خلال شرعنة الحصار و الاستيطان بمنحنا حق إجراء انتخابات حرة على ٢٢٪ من  فلسطين ، ما هي إلا وهم لحلم الدولة و الاستقلال!

إنني أؤمن أننا بحاجة إلى نفض عقولنا من غبار الفصائلية القبيلة التي قزّمت النضال الفلسطيني ، و شوهت إيماننا بحقوقنا الأساسية كاملة ، خصوصاً في هذا الوقت الذي يشتد فيه الحصار على قطاع غزة ، الذي مر بثلاث مجازر إبادية قضت على الأخضر و اليابس, بعدما وافقت الحكومة الإسرائيلية على خفض إمدادات الكهرباء إلى القطاع ، بعد قرار السلطة الفلسطينية في رام الله إيقاف مدفوعاتها الشهرية لفواتير إمدادات الكهرباء من إسرائيل. و قد حذرت الأمم المتحدة من العواقب الوخيمة لهذا القرار ، و أنه – بحسب منسق الشئون الإنسانية للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية روبرت بايبر- قد يؤدي إلى انهيار الخدمات الأساسية في القطاع بأكملها . و كانت الأمم المتحدة قد صرحت سابقاً أن غزة لن تكون صالحة للحياة بحلول العام ٢٠٢٠ .

و عندما صرح دوف فايغلس ، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرئيل شارون في العام ٢٠٠٦ ، عن ضرورة حساب السعرات الحرارية لسكان قطاع غزة ، و التي تجعلهم على حافة التجويع دون تركهم يموتون جوعاً ، لم أكن أعرف أنني بعد عشرة أعوام سأنجب طفلتي في غزة المحاصرة ، و ستكون هي الهدف!

إنني من ضمن ٨٠٪ من سكان قطاع غزة اللاجئين ، الذين تم تطهيرهم عرقياً عام ١٩٤٨ من مدنهم و قراهم الأصلية ، و الآن نخضع لحصار ظالم وصفه المقرر الخاص للأمم المتحدة ريتشارد فولك أنه مقدمة لإبادة جماعية ، كونه نوعاً من أنواع العقاب الجماعي المخالف للقانون الدولي الذي يفرض على القوة المحتلة توفير كافة الخدمات من ماء و طعام و دواء و كهرباء لمن تقوم باحتلاله . و هذا ما يقوله دائما الناشط الإسرائيلي المناهض للصهيونية  إيلان بابيه  الذي جعل من النكبة و اللجوء قضيته الأساسية ، و كان قد وصف حصار غزة غير المسبوق بأنه “إبادة جماعية بطيئة.” كما تقول كارين أبو زيد المفوضة العامة السابقة للأنروا : ” إن غزة هي أول منطقة في العالم على وشك أن تكون منكوبة بشكل كامل بعلم و تواطؤ، و البعض يقول بتشجيع المجتمع الدولي.”

ما أفهمه أنني إنسان ، و أستحق كامل حقوقي في أي بقعة على العالم ، و لا يحق لأي شخص في العالم المساس بها ، أو التفاوض عليها كما يتفق مع رؤيته الضيقة لمبادئ الحرية و العدالة و المساواة!

*متطوعة في حركة المقاطعة و عدم الاستثمار و فرض عقوبات على إسرائيل–بي دي أس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here