رشيد بورقبة: الجزائر: السعيد والحزين …

رشيد بورقبة

من المعروف فان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولو ا ن اسم الرئيس تحول في خضم الأحداث الأخيرة التي تمر بها الجزائر إلى كتلة من المشاعر الحزينة بالنسبة للرئيس المنسحب تحت ضغط الانتفاضة الشعبية فمنهما تتفرع كافة الآلام التي أثرت بشكل مؤلم على بقايا كرامة الرئيس ففي زمن الانتفاضة الشعبية التي تشهدها الجزائر بشعارات مطالبة بتنحيته من سدة الحكم حتى يفتح المجال أمام حتمية التغيير التي لم تستطع كل الأبواق التي ظلت تمارس طقوس الحب الكاذب الانتهازي لبوتفليقة دهرا من الزمن حتى بلغ بها جنون الانتهازية إلى نحر ما تبقى لبوتفليقة من ماض كان من الممكن أن يوفر له قليلا من الاحترام في أخر المطاف و كلنا يعلم أن عبد العزيز بوتفليقة عاد إلى الحكم من مرحلة لو تواصلت دون أن يدجنها بمسيرة حكم كانت عواقبها وخيمة عليه بالدرجة الأولى و هو النرجسي المولع بحب الأنا المضخم من جهة و على ماضيه كوزير للخارجية الجزائرية في زمن يصفه الجميع بأنه الزمن الجميل الذي لن يعود أبدا بالنسبة للدبلوماسية الجزائرية خلال فترة السبعينات من القرن الماضي. أنا اكتب ذلك بالكثير من المرارة ليس حبا في بوتفليقة فهو الذي اختار أن يكون رئيسا للجزائر و كم كافح من اجل بلوغ هذه الغاية حيث ظل سجينا لهواجس هذا الحلم إلى أن حققه عام 1999 بعد أن ظل هذا الحلم يغمر قلبه و وجدانه منذ رحيل الزعيم الهواري بومدين في شتاء 1978 .

شهادات كثيرة عن حالته السيئة لما تم إقصائه من تقلد منصب رئيس الجمهورية  حتى أن نار الإقصاء بقيت ملتهبة بداخله لمدة طويلة ولم يجد من يطفئها ممن كانوا يعتبرون رفاقه في مجلس الثورة الذي استحدثه الكولونيل بومدين أو من أولئك الذين أحبوه زيفا و هو على رأس الدبلوماسية الجزائرية فوفاة بومدين بالنسبة لبوتفليقة تكون قد ألمته كثيرا نظير العلاقة التي كانت تجمع الرجلين طيلة ثلاث عقود أو يزيد  من أيام المنفى الإجباري خلال ثورة التحرير و المجال لا يتسع للحديث عن حلقات هذه الرحلة لأنها لا تعنينا كثيرا في هكذا مقام بل نحن نسعى إلى ترجمة قصة حقيقة موضوعها الرئيسي الغرام السياسي الذي له هو أيضا ضحاياه كما للغرام العاطفي ضحاياه الأكيد أن عبد العزيز حساس جدا عندما يتعلق الأمر بالحكم و السلطة لهما عاش و من اجلهما أفنى عمره بالكامل فلم يكن يخطر على باله أن بحر غرام السياسة عميق جدا و خطير جدا و هو الذي تأثر بهما كثيرا حيث كان يرى حلمه بخلافة بومدين يسقط في الماء أمام عينيه عندما قررت قيادة الجيش آنذاك و على رأسها رئيس المخابرات الراحل قاصدي مرباح اختيار قائد الناحية العسكرية الثانية شاذلي بن جديد خليفة لبومدين فالذي صنع أمجاد الدبلوماسية الجزائرية لعقدين من الزمن بعد الاستقلال وجد حاله بين عشية و ضحاها لا ترتيب له ضمن أولويات قيادة الجيش الوطني في أعقاب رحيل الهواري بومدين و حتى لو أن الواقع لا ينفي أن عبد العزيز بوتفليقة صنع لنفسه اسما دبلوماسيا مرموقا من خلال ما قام به أثناء فترة  حركات الصمود و التصدي و دول عدم الانحياز و هذا هو الايجابي الأكبر من تاريخ بوتفليقة.

ولا ننسى إنصافا للرجل دفاعه عن القضية الفلسطينبة داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة و منحه الفرصة أمام الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي بفضل بوتفليقة آنذاك خطب في العالم من داخل مبنى الأمم المتحدة هذه واحدة من حسنات بوتفليقة في مجال الدبلوماسية و هناك حسنات أخرى لا يمكن أن تغيب عنا رغم الألم الذي يشعر به و هو النرجسي العاطفي الذي بكى وجدانه من الداخل على خواتم أيامه التي جاءت معاكسة لأيامه الأولى في أحضان الحكم و السلطة و هنا انا من اللذين يكرهون الذي يجلسون على الكرسي جلوس الخلود لأنه غدار و لا أمان له نفس الإحساس كان يعبر عنه بوتفليقة في أيامه الأولى جهارا عندما جلس عليه رئيسا على الجزائر في بداية الألفية و كم من مرة خاطبنا منكتا بمقولته الشهيرة ” الكرسي يدوخ ” و ذلك خلال خطاباته الصاخبة حتى داخ فعلا.

نعم ممرات الحكم و دروبه وعرة و لا يمكن التكهن بما سيحدث في نهاية المشوار رغم ما نجد من انجازات الرجل على رأس الدبلوماسية الجزائرية فان ذلك كله انتهى نهاية درامية لم يكن يتوقعها بوتفليقة قد يكون الوصول إلى كرسي الرئاسة بالنسبة له مثل الذي اختار بداية المعركة لكنه لا يتحكم في إنهائها و الثابت أن بوتفليقة بدا متألقا دون أن يستمتع على الأقل بنفحات ماضيه  و كان من الممكن أن يبقى متألقا دون أن يصبح رئيسا لو اكتفى بخروجه الإجباري سنة 1978 حتى لو أن هذا الخروج كان اضطراريا و بقرار من الرجل القوي آنذاك قاصدي مرباح.

لقد طالما أغرى الكرسي بوتفليقة لكنه انتهى إلى ركوب كرسي متحرك يجلس عليه و هو الذي لم  يكن يمل من الحركة الدؤوبة طبعا هذا الأمر ليس جديدا فلقد تكرر عبر التاريخ لكن المعتبرين قلائل للأسف الشديد و ليست غريبة النهاية التي أل إليها مصير بوتفليقة الحزين و لا مثيلتها بالنسبة لشقيقه السعيد و هذا الأخير التقيته في عام 2003 و دار بيننا حديث دو شجون خصوصا و انه يومها كان عرضة لقصف إعلامي موجه من طرف بعض الصحف على غرار الصباح الناطقة بالفرنسية و امام نهمى الإعلامي  نجحت في جره إلى معرفة بعض الجزئيات خصوصا أن رئاسيات 2004 كانت على الأبواب و لا أذيع سرا أنني تناولت معه معركة الرئيس مع قدماء الجنرالات حلال التسعينات و من بينهم نزار و تكرر اللقاء ليلة الاقتراع في أواخر أيام الحملة الانتخابية و أثار معي شخصيا محتوى مجموعة من المقالات صدرت لي بجريدة البلاد الجزائرية بخصوص بعض المواقف و التصريحات لشخصيات وطنية.

واذكر بالتحديد عبد الرحمان مبتول الوزير الأسبق في عهد الشاذلي الذي اعتبر الأغلفة المالية التي دأب على توزيعها الرئيس بوتفليقة خلال زياراته لبعض الولايات بأنها قانونية و غير مخالفة للتشريع لا سيما و أن غريمه الأستاذ على بن فليس المسنود آنذاك من طرف الرجل القوي في المؤسسة العسكرية و قائد الأركان المرحوم محمد العماري و هذا ليس بخاف على احد. علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق و مدير حملة بوتفليقة 1999 و الذي كنت من داعميه في رئاسيات 2014 تصديا للاعوجاج الذي زحف على كل شيء في البلاد و للأسف استفاد منه المخادعون و الخائنون الذين انفضوا اليوم من حول بوتفليقة معلنين التحاقهم بقائد الاركان قايد صالح دعما لموقفه الداعم للحراك الشعبي و في الحقيقة هم هكذا أحبوا بوتفليقة الذي كان يحبه القائد صالح و لما ختار هذا الأخير لدوافع إستراتيجية تغيير اتجاه البوصلة انسحبوا من وليمة بوتفليقة لينضموا إلى وليمة القائد صالح لقد انتهى عبد العزيز بوتفليقة النهاية التي لا يتمناها حتى العدو خاصة لو انه اكتفى بخروجه الإجباري 1978 رغم مرارته أو اكتفى بالخروج و هو رئيس سنة 2008 ربما في هذه الفترة كان يمكن له أن يعانق بريق مصير منديلا و الاحزن أن ينتهي رئيس الدبلوماسية الجزائرية خلال السبعينات حزينا كئيبا عاجزا. يشهد الله أنني لم أتزلف لأحد و منهم السعيد الذي ركع له الجميع من اجل مصالحهم الضيقة و لم اطلب شيئا و قد كان بمقدوري فعل ذلك لكنني انتصرت لمبادئي و أخلاقي التي كانت أول ضحاياها حياتي الخاصة و أنا اردد أموت بجانب مبادئي على أنغام أغنية الفنان اليوناني الشهير “دميس روسوس ” أموت بالقرب من حبي . لست ادري كيف لشخص يساري التوجه أن ينتهي في أحضان الاوليغارشيا التي جاءت على الأخضر و اليابس في البلاد .

إعلامي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أخي رشيد أرشدنا الله وإياكم لقول الحق والصواب،وإن الرئيس السابق بوتفليقة شفاه الله ،دبلوماسي محنك لاغبار على ذلك يشهد له الداني والقاضي بذلك،ومراوغ كبير ،يحسب له في السياسة ألف حساب وحساب،بدايته في السلطة مع زخم ثورة التحرير المجيدة وصوت بومدين المجلجلة ومواقفه الصلبة ،جعلت بوتفليقة يصول ويجول ويقرر وينفذ ويسمع له كممثل لشعب ضحى بأغلى ما يملك ،باهرا الدنيا بتلك التضحيات..حرم بعد وفاة رفيق دربه من تبوأ رأس السلطة فغادر بلا رجعة متأسفا وفي قلبه حرقة..وشأت الأقدار أن يطلب لها فيرفض ثم يطلب لها فيلبي…وسكنه جنون الكرسي ،فأحاط نفسه بأقاربه وحاشية قدسته فأسأت إليه من حيث أردت أن تلمه صورته إلى حد تكريم صورته ومنحها الهدايا …وكل هذا والشعب يتألم،ولا من أحس بألمه المعنوي الحاد،زد على ذلك تغليط المؤولين بأن الشعب كل الشعب مع فخامته،حتى وصلت الجرأة بهم أن يقول أحدهم مع بوتفليقة حي أ وميت ،والآخر قال نموت ونحكم الجزائر من قبورنا،وأخر يقول إنه رسول الى الجزائر وهلم جرا..ضف الى ذلك النهب والسلب والتبذير والتزوير والظلم واللامبالاة..
    وإني أعرف أنك بلا مبالغة ذو مواقف أخي رشيد ضحيت وضحيت ولو كنت انتهازيا لتملت مما تملك غيرك واستفدت…ولكن يفنى كل شيء ويبقى الوقف الرجولي الثابت ،،،،وأعرفك سلت ممن يطبقون الأكل على موائد معاوية أشهى والصلاة وراء الإمام علي كرم الله وجهه أفضل..
    حياك الله وبباك…وزدنا دوما تنويرا بمقالاتك الراقية المنطقية الحكيمة

  2. الجزاءر سعيد بشعبه وتضحياته عبر التاريخ … والجزاءر حزين بالانتهازيين والمفسدين والجشعين والاستغلالين من الجيش من جعلوا من الرءاسة كرسي للعرش ومن جعلوا من أنفسهم ملوك على شعب حزين!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here