رغيد النحّاس: جهاد الزين ومهنته “الآثمة”

رغيد النحّاس

قرأت بشغف شديد كتاب جهاد الزين “المهنة الآثمة، نقد تجربتي في الكتابة السياسيّة”، الصادر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر، ديسمبر 2018.

وما أشارككم فيه هنا ليس نقداً أدبيّاً مستوفياً للكتاب، بل انطباعات خاصّة تستمدّ زخمها من أنّ هذا الكتاب عزّز معرفتي بهذا الصحافي الفذ والمثقّف الباهر الذي عرفته عبر السنين من خلال كتاباته وقصائده، وتعاملي معه حين ترجمت له ديواناً إلى الإنكليزيّة، أكثر من معرفتي به كونه زوج شقيقتي. العلاقة العائليّة كانت دائماً نائية بفعل طغيان الجغرافيا والزمن، ووجودنا في أصقاع متباعدة كثيراً. أيّ أنّني كنت دائماً صديق نصّه، وحرمت من أنْ أكون صديقه.

جهاد الزين في نظري سيّد في الابتكار. كنت أرى في كلّ مقال جديد ينشره، منذ أيّامه في “السفير” وحتى وجوده الآن في “النهار”، فكرة متميّزة حتّى حين يعالج قضايا يتناولها الآخرون بطبيعة الحال. كنت أحسّ أنّ هذا التمايز يتعزّز دائماً بقدرة جهاد الفائقة على توظيف عوامل عدّة بشكل متضافر لطرح الموضوع ومعالجته. من هذه العوامل: اختياره للعنوان، وانفتاحه على تطوّر اللغة واشتقاقاتها، والجرأة، واستيعاب المتجدّد من وسائل التواصل، ومواكبة الأحداث بالدقّة المتناهية، والمشاركة الميدانيّة بالسفر وحضور المؤتمرات واللقاءات والمقابلات.

الأفكار لديه تتميّز ليس بمجرد طرح الجديد، بل بالمنظور المختلف الذي يعتمده والذي قد يناقض المألوف أحياناً، لكنّه يثبت أنّه ضروريّ لكشف ما لم يكشفه التقليديّون. هذا يحتاج إلى جرأة كبيرة لأنّه يعرّض صاحبه للمواجهة أو عدم الفهم من قبل الآخرين. وفي أحسن الحالات يجعل صاحبه كاتباً “نخبويّاً” على حساب مكاسب الشهرة و”الشعبيّة”.

وها هو عنوان الكتاب الجديد يأتي “مبتكراً” في وصف الكاتب لمهنته على أنّها “آثمة”، ثم يقول لنا إنّه نقد لتجربته قي تلك المهنة. كما تأتي عناوين الفصول كلّها حاملة معها كمّيات شتّى من درجات الابتكار والتلاعب اللغويّ. العناوين ليست مجرد واجهات استعراضيّة، بل هي تأكيد لما تحمله النصوص من مدلولات وتحاليل ومناقشات متراكبة ومتشعبّة، وبالنتيجة ما تطرحه من أسئلة أبديّة. مثلاً العنوان: “انشقاق اللغة واشتقاق السياسة”.

وليس غريباً عن هذا المثقّف التكامليّ أنْ تكون مسألة اللغة هاجساً أساساً في توظيفه الكلمات والتعابير لإيصال الأفكار بدقّة في عصر العولمة هذا، مع كلّ التحديّات التي تتساقط على المرء بسرعة الضوء من كلّ أرجاء الأرض. أضف إلى ذلك أنّه شاعر وأديب مرهف، لا يتخلّى عن الذوق الكتابيّ حتى في المقال الصحفيّ. كما أنّ الكتاب يحوي كثيراً من الطروحات التي تصل إلى مستويات فلسفيّة. أحبَبْتُ بشكل خاص تعاطيه مع النصّ على أنّه كائن عضوي.

أكثر ما شدّني هو الوقائع الهامّة التي استعرضها الكتاب، وعلى الرغم من معرفتنا ببعضها يأتي تأكيدها من هذا الكاتب شاهداً هامّاً على مصداقيّتها، وفي بعض الحالات تصحيح أفكارنا عنها. وما يهمّني شخصيّاً طريقة تفكيره ومواقفه منها، فأذهلتني جرأته الكبيرة في صراحته حول طرح مواقفه من المقاومة الفلسطينية، واتفاق أوسلو، وصعود الطائفة الشيعيّة في لبنان، وغيرها. وأكثر ما أحببت هو وصوله لبعض الاستنتاجات من اللقطات “التصويرية” التي كان يشهد عليها، مثلاً حين ذهب يعزّي بوفاة ابن الرئيس السوريّ حافظ الأسد، وشاهد أين يجلس كبار المسؤولين والضباط بطريقة تحدّد قوّة مراكزهم ومقدار نفوذهم.

جهاد الزين صحافيّ كامل التجهيزات: مثلاً لا يحتاج إلى مصوّر يرافقه، بوجود عدسات ذهنه المصقولة. لكنّ أهمّ ثروة يملكها هو ثقافته العميقة التي يتعامل مع معطياتها بمنهجيّة فائقة حين يوظّفها في خدمة نصّه. وفي هذا الكتاب أمثلة كثيرة عن عمق واتساع هذه الثقافة محلّياً وإقليميّاً وعالميّاً. ولا شكّ أنّ هذه الثقافة هي ما تجعله أكثر تمسّكاً بمعالجة كلّ الجوانب المتعلّقة بالمسألة التي يتعاطاها، مثل تركيزه على أهمّية الاقتصاد ودوره في تحديد معايير كثيرة. أيْ أنّ ثقافته تمتد أيضاً إلى كلّ الأبعاد الداخليّة، طولاً وعرضاً وارتفاعاً، ضمن أيّ بقعة يجد نفسه فيها. إنّه “أوركسترا” فكريّة تستطيع تلبية مواقف مختلفة دون أنْ تفقد جاذبيّتها الموسيقيّة.

لن يكون الكتاب سهلاً أو سلس القراءة بالنسبة لكثيرين، وأعترف أنّني وجدت صعوبة في استيعاب بعض المقاطع نتيجة لطريقة السبك اللغوي المعقّد فيها، وبرأيي كان من الممكن كتابتها “صحفيّاً” بدل “لغويّاً”. وأقول “لغويّاً”، لا “أدبيّاً” أو “بلاغيّاً”، لأنّني بالنتيجة فهمت المقصود، وأعتقد أنّ المشكلة مشكلة تراكيب بحاجة لتحرير مختلف. كما أنّ حرص جهاد الشديد على التأكيد على بعض النواحي وشرحها بالدقّة التي يريد، جعله يبالغ في هذا الشرح والتأكيد ما جعل النتيجة عكس ما يبتغي.

وأخيراً راودتني أشياء كثيرة بعد قراءة الكتاب، واستشعاري أهمّيته التي تتعدّى نقد تجربة الكاتب. مثلاً أحسست أنّه يمكن للشطر الثاني من العنوان أنْ يكون “تجربتي في الكتابة السياسيّة”، دون “نقد”. أو “ملاحظاتي حول الكتابة السيّاسيّة”. أو مجرّد “المهنة الآثمة”. وحتّى هذه، أحسّ أنّ ذهني يريد أنْ يقول لي شيئاً حولها، لكنّي غير قادر على تبيانه لفظاً. لكنّ أهمّ ما راودني، وهو علّة ترافقني دائماً نتيجة لتخصّصي في الطريقة العلمّية للبحث، أنّ نقاطاً كثيرة في الكتاب تصلح كلّ منها لتكون نواة أطروحة أكاديميّة، وقد أتت مع إيضاحات مُقَدَّمة على “صحن من ذهب” للباحث الذي سيمسك طرف الخيط ويعدو. بل إنّ الكتاب يصلح ليكون أساساً لكتاب أكاديميّ جديد، يكتبه أكاديميّون متخصّصون، تعتمده كلّيات الصحافة والإعلام، وربّما علم الاجتماع. لشعوري هذا سببان. الأوّل أنّ هناك حاجة للتثقيف المنهجي الراقي الفعّال. الثاني أنّ المصدر إذا كان صحافيّاً متمرّساً (ليس له علاقة بالأكاديميا، وليس هو من يكتب الكتاب الجديد)، ستكون أفكاره محرّرة من أغلال المنهج التعليمي الصارم المحدود، والذي قد لا يمتّ إلى الواقع بصلة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here