د. سلمان محمد سلمان: ردا على مقالة الدكتور غندور مدير مركز الحوار العربي بعنوان “أحجّية السياسة الخارجية لترامب”

 

د. سلمان محمد سلمان

يثير السيد صبحي غندور أسئلة أكثر من أجوبة، والأسئلة أحيانا حائرة، ولا يبدو أن هناك نظرية لديه لتفسير ما يحصل.

حسب رأيي، فتناقضات ترامب تعكس صراعه الحقيقي مع الكونغرس واللوبي الصهيوني، وكلاهما يصب بنفس الاتجاه. إذا قرأنا استراتيجيته حسب برنامجه الانتخابي فهي تتلخص في اعادة البناء الاقتصادي والعسكري، والانسحاب من الحروب العبثية في الشرق المتوسط، وايجاد حل لكوريا، وتفاهم استراتيجي مع روسيا والصين، وتقييد للاتحاد الاوروبي، وتحفظ على الناتو. يقابلها برامج تنطلق من خلفية معاكسة وتشمل التصعيد ضد إيران والانسحاب من الاتفاق النووي، وتسريع الاعتراف بالقدس الغربية عاصمة لاسرائيل، وبضم الجولان. وهذا ما يصنع الارباك لكثير المحللين كما اعتقد.

لكن أسئلة جوهرية تظل تنتظر الإجابة. لماذا الإصرار من اللوبي الصهيوني العالمي، والعولمة، والكونغرس، وكل من يسير بصفهم على محاربة ترامب رغم كل سياساته الأولى الايجابية نحو سلام وازدهار عالمي، فوق تقديمه آيات الدعم لآسرائيل.

ربمااعتقد ترامب أنه سيرضي اسرائيل واليهود بالجزء الثاني ليتركوه ينفذ برنامجه في الجزء الأول. كأنه اراد تحقيق صفقة القرن معهم أن يتركوه يحكم أميركا مقابل تركه كل ما يتعلق باسرائيل لهم. لكنهم لا يكتفون ولا يقبلون بذلك والسبب بسيط، فالجزء الأول يهدم تيار العولمة الرأسمالية التي يسيطر عليه اليهود، وفقدانهم لذلك لا تعوضه تصريحات ومواقف يعتبرونها فاضية من اعترافات بالقدس وضم الجولان، او حتى التصعيد السياسي والاقتصادي دون الحرب ضد ايران.

اعتبروها صفقة مرفوضة، لذلك استمرت حروب الاتهامات له والتهديد بعزلة مستمرة حتى يتراجع. وقد توقعوا بعد تعيين بولتون أنه سيتبني سياسة تناسبهم من برنامج الجزء الأول، ويتراجع عن استهداف العولمة، فوق نعومته مع اسرائيل. لكنه فرغ مشروع التصعيد ضد فنزويلا من محتواه وخذل كل قوى العولمة، وافشل أي تصعيد حقيقي محتمل ضد ايران بعد ضرب ارامكو، فصعدوا عليه من جديد حين بدأ هجومه بطرد بولتون، ومطالبة رئيس اوكرانيا بالتحقيق في فساد نظام بلده في التعامل مع انتخابات 2016 ودور بايدن في توفير فرص عمل مميزة لابنه مع طرد سفراء معتمدين بناء على طلبه. بدأ الهجوم الكبير بالعمل على عزلة بمسوغات تافهة مملوءة بالضجيج وتزايد أصوات المنضوين ضده من حزبه.

في غمرة مقاومته للهجوم الجديد أعلن خطة الانسحاب من سوريا  التي يرغب بها منذ زمن طويل، مع تحذير تركيا بعدم التورط في حرب مؤذية، ومؤشرات تنسيق كاف مع روسيا.  اعتبرت القوى الصهيونية والكونغرس ذلك ضربا من التحدي يتجاوز خطوطهم الحمراء مرتين، حين سمح لنفسه بالطلب من  رئيس أوكرانيا اليهودي السير في ركبه ضد مرشح من طرفهم لا يتمسكون به فعلا، واتخاذه قرار الانسحاب من سوريا دون استشارتهم والذي تراجع عنه سابقا تحت ضغوطهم.

تدور الآن معركة حامية لعزله، وصدر قرار من النواب بنسبة كبيرة جدا بإدانة مشروعه في سوريا بامل أن يتراجع. لا يمكن تفسير الحال الا بالنظرية التي أحاول سرد أسسها.

ترامب له استراتيجية تتعارض جوهريا مع مشروع اليهود العالمي في السيطرة من خلال نظام العولمة، وهو اعتقد أن ذلك يتطلب علاقة جيدة مع بوتين القومي الروسي المتميز والصين بلد المال والقومية. وقد نفض يده من اوروبا الخاوية والمستكينة تحت نير العولمة، واعتبر نجاحه في ذلك، الهدف الاستراتيجي لادارته. مقابل ذلك سوف يعطي اليهود الكثير من حلو الكلام والدعم السياسي لكن دون التنازل عن الاستراتيجية الأساس.

وقد عمل رغم تعطيل الكونغرس له على الحفاظ على علاقة جيدة مع روسيا، وعلاقات معقولة مع الصين، وبجهد كبير استطاع كسب آسيا بمعظمها، وحقق اختراقا في الشرق المتوسط من خلال تأمين دعم مناسب من دول الخليج ومصر تم فيه تصفية كل الشخصيات المحتملة الولاء لتيار العولمة، وأعلن حربا على الإخوان الذين يعتبرهم الحليف الأكبر للديموقراطيين. طبعا ترامب مستعد لتقديم تنازلات حقيقية لليهود مقابل تحقيق استراتيجيته لكنه يكتشف استحالة ذلك.

ترامب الان على مفترق طرق: التحدي ومزيدا من التحدي والارتكان على الجيش واللوبيات الموجودة مثل نادي السلاح وأرباب كثير من الصناعت ونادي المتقاعدين، مع رجحان الاقتصاد والموقف الدولي لصالحه ضد تيار العولمة. لكنه بذلك يغامر بمواجهة تكتل الحزبين ضده حتى اسقاطه، وحين ذلك لا يمكنه البقاء إلا بدعم الجيش وقطاع كبير من الشعب أو ما يصفه بالحرب الأهلية. البديل الاستسلام وحينها سيسقط ايضا لأن كل مشاريعه العالمية ستنهار، وستتوحد روسيا والصين ضد أميركا التي ستخسر كثيرا في هذه المواجهة مزيدا من تحكم تيار العولمة بها، مع عدم قدرة على حسم الصراع مع هاتين الدولتين، مما يمكن أن ينتج انهيارها الاقتصادي. خيارات صعبه، ولا يبدو ان هناك ما يكفي ممن يتفهم وضعه. فهل هناك قوى حاسمة تحميه من داحل أميركا. لدراسة تفصيلية يمكن الرجوع الى

https://www.linkedin.com/pulse/nationalism-vs-globalism-trump-moves-salman-m-salman/

– استاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – فلسطين

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. دكتور سلمان تحية طيبة
    ان معجب بما كتبت يا دكتور وكل ما تفضلت به كان تحليلا دقيقا لما يقوم به الريس ترمب، كذلك ماتفضل به الدكتور غندور كان
    صادقا ايضا وذلك لان كل المحاولات هي اجتهادات شخصية بالنسبة لي يادكتور ( وهي اجتهادات ايضا) الحكم باميركا
    كصندوق البندورا وهو الصندوق الملىء بالمفاجآت الذي لأتعرف مابه الا عند فتحه وذلك ان الحكم في اميركا هو صراع
    من القوى الرئيسة في اميركا ولقد ذكرت ذلك للدكتور غندور في احد تعليقاتي على مقاله له، فالنخبة الحاكمة تتكون من
    اصحاب روس الأموالالكليات العسكرية و الرموز الدينية وكذلك مدراء الجامعات النخبة وكذلك المؤسسات العنصرية
    البيضاء وأيضا اللوبيات ولذا الصراع سيظل الى امد طويل ما بين الكونجرس ، والبنتاجون والمخابرات المركزية
    والبيت الأبيض وحتى ضد الريسشخصيا، على ان الكل يعمل باجندة خاصة به على الا تتعارض مع المؤسسات
    الاخرى كذلك يجب الا ننسى ان امريكا ليس لديها سياسة محددة طويلة الأمد انما هناك ردود افعال سياسية وهذا
    مايميز اميركا وسياستها عن السياسات
    الأخرى حول العالم
    وشكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here