رضا نازه: الفارابي في الكاميرا الخفية

رضا نازه

حسِبَه الحرسُ من خواصِّ الأمير، مِن المأذونِ لهم دون استئذان. حيَّاه أولُهم بإكبار ثم حياه الثاني فالثالث، ثم توالوا يقدمون التحية، مثل صف بطاقات تهاوت تِباعًا. تجاوزهم مثلَ مواطنٍ حر كريم في مدينة فاضلة، يأخذُ المشيَ بقوة. هل كان في زيِّه التركماني وجرابِه الأسطواني سرُّ تلك الهيبة؟ هل كان لصِفرِ معرفتِهم به أو نصفِها أو ثُلثها دخل؟ الناس إمَّا يُعادون ما جهِلوا، أو يعظمونه تعظيماً..

توسَّط باحة القصر. أجال بصرَهُ في سلسلة أقواسها البديعة رأيَ العين. هامسَ نفسَه بكلمات. ثم توقف عند باب المَضافة الرئيسَة وقال للبواب: “قل لسيدك: “أنا” بالباب..” اختفى الحاجب فورا يحمل الضميرَ المنفصلَ في أذنِه، لا يعرف مَن “أنا” ذاك، ولم يجرؤ أن يسأله من “أنت..” وهل يجرؤ أحد أن يقذف بهارَ أنَاهُ في آنية السلطان عبثًا؟ عاد الحاجبُ دون إبطاء. وجدَه شاخصا ببصره إلى إحدى الأسطوانات كأنه يُجري حسابًا ذهنيا..

“- مولاي سيف الدولة ينتظرك.. “

**

ولج القاعة الفسيحة فتلقَّفَهُ ستارٌ من بخور الصندل. انقشع عن منظر سيف الدولة صغير الأبعاد في طرَف الردهة، يحيط به خواصُّه من المتأدبين والشعراء والفقهاء. عند رؤية الوافد الغريب، توقفَ المتنبي عند بيتٍ من قصيدة باتَ الأرقُ يُمليها عليه ليلا ليسحرَ بها وليَّ نعمته نهارا. تبًّا. سيخمد لهيبُ الإلقاء، ويلتهب القلق من أن يكون الواردُ شاعرا منافسا يُنزله عن منزلته. تأمل سيفُ الدولة الرجل الغريب كأنه يراه أول مرة ثم أشار إليه قائلا:

– اقعُدْ..

– حيث أنا؟ أم حيث أنت؟

– حيث أنت..

تخطى الرجل الرقابَ حينها حتى انتهى إلى سرير الأمير فجلس إزاءَه، بعد أن تزحزح قليلا ليوسِّعَ له، ثم باغتهُ بقوله:

– ألم تقل لي حيث أنت.. لا حيث أنا؟

تبسمَ الأمير تبسما مزاجُه غضبٌ وعجَب، بينما المتنبي يرمي الغريبَ بنظرة الطُّمُوح الشزراء. لا يَخفى العبقريُّ على العبقري. خاطبَه بإشارة من عينين صامتتين: “أنفقتُ عمري شعرا لأجل جِلسةٍ مثل هاته.. ” أجابه الغريب بنفس لغة العيون: “يا هذا.. مَن صحَّ زهدُه في الناس صحَّتْ رغبتُهم فيه..”

التفت سيف الدولة لمملوكٍ هناك رهن إشارته وغمغم له بلغة مُشفَّرة: “هذا الوافد قد أساء الأدب، وسأسألُه عن أشياء إن لم يجب عنها، اقتلْه صبرًا..”

فك الجليسُ الغريبُ الشفرةَ وخاطبه بنفس اللغة: “أيها الأمير، صبرًا، الأمور بعواقبها..” اهتز سيف الدولة قائلا: “- أتتكلم السريانية يا رجل؟” أجابه وهو يرمي المتنبي بنظراته: “- نعم.. وسبعَ لغات أخرى، والثامنة لغةُ العيون أيها الأمير.. وليست دوما لغةَ حبٍّ كما يُتوهَّم!”

ودون أن يترك للصمت فراغا، تأمل الريشَ المنتصب فوقَ عِمامةِ سيف الدولة، وزمردةً ضخمة تدلَّت على جبهته وقال:

–  بدل هاته الزمردة الثقيلة يا مولاي، هلا أراحوك مثلَ كسرى شابور؟

ذاهلا بين مفاجأة وأخرى قال الأمير:

– كيف ذاك؟

– كانوا يُعلقون فوق رأسه تاجا من ذهب يتدلى من السقف بخيطٍ شفاف خَفي، فيظهر للوافدين عليه مثل هالة نور من السماء.. لا بد للسلاطين من خيط إلى السماء ولو خيطَ عنكبوت..

تحسَّسَ سيفُ الدولة الحجرَ الكريم فوق جبهته وتبسم، لا يدري أكان ذلك مدحا أم ذما له. بينما عاد المتنبي لإلقاء شعره ليكسر انشغال ممدوحِه عنه. حين فرغ من الإلقاء تبسم مثلَ صياد ماهر لم يُخطئ رمِيَّةً واحدةً. لكن الرجل الغريب كان له رأي في عبقرية الشاعر..

“- البيت كذا بديع، لكن معناه قد وقع في قصيدة فلان، والبيت كذا رفيع لكن معناه قد وقع في قصيدة فلان، والبيت كذا.. والبيت كذا.. “

لبث يحصي للمتنبي اقتباساته من أشعار العرب القديمة، كأنه ثعبان يتلقف حبالَ السحرة. ردَّ أبو الطيب غاضبا:

– ضع ذلك فيما لا تعلم، ولا تدَّعِ الاطلاع على كل شيء..”

– لم أطَّلِع، ولكن طالعتُ.. وأخذتُ حِذْري من رفوفِ الكتب كيلا تسقط عليَّ فتقتلَني كما قتَلتِ الجاحظ!

ضحك سيف الدولة من حُسن تخلصِ الرجل. والتفت ليرى صفوةَ جلسائه غارقين في الصمت، ومنهم من أخذ يكتبُ ما يسمع، وقد كان يعول عليهم في الحِجَاج. قال الغريب مستأذنا:

– هنا أتوقف يا سيدي.. حسبتُ أنك تُعدُّ لي مناظرة، أما وقد تناولوا الأوراق والمحابر فالأمر صار محاضرة.. فليأتوا الحلقة، غدا سألقي فصولا مُنتزعة..

ضحك سيف الدولة ثانية واقترح عليه أكلَ شيء. اعتذر الرجل. والشرب؟ لا داعي. والسماع؟

– هل تسمع شيئا؟

– على الرحب والسعة يا مولاي..

حضرت كوكبة القيان والعازفين، وانطلق عزفٌ يبدو ماتعا، لكن الرجل اصطك له، فأمرهم بالتوقف فورا. أخذ يرتب آلاتِهم، ويصوبُ لهذا عزفَه، ولذاك نقرَه، أمام تعجب الحضور. فقال سيف الدولة:

– حتى الموسيقى يا رجل؟

– نعم أيها الأمير.. ولا أخفيك.. كنتُ أود أن تسمع مني قبل أن تسمع منهم؟

لم ينتظر إذنا. فرصةُ الانصراف سنحت، ولعل وعيدَ القتل حقيقي. تناول جرابَه الأسطواني. أخرج خريطةً نشرها أمامه. أخذ عيداناً وأوتارا فركَّبها قانونا. عزف عزفا دغدغ أسماع الحضور، فصاروا يضحكون كالمجانين. ثم فكك العيدان وركبها تركيباً جديدا. أخذ يعزف حتى بكى مَن في المجلس، كأنما فقدوا عزيزا. ثم فكك العيدان ثم ركبها تركيبا آخر. أخذ يحركها بلطف، حتى ناموا جميعا.. هذا أوانُ الانصراف. وعند الباب التفت منزعجا وهامسَ نفسه من جديد: ” أف.. نسيتُ أن أحدِّث سيف الدولة عن بعض النقائص في معمار قصره.. لا بأس.. سأفاتحه لاحقا..”

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. @سجاد هاشم: المتنبي شاعر عبقري ولا تنال منه الاقتباسات لأن المعاني مطروحة في الطريق والصياغة هي التي تصنع الفرق بين شاعر وشاعر.. وهو لم يكن متسولا بل كان طموحا مفرط الطموح ambitious ليس للمال بل للسلطة وولاية ينالها .. هذا ما لا يملك أحد أن ينكره ولا ينقص من قدره شيئا ولكن كما قيل ambition is the road to perdtion

  2. محاولة اخرى للطعن في المتنبي وتصويره على انه متسول بباب السلاطين , والسبب معروف في الاصرار على تصويب هذه التهمة له دون بقية الشعراء .

  3. ليس لي إلا أن أصفك بسنان الأدب، كاتب انبعث من عصر الفرس والفرسان …كتابتك فرس تعدو بيضبحا نحو زمان الخط الذي كان يحكي ليس فقط حكاية المخطوط بل و أيضا حكاية الخطاط التي تحكيها أنامله وهي ترتعش تارة،ترقص تارة أخرى وأحيانا أخرى تداعب الورق النادر قبل أن تنقش عليه المراد نقله وذالك حسب الموضوع وواضعه والموضوع له ….هاأنا ذا أسبح في عربيتك البائدة العاربة المستعربة حروفها أحجار كريمة كلماتها نجوم وكواكب جملها حبال متينة تشد حروفها وكلماتها وترتبها فتصبح عقدا فريدا لا يتغير لونه من فرط صحةوحقيقة أحجاره ولا يتفكك من فرط متانة حباله…..”هل يمكنني أن أجلس حيث أنت؟ ما أحوجني إلى محاضرة لا مناظرة….

    ـ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here