رشيد أخريبيش: المغرب: التُهمة الجاهزة…. إهانة مسؤول

رشيد أخريبيش

لم نُفكّر إطلاقاً لماذا نسمع كثيراً في أوطاننا  عن تُهم  تتعلّق بالإهانة، وهذه التُّهم غالباً ما تصدر من طرف كل من  يحمل على عاتقه مسؤولية تدبير أمور شعب ،ولم نُفكّر إطلاقاً لماذا نجد تُهم الإهانة جاهزة في الأوطان العربية وفي دول المغرب الكبير، بينما لا نجدها إطلاقاً في الدّول التي اختارت الدّيمقراطية سبيلاً للحكم وتداول السّلطة.

في أوطان البُؤس هذه انتشرت تُهم الإهانة بصورة مُخيفة  أصبح الكلّ مُلزماً أن لا يتحدّث في أمور السّياسة، ولا أن يُناقش قضاياها، ولا أن يخوض في كيفيّة تدبير أمور الحُكم، ولا في كيفيّة إنفاق المال العام وإلاّ ستوجّه إليه تُهم خطيرة من بينها إهانة مسؤول، التي طالما استعملت من أجل تكميم أفواه المنتقدين وإسكات كلّ الأصوات الحرّة التي تُدافع عن حقوق المواطن وعن كرامته،حتى أصبحت تُهمة الإهانة تُهمة جاهزة تكاد تسمعها في المكاتب و الإدرات والوزارات وفي كلّ الأماكن التي يقصدها المواطن .

قد تسمعها من مسؤول، وقد تسمعها من موظّف، بل قد تسمعها من رجل الأمن الخاص الذي أصبح هو الآخر يستعملها في بعض الأحيان ليُلقي  الفزع في قلوب المواطنين البسطاء ممّن يقصدون بعض الإدارات.

بما أنّ نصف هذه الشّعوب مُغيّب تحت تأثير الجهل، وبما أنه لا يمكن أن يسأل عن حقوقه ولا عن مغتصبيها، فإنّ النّصف الآخر الذي يُزعجهم بالسّؤال عن  الدّيمقراطية و عن حقوق الانسان وعن الحرّية وعن الكرامة وعن العدالة الاجتماعية، فإنّهم  يحيكون له تهمة الإهانة التي بإمكانها أن تُخلّصهم منه ومن صوته المزعج الذي طالما يتعقبهم، لتكون تُهمة الإهانة وسيلة في يد المستبدّين للتّحكم  وممارسة المزيد من الاستبداد .

ما يحدث في أوطاننا التي تُحاكم النّوايا وليس فقط إصدار تُهم الإهانة هو العكس ما يحدث تماماً في الدّول الدّيمقراطية التي تحترم نفسها وتحترم شعبها، فلا وجود لتُهمة اسمها الإهانة، خاصّة إذا تعلّق الأمر بمن يُديرون شؤون البلاد .فمن حقّ المواطنين أن ينتقدوا بلا حدود وبلا أدنى قيود كل من يتولّى المسؤولية، ولا وجود لتُهمة الإهانة ولا للمحاكمات ولا لتلفيق التهم، و من حقّ الجميع أن  يُعبّروا عن آرائهم مهما كانت طريقة التّعبير قاسيّة، مادام أن طُرق التّعبير لم تخرج عن السّلمية .

في الدّول الدّيمقراطية، وفي الدّول التي تضمن حرّية التّعبير قُذف رؤساء الدّول بالطماطم وبالأحذية وبالبيض الفاسد، وما كان من سُلطات هذه الدّول إلا أن أطلقت سراح  جميع من قاموا بالفعل، ولم تعتبر ذلك إهانة ولا جريمة ولا أي شيء آخر، بل اعتبرته من قبيل حرّية التّعبير التي يضمنها القانون وتضمنه المواثيق الدولية.

 في أوطاننا كلّ شيء يسبح ضدّ التيّار السّاسة،المؤسّسات، الأحزاب السّياسية وحتّى القوانين التي نحتكم إليها هي الأخرى لا تخرج عن هذا النّطاق، وهي توضع أصلا  لخدمة أجندات أقليّة بعينها، وغالبا ما تكون هي المسيطرة على البلد وعلى خيراته وسن هذه القوانين يكون على الشّكل الذي يُمكّنهم من إخماد كل صوت وكل رأي حرّ يقف ضد  الطّغيان .

تمنّينا لو أنّنا رأينا تُهمة الإهانة تُوجّه إلى السّاسة عوض البسطاء من أبناء الوطن، وتمنّينا لو أنّ هذه التّهمة حُوكم بها من أفسد  في حقّ الشّعب ومن استعبده ومن تآمر عليه ومن قطع أحلامه ومن خانه. فتُهمة الإهانة ثابتة في حقّ  هؤلاء، ومن الغرابة أن تُوجّه إلى أبناء الوطن الذين لا يملكون لأنفسهم سوى الصُّراخ في وجه الطّغاة من الذين قتلوا أحلامهم وطموحاتهم بأنانيتهم المقيتة .

كل عام وأنتم إلى الكرامة أقرب

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here