رضا نازه: السترة الصفراء

رضا نازه

دخل مُصعب غرفته المظلمة وقد استبد به النوم، والنوم سلطان. بدا له زر المصباح بعيد المنال، فزَهَدَ في الإضاءة. وليصلَ مضجعَه استهدى ببياضٍ بدا له ناصعا مستطيلا كصفحةٍ في دفتر موسيقى. الوسادة. ما إن حط رأسَه على مَدرَجِها حتى أحس بخدر لذيذ وإقلاع إلى عوالم النوم. أخذ يغط غطيطا خفيفا مثل بداية ألحان على التقسيم، وشيئا فشيئا صار يمتلئ بتواقيع الشخير. من كان ينصت له من عالم اليقظة يحسب أنه يموه بشخيره الجهير على شيء سيقترفه في حالة تلبسٍ.. بالنوم.

ثم رأى فيما يرى النائم.. رأى نفسَه من جديد يستعد للنوم، لكنْ في حجرة مكتبه في الإدارة. كانت الحجرة قد تحولت إلى مخدع. لم يتعجب حينها. التعجب من أمر اليقظة. تمدد وكان الفراش غيرَ مريح وبدون وسادة. فاضطر للاستلقاء على ظهره. ثم نام. ورأى فيما يرى النائم نوما لجيا بعضُه فوق بعض أو تحت بعض.. رأى نفسه في حجرة المكتب وقد عادت سيرَتها الأولى. مكتبه في مكانه وأمامه مكتب زميلة تدور دوران الخذروف. كأنما جُعِلت معه في نفس الحيز كي تصنع له بتحركها الدائب تيار ريح بارد في عز الصيف. المسكينة تقطع كل يوم مسافة سفر إلى ورزازات جيئةً وذهابا بين الأروقة، تستفزها رسائلُ الكترونية تحمل عبارة ” احضر الآن عندي..”

ثم انفتح الباب ودخل رئيسُه ووضع بين يديه سترة صفراء وورقة عليها تعليمات. تناولها مصعب وهمَّ أن يقرأها، لكن رئيسَه عاجله بالقول: “زيادة على مهامك لقد صرت مكلفا بمهمة.. صرت منقذا من الضلال.. لا أعني كتاب الغزالي.. أقصد أنك ستجنِّبُ زملاءك ضلال الطريق وسط الأروقة والطوابق إن صادف يوما وشبَّ الحريق في البناية..” تعوَّذ مصعب وتعجب. منقذ؟ وسترة صفراء؟ هل يعي رئيسه أبعاد الأمر؟ ألا يخشى أن ينقلب إلى محرض في مثل هذه الظروف الدولية وبهذه السترة الفاقعِ لونُها التي لا تسر الناظرين في بلاد الفِرِنجَة وتوابعِها من البلدان؟

لكن رئيسه أردف بحزم:

“- اليوم لديك تمرين ومحاكاة لأجواء الحريق.. فاستعد..”

هكذا. مجانا. دون وعد ولو شفوي بزيادة أو ترقية. أنتَ وسلامتُك لإدارتك.

**

رنت صفارة الإنذار، وارتدى مصعب السترة الصفراء وهرع بين الأروقة يدل الناس على طريق الفرار. وكان المسكين جادا. لكن الموظفين لم يكونوا مرتاعين ولا مستعجلين. الحريق غير حقيقي، تمرينُه فقط هو الحقيقي. انقادوا له متباطئين مطمئنين طمأنينة أزعجته. لم يندمجوا في الدور مثله. كانوا يتهامسون ويتضاحكون من حاله، وكان هو يقودهم إلى خلاصٍ زائف..

فوجا تلو فوج أخرجهم جميعا، صعودا ونزولا في السلالم الحلزونية، كان فرحا بتلك الطاقة البرزخية التي صارت له في حُلمٍ بعضُه فوق بعض. وتجمع الموظفون خارج المؤسسة ينتظرون نهاية المسرحية. ثم وقف مصعب خلف آخِر فوج يتأملهم متجمهرين هناك في باحة خلفية ويكتشف لأول مرة كثافة البناية السكانية. كانوا غير عابئين. هذا يضاحك هذا. وهذا يمازح تلك. وهذا اغتنم الفرصة ليدخن سيجارة. ومنهم من صار يغدو ويروح يطلق سراح الدوالي. ثم بدا لمصعب أن يغتنم أجواء الحلم وفرصة رفعِ القلمِ عن النائم حتى يفيق، ليحاكي مظاهرات السترات الصفراء دون تبِعَة تأديبية أو جنائية. لم يشعر إلا وهو يصرخ كل المظالم والإحباطات وخيبات الأمل و”الحُكْرَة”.. مفاجأة. كأنه حينها أشعل الحريق فعلا. أخذ الموظفون المتجمهرون ينفضون من حوله كأن صفرة سترته لهيبٌ سيحرقهم. وعوض التفرق أيادي سبأ أو الانطلاق إلى بيوتهم كانوا يلِجُون البناية مستعجلين التواري داخلَها، مثل السجناء حين يُتمُّون حصة التَّشَمُّس..

لبث مصعب وحيدا لا مُسعِف له في صراخه. لم ينقص ذلك من عزيمته. استمر في الاحتجاج ما دام القلم مرفوعا. وراقته حينها سترته الصفراء التي استعرَّ منها في البداية. أغمض عينيه ولبث يردد شعاراتِ الرفض وسط الباحة الفارغة. لم يكن يحس بالغضب. كان يحس بالحزن. حزنٍ شريفٍ لذيذ. الغضب مع السن والمشيب يصير حزنا. وحين فتح عينيه.. يا للمفاجأة. وجد نفسه محاطا بقوم ذوي سترات صفراء. مثله تماما.. اهتز من مكانه واستبشر. لئن خذلك البخيل فالكريم ينصرك. هؤلاء هم القوم لا أولئك القاعدون صباحَ مساء، المشتكون قريبا عِرْق النَّسَا وآلامَ الظهر والمفاصل وتورم الدَّوَالي..

لكن .. لم تنته دهشته حين رأى بين الحاضرين حارس سيارات شرس بذيء اللسان في درب مجاور، كان قد ظنه مات منذ شهور بسقوط نيزك من السماء. يبدو أن السكان قد أنقذوه وعاد إلى الدرب الخلفي يسبهم ويشتمهم كما تعودوا، والعادة طبيعة ثانية. ثم التفت مصعب لآخر ثم آخر. كلهم حراس سيارات في الدروب المحيطة وقد أحاطوا به من كل مكان بستراتهم الصفراء الفاقعة. كانوا صامتين صمتا مُريبا. لا يرددون معه أي شعار ولا يصرخون. تجمعوا حوله وتضامُّوا حتى أدرك أنهم كانوا حاجزا بشريا دون الفرار. وحضرت الدورية فانفضوا من حوله كنثارة حديد جرها مغناطيس من أعلى. عادوا لدروبهم وبقي وحده. لم يجرَّهُ المغناطيس. كأنه من طين..

انغلق عليه باب السيارة فرأى وجوها مكشرة مكفهرة. لم يدر هل كانت سيارة مستشفى أم سيارة شرطة. وصار يهمس لنفسه: “ليته كابوس أفيق منه.. ليته كابوس أفيق منه” ومثل مقعد آلي في طائرة أصابتها قذيفة، طوحت به يقظة من الدرجة الثانية في غرفة مكتبه. ثم أحس بخطوات زملائه قادمين من بيوتهم أو عائدين من محاكاة الحريق، لم يتبين ذلك، فاستحيا أن يروه مستلقيا وقد تركوه للتو خارج البناية محتجا. ثم قذفته يقظة من درجة أولى على فراشه وسط ظلمة غرفته. كان يردد بدل الشخير أبيات شعر جرت على لسانه مثل الطلسم:

ليس في الناس أمان/ ليس للناس أمان/ نصفُهم شرطي../ والنصف مُدانْ..

رضا نازه

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. رائع سيدي رضا. تسلسل أحداث منطقي ويخضع لمعايير النوم والحلم و الواقع المعاش وبقيت غير متناقض مع الحارس الذي اختفى بالنيزك في قصة من قصصك العجيبة الجميلة. لقد اضحكتني واحزنتني في نفس الوقت.مزيد من التألق.وصاحب السترة الصفراء يعيدنا إلى كتاب الله و قصة البقرة الصفراء الفاقع لونها….

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here