رضا نازِه: أرض الواكواك

رضا نازِه

صديقي يحمور..

أنا الموقعة أسفل التاريخ العاثرةُ أعلاه، أو كدت أتعثر على شط الفرات، لولا أنَّ عُمَر عبَّد لي الطريق، وبدون أداء. رضي الله عنه، كان أميرا أجيرا لا تاجرا، هاديا لا جابيا. خاف أن يسأله الله عن بغلة حقيرة مثلي فأتعبَ مَن بعدَه وأقام عليهم الحجة. آه يا صديقي كم شردتُ بعده وتشردتُ وتعثرت عند انكسارات التاريخ والطرق ولم أسلم من أذى يصيبني أو من رؤيته حوالي مما ينغص الحضور. وأنت كذلك لم تسلم مع أنك آثرتَ القعودَ، وأنا مشيت.. مشيت دون توقف. وكنتُ كلما تعبتُ آوي إلى ظل شجرة، أتوهمها شجرة بيعة الرضوان وأتوهم نفسي دلدل، بغلة نبيِّ الله وأنتشي. يكفي فصيلتنا شرفا أنه كان يؤثرنا كيلا تنكسر نفس فقير سأله يوما: “هل في الجنة خيل؟ فإنها تعجبني..”

وقد يجمح بي الوهم حتى أصير بُراقا خَطْوُه عند طرفة عينه. أسري لوحدي وأعرُج عاليا ما أمكنني. هل تذكر حين لقيتك في المرة الأولى والأخيرة حين وصلتُ أرضكم الغريبة. فوجدتك هناك. حمارا مقهورا مهدورا مطروحا في مزبلة، واستغربت كثيرا حين أخبرتني أن اسمها “أرض الواكواك..”

خلتُ نفسي أولَ الأمر قد بلغتُ أرضًا يقلبُ أهلها القافَ كافا. وخِلتُك حمار يهوذا الإسخريوطي صرتَ من المنظرين حين أصابتك لعنة صاحبك الذي نسق أمنيا مع الرومان وبلَّغ عن مَجْمعِ العشاء الأخير. حين نطقتُها الواقواق قلت غاضبا غضبَ الضجر من جهل المخاطبين: “- كلا.. بل الواكواك! ويا ليتها الواقواق جزيرة التعايش والتسامح وأرضُ حي بن يقظان وماوكلي وأصدقائهم الخلص من حيواناتِ الغابة..” ثم أخذتَ تدندن شاردا كأنك من هناك: “في الغابة قانون يسري في كل مكان/ قانون لم يفهم مغزاه بنو الانسان/ ساعد غيرك لو تدري/ ما معنى حب الغير/ ما معنى أن تعيش في الأرض بلا نكران..” لم أشعر أن صرتُ أدندن معك لحنَ الصبا المتأخر بقرون. “إنها الواكواك يا صديقتي.. هكذا بكاف مفروضة وكاف أخرى نافلة ولكِ أن تزيدي ما تشائين من الكافات وترفعي كَفَّ الضراعة أن يرزقك من خير هذه الأرض ويقيك شرها..” لم أكن أعلم يا صديقي أنك بشرٌ اختار صورةَ حمار وصبرَ الحمار كي يتحمل الواقع..

لم يبْرَحني لغز الواكواك حين تركتك ومضيت وأنا أسأل الله أن تكون المشهد المأساوي الأول والأخير في هاته الأرض. حلـَّقتُ عاليا كي أمسحها قبل الهبوط، فكدْتُ أصطدم بمبخرة ذهبية عملاقة لا أدري هل كانت معلقة أو منصوبة على عمود كبير. كان ينبعث منها دخان كثيف تشكلت منه سحبٌ سحرية زائفة، وفوق كل سحابة صندوقٌ زجاجي مِلؤُه أظرفة يضعها ناس في حال غريبة. كأنني أدركت ليلة من ليالي شهرزاد وهي تحكي عن مدينة النحاس. انزحتُ عن المبخرة هبوطا فسمعت من تحتي زعيق قطار رهيب يمر كالبرق. كاد يصدمني. كاد هبوب ريحِه يطوح بي في المزابل المتناثرة على ضِفتَيْ سِكته، فينتهي أمري في أحسن حال إلى مثل سوء حالك. لولا أن الأجنحة أسعفتني، ربما ببركة دعائك.

ورأيتُ نارا من بعيد. قصدتها، لعلها تكون كانونا يجمع قوما كراما آوي إلى جوارهم. دنوت فإذا هي حافلة تحترق بمن فيها من أطفال صغار وحول النيران نساء يحلقن في السماء بأجنحة ضخمة ولا يستطعْنَ لصغارهن شيئا. ورأيت مروحيات تطاردهن فسألت إحداهن عن سبب ذلك فأجابتني أن التحليق بأجنحتك ممنوع في أرض الواكواك، وحذرتني من جناية أجنحتي. ثم رأيتُ نارا أخرى قصدتها. فإذا هي بنت صغيرة في بيت يحترق وقد تشبثت بشباك نافذة قد صار سفافيد شواء. وإذا بخرطوم يقذف ماءً ضعيفا لا يكاد يصل نصف علو البيت. تجمع الناس في الأسفل احتجاجا على موت الفتاة المجاني، وحين هممت بالنزول أصابتني رشة ماء قوية فحلقت من جديد. وحين نظرت أسفله رأيت صهريجا يفرق جمع المتظاهرين الغاضبين بالمياه، فاستغربت كيف أن صبيب ماء القهر أقوى من صبيب ماء الغوث. ابتعدت عن القرى ودخلت المدن فرأيت جرافات مثل سرعوفات عملاقة شرسة قوية تدوس الحارات الفقيرة وتقضم الحجر والحديد. ورأيت شابا يصرخ في وجه سائق إحداها ويتوعده بالقتل إن لم يتوقف عن هدم بيوت الصبا رغم الصبا البائس الفقير، بينما السائق يقول له بهدوء: “لا تتعب نفسك يا صديقي.. ستقتلني وسيُقبضُ عليك وقبل محاكمتك سيكون هناك سائق غيري يتم الهدم وآخرون يبنون “المُول” وستكتشف أنك قتلت الرجل الخطأ..” التفت الشاب لمئذنة مسجد لبثتْ وحدها شاخصة وسط الركام. سأل السائقَ إن كان المسجدُ سيهدم. سكت السائق. والسكوت علامة الرضى الساخطِ والسَّخَط الراضي. هب الشاب إلى المئذنة. ظننته سيرفع آخر أذان في الحي المُصادر المهدوم. فإذا به يصرخ من فوقها بأعلى صوته: “واكواك يا عباد الله.. واكواك ياعباد الله.. واكواك..” واجتمع عباد الله ينظرون إلى المستغيث بهم وما هم بأقدرَ منه على فعل شيء. صاروا يرددون خلفه: “واكواك .. واكواك.. واكواك..” ولم أشعر أن صرت أصرخ معهم واكواك.. واكواك.. واكواك.. فجاءت دورية استغربت تحول صهيلي وقبضت علي ريثما أرَحَّلُ خارج الحدود. لأنني.. لم يكن يحِقُّ لي أن أحتج وأنا على غير جنسية الواكواك..

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here