رفض وتأييد وتأني.. الموقف العربي من صفقة القرن

إسطنبول-الأناضول- فور إعلان الرئيس الأمريكي عن مبادرته للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، اتخذت دول عدة حول العالم، منها عربية، مواقف تباينت بين الرفض، والتأييد، والدعوة إلى دراسة الخطة بتأنٍ قبل اتخاذ موقف منها، أو الصمت وهو الغالب.

يرى خبراء، أن مبادرة الرئيس الأمريكي للسلام “صفقة القرن”، تهدف إلى تقويض ما تبقى من ثوابت فلسطينية تتعلق بعدم الاعتراف بيهودية القدس، وخطورة استبعاد القدس من أي مفاوضات مستقبلية على أساس القبول بالأمر الواقع الذي فرضه قرار ترامب باعتبارها عاصمة لإسرائيل.

ويخشى الفلسطينيون من أن يؤدي القبول بصفقة القرن المزعومة، إلى إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق الفهم الأمريكي الذي يُعرف اللاجئ الفلسطيني بأنه هو فقط الجيل الأول من اللاجئين، وأن أولاده وأحفاده والأجيال التالية ليسوا لاجئين، وهو ما يمهد لإلغاء أهم الثوابت التي أجمع عليها الفلسطينيون، وهو التمسك بحق العودة وعدم التنازل عنه.

ووفق الخطوط العريضة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي، والخريطة التي نشرها، فإن الدولة الفلسطينية التي يرِد ذكرها في مبادرة السلام تشمل أراض مقطعة الأوصال كفيلة بتحويل الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية متناثرة في الضفة الغربية وقطاع غزة وصحراء النقب وشمال فلسطين وغيرها.

على الصعيد الشعبي، رفض الشعب الفلسطيني إعلان صفقة القرن ومضمونها، كما أن عموم الشعوب العربية أبدت رفضها للخطة من خلال نوافذ التعبير المتاحة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأبدى ترامب تفاؤلا في إمكانية حصوله على تأييد الفلسطينيين لخطته، التي يقول إنها تهدف إلى تحقيق السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنه في الحقيقة يعوّل على مواقف لدول عربية قال إنها “تدعم مبادرته” دون أن يذكرها بالاسم.

ووجه ترامب، شكره لكل من الإمارات والبحرين وسلطنة عمان لمشاركتها في المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإعلان مبادرته للسلام.

وتؤكد الدول العربية “الفاعلة”، التي أعلنت موقفها من مبادرة السلام على دعم الشعب الفلسطيني للحصول على كامل حقوقه المشروعة بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهو مضمون المبادرة العربية للسلام التي أعلنت عنها القمة العربية في بيروت عام 2002 ورفضتها إسرائيل.

إلا أن محللين ذهبوا إلى أن الرئيس الأمريكي يقصد الدول العربية التي شاركت في ورشة المنامة في يونيو/حزيران 2019، لمناقشة الشق الاقتصادي من صفقة القرن، وهي: البحرين والإمارات والسعودية وقطر وسلطنة عمان والأردن ومصر والمغرب.

وعلى الرغم من مؤشرات تطبيع خليجي إسرائيلي، وعربي إسرائيلي، لكن حتى الآن لا ترتبط الدول العربية، باستثناء مصر والأردن، بعلاقات تمثيل دبلوماسي مع إسرائيل.

وتعلن الدول العربية أن إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل يتوقف على إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق حل الدولتين إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس الشرقية التي حددت صفقة القرن وضعها النهائي بأنها ستكون عاصمة لإسرائيل مع حق الفلسطينيين بعاصمة على أجزاء فقط من القدس الشرقية يتحدث مطلعون أنها ستكون في منطقة “أبوديس” القريبة منها.

ولا تزال مواقف الدول العربية المعلنة، مثل السعودية وقطر والأردن وغيرها، تؤكد على أن القدس الشرقية هي عاصمة دولة فلسطين، وهو الموقف الذي عبر عنه محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، الذي صرح بأن الفلسطينيين متمسكون بقرارات الشرعية الدولية في مواجهة الخطة الأمريكية التي تدعو لدولة فلسطينية دون أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها.

وتثير الزيارات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين ومشاركة إسرائيليين في نشاطات علمية ورياضية في عدد من الدول الخليجية قلقا في الأوساط الفلسطينية وحالة من عدم الاطمئنان لثبات الموقف العربي مستقبلا قبل التوصل إلى حل عادل يرضى به الفلسطينيون.

لأسباب تتعلق بالتوترات في المنطقة، وحاجة الدول الخليجية للموقف الأمريكي في مواجهة التهديدات الإيرانية، أبدت بعض الدول الخليجية موقفا “مؤيدا” لمبادرة الرئيس الأمريكي وفق ضوابط تتعلق بالإقرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أعربت السعودية عن دعمها لمبادرة السلام وتأييدها لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية مباشرة ترعاها الولايات المتحدة في موقف يرى خبراء أنه “تراجع” عن مبادرة السلام العربية التي دعت لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو على خلاف ما جاء في مبادرة السلام الأمريكية التي تدعو أيضا لإقامة دولة فلسطينية، لكنها تحدد جزءا من القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وليس كلها.

بالإضافة إلى الموقف السعودي، فقد أيدت كل من مصر والامارات وقطر ودول أخرى مبادرة السلام الأمريكية وتقديرها للدور الأمريكي من أجل التوصل إلى سلام شامل وعادل للقضية الفلسطينية.

لكن جامعة الدول العربية التي هي الأخرى لم ترفض مبادرة السلام واعتبرتها تعكس رؤية أمريكية “غير ملزمة”، رأت أن تحقيق السلام العادل والدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين مرهون بإرادة الطرفين وليس بإرادة طرف دون آخر.

وبشكل قاطع، رفضت الأردن مبادرة السلام باعتبارها الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، مع تعهدات بأن تستمر الأردن في تكريس كل إمكانياتها لحماية المقدسات والحفاظ على هويتها الإسلامية والمسيحية.

وأكدت قطر التزامها بدعم المؤسسات الفلسطينية، معتبرة أن السلام لا يمكن أن يستمر إذا لم يتم الحفاظ على حقوقهم في دولتهم ذات السيادة بما فيها القدس الشرقية وحق عودة اللاجئين.

وفي المواقف الأخرى، وصف الرئيس التونسي صفقة القرن بأنها “مظلمة القرن”، كما أن الجزائر التي رفضت مبادرة السلام الأمريكية اعتبرت أن الحق الفلسطيني في دولة مستقلة عاصمتها القدس، حق “غير قابل للتصرف”.

وأعلن العراق عن ترؤس الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بشأن “صفقة القرن”، مؤكدا في بيان للخارجية على أن “العراق يقف مع أشقائه الفلسطينيين في حقوقهم المشروعة التي ضمنتها الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، وحقهم في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، ويشدد على أن القدس

الشريف والمسجد الأقصى لا يزالان تحت الاحتلال”.

وأعطت مبادرة السلام الأمريكية الحق لإسرائيل بالاحتفاظ “فورا” بالقدس كاملة “تقريبا” وضم غور الأردن والمستوطنات الموجودة في الضفة الغربية.

وحتى مع افتراض قبول السلطة الفلسطينية وحركة حماس بمبادرة السلام، لحسابات معينة أو نتيجة لضغوط الواقع الفلسطيني أو الضغوطات الإقليمية والدولية، فإن الشعب الفلسطيني لا يمكن له أن يوافق على مبادرة لتشكيل كيان أو دولة فلسطينية منزوعة السلاح خاضعة في الحفاظ على سيادتها للسلطة الإسرائيلية التي تفترض مبادرة السلام مسؤوليتها عن السيطرة الأمنية على أراضي الدولة، بالإضافة إلى ما يتعلق بحق العودة والدولة المستقلة كاملة السيادة واسترداد الأراضي التي احتلتها إسرائيل والتي لا تزال الأمم المتحدة ترفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها.

أعطت المبادرة الحق لإسرائيل بالضم الفوري لأجزاء كبيرة من الضفة الغربية وغور الأردن وشمال فلسطين، مع الحق للفلسطينيين بإقامة دولة مقطعة الأوصال غير واضحة المعالم.

يمكن أن يؤدي الضم الفوري لتلك الأجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالمباشرة بتطبيق المبادرة اعتبارا من الأحد، 2 فبراير/شباط، إلى ردود فعل من الدول التي أيدت مبادرة الرئيس الأمريكي وتعهدت بدعم المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين برعاية أمريكية.

سيظل الموقف الفلسطيني هو الفيصل في تشكيل الموقف العربي الجماعي من مبادرة السلام الأمريكية، كما ترى جامعة الدول العربية التي قالت إنها تدرس المبادرة بشكل متأن قبل اتخاذ موقف نهائي منها.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here