رضا نازه: وَسْمُ شجاعة أزرق

رضا نازه

لقيتُ البُودَالي يجُرُّ رجله اليمنى بعناء، وحين سألتُه تحسَّسَ الرجل اليُسرى. كأن ما أصابَه أفقده ذاكرةَ الجهات ومواقع الألم. وتأكد ظني حين عرَّج بي على الغرب ليشرحَ الشرق. قال ساخرا والسخرية دبلوماسية اليأس:

– آه يا صديقي.. لقد وقع لي ما وقع لبطل رواية “وَسْمِ الشجاعة الأحمر”.. هل تذكرها؟

أجبتُ بلا أدري ولا أدري نصفُ الفهم، وتبسمتُ احترازا من مقالبه. فقال:

– حتما قرأتَها لكنك نسيت.. على أيٍّ هي تحكي فصلا من الحرب الأهلية الأمريكية بين الجنوبيين النخاسين مُلاك ضيعات القطن والتبغ وبين الشماليين مُلاك المصانع.. في آخر المطاف هي كانت حربا لتحرير السود من الحقول ثم تمليكهم للمصانع، بِمحض حُريتهم هاته المرة..

تذكرتُ الرواية وكدتُ أدخل مع البودالي في تفاصيل الحرب، لكن الحرب لم تكن قصدَه. كان قصدُه ما وقع لبطلها الشابّ الأمريكي الذي تجند في أحد الجيشين دون تمييز، متعطشا لفروسية أمريكية فحسب يحكيها عنه الراوي. لكن الراوي لم يُفلته. كتب عنه كلَّ شيء. حتى ما لا يُرضي ذكرُه.. حتى بعد التحاقه بالجيش لبث الشاب يغالب تردده ويجتهد لإقناع نفسه وأمِّه كذلك. وأمه المسكينة التي تعرف ابنها كما تعرفُ نفسَها حاولت ثنْيَه عن قراره: “- يا ولدي.. أنت من الطيبين.. لست من الأشداء ولا من الماكرين!” وكان يُكابر:”- بل أنا أشجع من الشجعان.. الشجعان بالفطرة لا يمنعهم داعي الخوف، أما أنا فلي أجران.. أجرُ الخوف وأجرُ مغالبته..”

وكمْ غلبَه الخوف يومها في ساحة القتال وصرعه صرع الجن. كلما حمي الوَطيس، كان المسكين ينسَلُّ إلى الغابات المجاورة. ينجمع على نفسه في ركن مثل قنفذ مذعور، حتى تسكتَ البنادقُ والمدافعُ، ثم يتسللُ عائدا إلى المعسكر يوبخ نفسَه. وليكَفر عن خطيئته حدد لنفسه هدفَ شرف. عاهد نفسه أن يُصاب بجرح. لا بد من جرح يتوشح به. الجرح النازف وسمُ الشجاعة الأحمر. وأخذ يحتال حتى أصابته طلقةٌ غيرُ قاتلة بنيران صديقة في لحظة انسحاب جماعي..

“- وما دخله بك أنت يا صديقي؟

– هل تذكر يوم راج على مواقع التواصل الاجتماعي خبرٌ تداعَى بسببه الغاضبون إلى الشارع كي يعبروا عن غضبهم من المهانة والقهر واليأس. هل تذكر؟ يومَها غالبتُ خوفي ورُهابَ الساحات وهرعت إلى حيث ضرَب المحتجون موعدا.. مع الضرب شخصيا!”

تجمَّع البودالي ومَن معه مطالبين باستقلال القضاء، وبوضع بوصلة للبلد الأمين، وبالكف عن تسيير الشأن العام مثل مقاولة، وبمحاسبة الفاسدين ليموتوا عارا قبل أية عقوبة، لو كان العارُ يقتل! لكن الشرطة عاجلت المحتجين ولم تمهلهم. ورأى البودالي الناسَ فريقين. رأى فريقا من الشعب يرتدي زيا نظاميا موحدا، يضرب فريقا من الشعب يرتدي ثيابا شتى. رأى أصدقاءَه. هذا مسحول على الأرض، وهذا أشج يسيل دمه على جبهته، وهذا مغمى عليه، وذاك مدفوع بالأيدي أو مطارد. رأى فوجا من المكفوفين حاملي الديبلومات التحقوا بالاحتجاج أملا في أن التظاهر سيغير وجه البلد ويرد عليه بصره وبصيرته. لكن الضرب لم يستثنهم. رآهم البودالي يفرون هائمين على وجوههم يحتمون أحيانا بمن يضربهم ظنا أنهم من المارة الرحماء. لكن المارة متفرجون فحسب. والمتفرجون ليسوا رحماء. لا يد لهم في شريط الفيلم. ثم رأى شخصا غريبا قريبا بعيدا أثارته قامته الطويلة الفارعة. رأى ضابطا غاضبا مهددا معتذرا متوعِّدا متوسلا مبررا مزبدا مرغيا صارخا في وجوه المحتجين: ” – تْعَاوْنُوا مْعَنا.. والله ما بْغِينَا نْضْرْبُوكُم، سِيروا فْحَالْكُم، الأمر جَا مْن فُوقْ.. هَذشِّي فُوقْ مْنَّا ومْنْكُم.. انتهى الكلام..”

تبسم البودالي وقال:

“- تأملتُ الضابط فإذا هو رفيقي في جميع أطوار الدراسة.. في الإعدادي والثانوي، وفي كلية الحقوق.. حرتُ هل أقتربُ منه؟ إنه صديق الصبا لكن.. من يضمن لي أنه سيعرفني وهو في حالة تماهٍ مع وظيفته وفناءٍ في شرطيته.. هل يمكن في خضم المظاهرة أن أتقدم إليه فأحدثه عن ملعب الإعدادية الكبير، عن أستاذ الرياضة الذي كان كلما رأى صراعا بين التلاميذ نادى على من يجمع الكُرَات ويضعها في المستودع، ثم يصرخ كلمة واحدة صارمة: “- السكرتيح!!” فيصير واجبا علينا حينها أن نبدأ “السكرتيح” القسري فورا.  علينا أن نركض ونركض كالمجانين حول محيط الملاعب جزاءً على التنازع، ولتنهد فورةُ التنازع. كان أستاذ الرياضة مستبصرا رغم كذلك. دربنا على “السكرتيح..” لعله ينفعنا يوما عند الحاجة إلى الفرار.. رغم ذلك حين حمي الضرب، والضرب احتجاج سلطوي معكوس، لم أشأ أن أستعمل وصفة السكرتيح مباشرة كيلا أُدينَ نفسي بشيء لم أفعله. فضلت أن أنزاح على مهَل ثم أنصرفَ بهدوء. لكن التراجع يُغري بالمطاردة. لم أشعر أن باغتني أحدهم بضربة هراوة مطاطية. أحسست بسرب من الدبابير هجم على خاصرتي ينهشها، ثم بألم فظيع يسري إلى قدمي..”

كشف لي البودالي عن جنبه. أراني وَسْمَ شجاعة أزرق بهراوة صديقة في لحظة انسحاب جماعي..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here