رسلان عامر: نصرة فلسطين عربيا واستحقاق الدمقرطة العربية

رسلان عامر

سبعون عاما على النكبة، سبعون عاما من النكبة، والنكبة تتطور وتنمو كما وكيفا وشكلا، وفي هذا الواقع العربي المنكبوب، لا يمكن فصل مهزلة نقل السفارة الأمريكية مؤخرا من تل أبيب إلى القدس لاعن السياق التاريخي ولا عن الواقع الحاضر للنكبة الفلسطينية، وارتباطهما الجذري بالوضع المزري للعالمين العربي والإسلامي.

القضية ليست قضية القدس وحدها ولا تختصر في نقل سفارة، وهي ليست مرهونة بعنجهية أو عدوانية أو رعونة ترامب! وهذه كلها تفاصيل في الحدث، وليست مفاصل، ولا تنتمي إلى صناعة الحدث في أبعاده الأساسية بقدر ما هي استمرارية في إنتاجه، وهذه الاستمرارية تستند على نفس معطيات الواقع المترابطة جذريا معها، الفاعلة فيها والمنفعلة بها.

بالطبع القدس لها رمزيتها العربية والإسلامية، وخصوصيتها التاريخية والروحية، ولكنها مدينة فلسطينية، مثلها مثل بقية المدن التي اغتصبها وهوّدها الصهاينة، والقدس نفسها تخضع لتهويد مبرمج متسمر منذ الاستيلاء التام عليها عام 1968! واليوم يتم التركيز على القدس ..بل وعلى نقل السفارة الأمريكية إليها، وكأن هذا هو جوهر المشكلة!

القدس خط أحمر!

نعم يجب أن تكون القدس خطا أحمرا، ولكن ماذا عن بقية الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة؟ أهي خطوط خضر؟!

وما هي أبعاد هذا الخط الأحمر في القدس نفسها؟!

وهل هو مختصر فقط في موقع السفارة الأمريكية، أما  بقاء القدس تحت الاحتلال ليهوّدها كما يشاء فهذا ليس خطا أحمرا ولا ضير فيه؟!

وهل المشكلة كلها مرتبطة بشخصية ترامب وقراراته، ليكون الشر مقصورا عليه وحده والخير مرتبطا بسواه من الرؤساء الأمريكيين؟!

إن كل ما يجري إن دل على شيء فهو يدل على مدى عقم وسطحية التعامل مع الحدث الفلسطيني على الصعيدين العربي والإسلامي، وعلى غياب إرادة وقدرة الفعل الحقيقي!

وقد مرت أشهر منذ اتخذ ترامب قراره بنقل سفارته إلى القدس، فماذا فعل العرب والمسلمون ردا على ذلك؟!

لم يفعلوا أي شيء يذكر عدا بعض الإجراءات الشكلية من اجتماعات واحتجاجات وزنها على أرض الواقع لا يتعدى الصفر.. وهذا ليس بجديد، فهذا هو حال الموقفين العربي والإسلامي التقليديين من القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي على مر عقود، وخلال هذه العقود لم يطرأ أي تغير جذري على الموقفين الأمريكي والأوروبي الغربي المنحازين تماما إلى إسرائيل!

اليوم العالم العربي غارق في دوامة صراعاته الداخلية، وفيها بالطبع تلعب القوى الإقليمية والعالمية الدور الأساسي، ولكنه دور لا ينفصل عن المبدأ المعروف منذ القدم القائل: “لا يفعل الفاعل إلا ضمن قابلية القابل”!

لم يكن العالم العربي يوما غير غارق في دوامة أزماته المستفحلة، وهذا هو السبب الدائم في غياب أية قدرة عربية على الفعل الحقيقي في القضية الفلسطينية أو أية قضية عربية أو غير عربية أخرى!

 هذا الواقع العربي المأزوم حتى الصميم، والذي تظهر أزمته في واقع تشرذمه إلى عدد كبير من الكيانات السياسية الشديدة البعد عن مستوى الدولة والمجتمع المعاصرين، وهي كيانات متأزمة سياسيا وغارقة في مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية حتى القعر، ومرتهنة لمصالح فئات داخلية طفيلية وانتهازية، وقوى خارجية طامعة مغرضة، ما يجعل مصالحها مختلفة عموما ومتضاربة في العديد من الأحيان!

وما نراه بوضوح على الساحة العربية:

هو واقع اجتماعي وثقافي شديد الترددي، وهو في ذلك يشكل امتدادا متجذر الأزمة لإسلام عصر الانحطاط في أسوأ أشكاله، المملوكي والعثماني، تـُكرس وتـُفاقم أزمته أنظمة سياسية سلطانية فاسدة على كافة الصعد الداخلية، وتابعة بشكل مباشر أو غير مباشر على الصعد الخارجية!

 ولو صنفنا أنظمة الحكم العربي الراهنة فسنجد أنها تندرج في الثلاثية التالية:

  • أنظمة متأسلمة تحكم شكليا بالشرع الإسلامي لكنها أبعد ما تكون عن الإسلام في تبعيتها للغرب الرأسمالي وسياستها الفعلية المنافية للعصرية والهادرة لحقوق شعوبها المعنوية والمادية!

  • أنظمة وطنجية أو قومجية، ترفع عاليا شعارات الوطنية والعروبة لتغطي بذلك على استفحال ديكتاتوريتها وفسادها وارتهانها لقوى خارجية لا تخلف بمواقفها المغرضة عن الغرب الأطلسي!

  • أنظمة لا تتبنى منهجا إسلاميا أو عروبيا محددا، ولكنها لا تختلف في واقع حالها بتاتا عن النموذجين السابقين في سياساتها الفاسدة المفسدة ضد شعوبها وأوطانها، وفي تبعيتها وارتهانها للمصالح الخارجية!

وفي مثل هذا الواقع لا يـُنتظر أبدا أي تحرك حقيقي قادر على التغيير في المواقف والتأثير فيها، وما نراه من أصحاب القرار الرسمي عربيا، هو انبطاح كامل أمام إسرائيل، وهو لم يعد يقتصر فقط على التخلي عن الفلسطينيين في صراعهم معها، بل تعدى عند بعضهم ذلك إلى الاصطفاف خلف إسرائيل في صراعها معهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، من التنسيق بين إسرائيل وبعض الأنظمة المجاورة لضرب الفلسطينيين، إلى تقديم هذه الأنظمة نفسها فروض الطاعة في الأيام الأخيرة لأسيادها الصهاينة ومشاركتهم بكل صفاقة في الاحتفالات بالذكرى السبعين لقيام كيانهم السرطاني الغاصب لفلسطين، بالترافق مع نقل عرابته أمريكا لسفارتها إلى القدس عروس العروبة والإسلام على المستوى الرمزي!

في الإعلام العربي الذي ما يزال غالبا إعلاما رسميا تابعا للأنظمة العربية المتسلطنة، تـُصور إسرائيل ومن خلفها اليهودية السياسية العالمية، وكأنهما أخطبوط عالمي يسيطر على الغربين الأوروبي والأمريكي ويتحكم بهما ويهيمن بواسطتهما على العالم!

هذه سياسية إعلامية مغرضة ينتهجها السلاطين العرب عموما لأنها تخدمهم وتخدم أسيادهم الغربيين المتصهينين، فهي تخدمهم لأنها تبرر عجزهم أو تخاذلهم عن اتخاذ الموقف القومي والديني الواجب في دعم إخوتهم الفلسطينيين في العروبة والإسلام، وكأنهم بذلك يريدون القول لشعوبهم: (“رحم الله امرءا عرف حده فوقف عنده!”، ونحن كحكام عرب نقف عند حدنا عارفين أنه لا قبل لنا بمواجهة مثل هذا العدو ذي القوة العظمى!)، وهذه كلمة حق باطلة المقصد، وهي وفقا لتصورهم غطاء مناسب لتغطية تبعيتهم التواطئية للغرب المتواطئ مع إسرائيل، الذي من مصلحته هو الآخر ترويج مثل هذه الدعاية، لأنها من ناحية تبرر انحيازه التام لإسرائيل واحتضانه لها، فهي تظهره بمظهر المغلوب على أمره في هذا الشأن، ومن ناحية أخرى لأنها شكل من أشكال الحرب النفسية المحبطة لكل من يسعى من العرب للتصدي لإسرائيل!

حقيقةً إسرائيل واليهودية العالمية الواقفة خلفها هما قوة كبيرة بحد ذاتها، ولكنها قطعا ليست من القوة بحيث تهيمن على الغربين الأمريكي والأوروبي! وهي تبدو بهذه القوة بسبب قدرتها على التأثير في المواقف الغربية من الصراع العربي الإسرائيلي، وجعلها هذه الموافق موالية تماما لها!

فما هي الحقيقة في الكواليس وراء هذا المشهد؟!

لو رجعنا تاريخيا إلى نشأة إسرائيل نفسها، فسنجد أنها نشأت بفعل أوروبي غربي استعماري، أنشأها واحتضنها وقوّاها لتكون الضامن لمصلحته في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وبعد الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من نتائج على الساحة العالمية، انتقلت حضانة إسرائيل إلى أمريكا، التي أصبحت نواة الغرب الرأسمالي ومركز ثقله الضارب.

وحتى اليوم لم يتغير الموقف الغربي من إسرائيل فما السر في ذلك؟

هذا يمكن تفسيره بما يلي:

  • ما تزال أمريكا حتى اليوم ترى في إسرائيل ضامنا أساسيا لمصلحتها في الشرق الأوسط، وترى فيها ولاية متقدمة من ولاياتها في هذه المنطقة ذات الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية، ووجود إسرائيل كدولة مستقلة شكليا يعفي أمريكا داخليا وخارجيا من مسؤولية وتبعات اتخاذ القرار الأمريكي والقيام بالفعل الأمريكي المباشر، عندما يتم ذلك عن طريق إسرائيل بصفتها دولة مستقلة! وبما أن أوروبا الغربية ما تزال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدور في الفلك الأمريكي، فهي حتى الآن غير قادرة على اتخاذ سياسة مخالفة إزاء إسرائيل!

  • بعد قيامها كأداة لضمان مصالح الغرب الأوروبي بشكل خاص، تحولت إسرائيل نفسها إلى واقع قائم بحد ذاته وله ارتباطاته ومكانته في شبكة العلاقات والمصالح الغربية بشكل عام، وبحكم مكانتها كعضو في هذه الشبكة من ناحية، وبحكم العجز التام للخصم العربي عن اتخاذ أي موقف حقيقي سلبي التأثير على المصالح الأوربية، فمن مصلحة أوروبا الوقوف مع إسرائيل بصفتها شريكة في المنظومة الأطلسية، وبصفتها الطرف الأقوى في الصراع العربي الإسرائيلي، لاسيما وأن هذا الموقف فعليا لا يكلف الأوروبيين شيئا على الساحة العربية.

  • عدا عن غياب الموقف العربي على الساحة الدولية، فهو غائب أيضا على الساحات الداخلية للدول الغربية، فيما تنشط فيها اللوبيات اليهودية ذات الثقل المالي والعلائقي والنفوذي المرتبط بذلك، مما يجعلها الطرف المنفرد بالتأثير في ما يتعلق بصراعها مع العرب، ومع غياب أية منافسة عربية، فمن مصلحة القوى النافذة الأخرى في الغرب التعاون مع هذه اللوبيات واتخاذ الموقف الذي تطلبه منها من العرب.

  • الانحياز الغربي لإسرائيل لا يؤثر سلبا على مصالح القوى العالمية الأخرى، كما أن نشاط اللوبيات اليهودية ليس له أية خصوصية على الصعيد العالمي، وليس له أي انعكاس على مصالح القوى العالمية، وهو مرهون حصريا بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، لذا لا يتعرض الغربيين لأي ضغط دولي بسبب موقفهم المؤيد لإسرائيل!

وخلاصة يمكن القول أنه أمام الغياب التام تقريبا للعرب والمسلمين عن ميادين الفعل والتأثير المرتبطة بالقضية الفلسطينية – وأية قضية هامة أخرى- على المستويين الغربي والدولي، تتفرد إسرائيل بدفع الغرب للتحالف معها تحالفا يجده الغرب مفيدا طالما أن ردة الفعل غائبة عربيا وإسلاميا، وأمام هذا الغياب للطرف العربي في هذا النزاع، يكفي الخصم الإسرائيلي أن يكون لديه بعض القوة لدفع بقية الأطراف الغربية للوقوف إلى جانبه، ولو كان هناك قوة عربية أو إسلامية حقيقية لاختلفت المواقف جذريا، ولتخلى الكثيرون من أنصار إسرائيل الغربيين عنها ومن بينهم العديد من اليهود أنفسهم، وليس من المستبعد حتى أن ينتقل قسم من هؤلاء إلى دعم العرب.

القضية كلها قضية قوى ومصالح، وعندما يصبح العرب والمسلمون قوة تؤثر على المصالح، فمواقفهم ستأتي بنتائج حقيقية، وستؤثر بقوة على مواقف الآخرين، لكن بما أنهم هم أنفسهم غائبون فليس من المنتظر أن يسد غيرهم فراغهم وأن يعمل لصالحهم نيابة عنهم!

هناك كمون قوة كبير على الصعيد العربي وحده، ولو انتقل هذا الكمون إلى مجال الفعل فسيكون كافيا لتغيير موازين القوى! لكن هذا الانتقال مستحيل بدون التغيير الجذري في بنى الواقع العربي، وبناء الدول والمجتمعات الديمقراطية الحديثة، وبالتالي فالواجب العربي تجاه القضية الفلسطينية لا ينفصل بتاتا عن استحقاق الدولة الوطنية الديمقراطية، فهي وحدها القادرة على تفعيل الطاقات العربية، والتعبير عن إرادات شعوبها، وانتهاج السياسات الوطنية والقومية السليمة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here