رحلة إلى البقاء.. سيرة لم تكتب للمفكر عزيز السيد جاسم

 

بغداد – حمدي العطار:

اهدى لي الصديق “علي عزيز السيد جاسم” كتابا وفاءا لوالده “المفكر عزيز السيد جاسم” وقد اختار له عنوان مثير (رحلة إلى البقاء) يعرض الكتاب رحلة “عزيز” الفكرية والادبية والسياسية والذي يتقاسمه اكثر من 50 كاتب واديب ومفكر عملوا مع الراحل وتعرفوا عليه وعلى ابداعاته، بعضهم كان جدا قريب من معاناة الراحل مع السلطة والنظام مثل شقيقه د. محسن الموسوي، كما أن نجله الذي يذوب حبا ووفاء لوالده ويحمل قضيته دائما من أجل (الخلود والبقاء) انها فعلا (رحلة) يعيشها القارئ مع فكر عزيز السيد جاسم من زوايا متنوعة ومختلفة، وقد يشترك الجميع بالثناء لموهبة هذا الكاتب المتنوع بين السياسة والأدب والفكر، يقدم نجل الكاتب هذا الجهد والاصدار هدية (لكل من كتب وساعد واسهم في هذا الكتاب) ويعترف بصعوبة الإحاطة الكاملة لارث والده (ليس من السهل الإلمام بمكنون وابعاد شخصية مبدعة موسوعة غنية بمشارب الفكر والفلسفة) ص11 ، كما يشير د. أحمد عبد المجيد بصعوبة توثيق نتاج المفكر عزيز السيد جاسم “ان من المتعذر على فرد ان ينجح في جمع هذا النتاج البارز وتوثيق هذا الكم الهائل من العطاء المتنوع و المتوزع.. ولو ان مؤرشفا او خبيرا في مجال متابعة المؤلفات، كرس حياته او كثيرا من وقته لرصدها لتعذر عليه أن يحصي او يوثق جميع مفرداتها ووقائعها المشحونة” ص17 ، وتحدث المفكر عبد الحسين شعبان عن (الاختفاء السري) لعزيز السيد جاسم، وعد المغيب” جمع العديد من المتناقضات المحبوبة في تجاوز عجيب احيانا فيه، فهو شخصية جدلية إشكالية، مشاغب ومشاكس. حتى وان كان عقلاني وتنويريا. هو نوع من المثقف الذي يمتاز بالتماهي مع اللحظة الحرة.، ولا يمكن الحديث عن جانب واحد منه، أو اختار له إلى فرع من فروع المعرفة، ففي كل ميدان خاض فيه عزيز السيد جاسم كان في رياديا، انه مجموع في واحد، قد مثل دور البطل، مثلما كان يميل إلى لعب دور الضحية “ص 21 ، اما المفكر حسن العلوي فقد كتب عنه قائلا” قتل عزيز السيد جاسم وهو لم يكن متامرا ولا حامل سلاح ولم يكن صاحب عمل سرى في منظمة سرية بل قتل في وضح النهار لأنه كان يكتب اراءه في وضح النهار ولم يكن متسترا بسواد الليل كان ممكن ان يضيف للثقافة العربية والعراقية شيئا افتقدناه” ص 23 ، يقول نجله علي عن والده”َكان بإمكانه أن يتنعم بخيرات السلطات وهباتها وحاشياته، لكنه كان سلطة بحد ذاته، سلطة المثقف الإنسان الذي يعتد بنفسه وبانسانيته وكبريائه، فقرر اختيار مصيره المكتوم بنفسه عندما قرر مواجهة السلطات وسيتضح ذلك من خلال الكتاب عبر تتبع سيرة حياته الممتدة على طول خمسين عاما فقط (1941-1991) حيث اعتقل ست مرات”ص15 . في جميع مراحل الحكم” وصولا الى تغييب جسده الطاهر في ١٥ نيسان من عام ١٩٩١ بعد رفضه طلب الرئاسة بالكتابة عن أصول اهل الجنوب العراق والاساءة لهم ووصفهم بوصف غير حقيقي وغير لائق “كان عزيز السيد جاسم يمتلا قلبه بشيء كثير، مشحون بالعاطفة الصوفية، كان عنده الهزيمة خير من الاستسلام.

سيرة لم تكتب

في كتاب (رحلة إلى البقاء) للكاتب “علي عزيز السيد جاسم”الصادر عن بيت المتنبي – بالتعاون مع مركز عزيز السيد جاسم والذي يقع في 408 صفحة من الحجم الكبيرويحتوي على خمسة فصول ،تبدو لي مساهمة نجله وشقيقيه (علي ود. محسن الموسوي ود. عباس السيد جاسم) هي التي تمثل (المرثية) التي تخص الراحل عزيز السيد جاسم، وتوقفت كثيرا أمام (المرافعة القاسية) لشقيق الراحل (د. محسن الموسوي) وهو الذي كان من المقربين للراحل كما أنه قد توقف معه بسبب كتاب أصدره عزيز السيد جاسم عام 1988 (علي بن أبي طالب سلطة الحق) وفي عنوان يعاتب فيه محسن نفسه عن (سيرة لم تكتب) كما يضاف اليها ما كتبه شقيقه الثاني د. (عباس) بعنوان “موقف انساني في عالم متهالك ” كانت لنا هذه التأملات الفكرية.

*قارئ الطالع

تنبأ اكثر من شخص بمستقبل عزيز السيد جاسم “منذ سنوات الطفولة اظهر الطفل ميلا غير مألوف للمطالعة والمناقشة والتحري ما حدا بشيخ المدينة مرتضى الوائلي وكريم الحاج نصار احد ثقاة مدينة النصر ان يقولا ان لعزيز مستقبلا زاهرا واباء فريدا”ص74 ويقول د. محسن “غاب ولم تره العلوية كما تسمى والدتي لنسبها الى آل البيت التي عرفت ان مثل  هذا المصير ينتظره..قالت أخشى ما قاله هذا الكشاف (قارئ الطالع) ..الذي قال ان ابنها البكر سيغيب ويغيب عنها، وذلك ما حصل، قتل مظلوما “ص31

*محاولة انتحار

ان عزيز السيد جاسم انسان ليس من السهل على الحكومات استيعابه، وقضية استهدافه كان يحضر لها منذ استهدف صدام اليسار المتمثل بالشيوعيين ورفاقه البعثين وفي مقدمتهم (عبد الخالق السامرائي) المقرب الى عزيز السيد جاسم،!” كان التعاطف الروحي والثقافي بينه وبين عبد الخالق السامرائي قد أعطاه نوعا من الطمأنينة النفسية إلى أن الابداع الثقافي ممكن في ظروف ما بعد 1968 مباشرة” ص75

 وعندما الف الراحل كتاب عن النبي محمد (محمد الحقيقة العظمى) غضب صدام الذي اخبر حسن العامري ولطيف نصيف جاسم بأن عزيز ” يكتب عن محمد ولم يكتب عني، إلا أن غضبه إشتد أكثر حين اصدر عزيز كتاب” علي سلطة الحق” فأمر بأعتقاله ووضع شقيقه الدكتور محسن الموسوي في السجن معه”ص79 ،، عزيز يؤمن بأستقلالية المثقف ولا يستسيغ ترديد الأفكار المبتذلة الجاهزة أو استخدام التأكيدات المتخلفة، يقول محسن الموسوي “طلبت مديرية الامن من عزيز ان يكتب عن بقية الخلفاء الراشدين ،وكأن صاحب الاقتراح يريد ان يقول انه ميز الامام علي عن غيره، كانت تلك نظرة قاصرة، ومليئة بالاحتقان الطائفي: فأبو خولة (عزيز) يكتب عن حالات جوهرية، عن اناس لهم دور في عمق التاريخ وليس عن الصحابة والخلفاء”ص43 .وعن محاولة انتحار عزيز السيد جاسم وهو معتقل في الامن مع شقيقه محسن الموسوي عام 1988 بتعاطيه جميع الحبوب التي يأتيه بها الطبيب يوميا كمسكنات “

*السياسة في كل مكان

لا يمكن لمفكر مثل عزيز السيد جاسم ان يكون بمنأى عن السياسة لأنها في كل مكان ، في العراق هناك الكثير من الشعراء والروائيين والقاصين لكن الندرة هي في المفكرين، وللمثقف المفكر مسؤولية مضاعفة ، ويجب ان يتقن التوازن بين المشاكل الفردية الذاتية ومتطلبات العمل المهني من النشر والكتابة،”عاش عزيز وضعا قاسيا فهو يأبى أن يكتب شيئا لا يؤمن به وفي نفس الوقت كان يعطف على شقيقه المنهار نفسيا وجسديا… وقد أخبرني أن معظم مواد كتاب “صدام عملاق في الرافدين” وضعت من قبل خبراء في رئاسة الجمهورية والمخابرات، أما الكتب الثلاثة عن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان فقد قامت لجنة خاصة بإضافة وحذف مواد من دون موافقته “ص79

  • المثقف النقي

كان عزيز السيد جاسم محسوب على عبد الخالق السامرائي ،وعند اعتقال عبد الخالق “أمر صدام أن ينتمي عزيز للحزب الحاكم…اعتبر عزيز هذا الأمر إهانة وعملية يراد منها إذلاله لإنهاء دور المثقف الحر فرفض الأمر. ” ص78 بعدها تم اقناعه من قبل نعيم حداد وحسن العامري أخبرا عزيز “إن الغرض الحقيقي لصدام هو تصفيتك” فلا تعطه الفرصة وتم الاتفاق على الإنضمام لتنظيم مكتب الإعلام لفترة،ومن ثم الاعتذار لأسباب طبية!

  • المنجز الادبي والفلسفي والثقافي

بعد ان كان الفصل الاول يختص بالحديث عن عزيز السيد جاسم الانسان والسياسي  والمثقف النقي وكانت اغلب المساهمات من شخصيات عملت او عاشت مع الراحل، يأتي الفصل الثاني ليكون حول (دراسات وقراءات في إبداع وأدب عزيز السيد جاسم) وهنا ضم هذا الفصل دراسات نقاد من تونس ( شكري المبخوت ود . منجي الرداد )ومن البحرين( عبد الله خليفة) ومجموعة من النقاد العراقيين،كما جاء الفصل الثالث حول ابداع عزيز في المجال الفكري والمعرفي،وتضمن الفصل الرابع دراسات حول اسلوب عزيز السيد جاسم بينما جاء الفصل الخامس حول فلسفة الحرية والثقافة عند عزيز السيد جاسم.

الخاتمة

كان عزيز السيد جاسم يؤمن بإن المثقف قادر على الاختيار،لم يحتويه اي حزب مهما كانت تقدميته لأن الاحزاب فيها الاطر التي تعيق التحليق في فضاء الحرية والابداع!انه السعادة التي كان يبحث عنها عزيز السيد جاسم ليس المال او الجاه والشهرة بل حسن الاستكشاف والوصول الى الحقيقة ،كان العراق هاجسه وتجلى ذلك على لسان احد ابطاله في رواية “المفتون” وهي محصلة أخرى لذهنية عزيز السيد جاسم “خلال 1969-1970، اكتمل امره في الثمانينات: وبرزت الصمنية على اشدها. وتخلى الناس عن السياسة، واستقالوا إن تمكنوا من ذلك. ولكن، كما تنذر الصفحة الأخيرة من الرواية،لا مفر، فالمعتزل مصيره الاعتقال ايضا”ص194 .

كان عزيز السيد جاسم غير قادر على الصمت والمهدانة بينما العراق يسير نهو الهاوية ويتبنى النظام مفاهيم مغلوطة وتصورات خاطئة السكوت عنها تعني المشاركة فيها ، وهذا ما عبر عنه النافد علي حسن الفواز في مساهماته بالكتاب “انها محنة المثقف العراقي واغتراباته المعقدة ازاء أزمات الايديولوجيا والسياسة والحرب والخوف والحرية والغياب….. رحلة السيد الثقافية وسيرته ترتبطان بهواجس هذا العقل وأزماته في منعطفات الزمن السياسي العراقي، تجاذباته واسئلته، أذ بدت هذه الرحلة اشبه بنص سردي حاو لسيرته، تلك التي تشبه سيرة المغامرين الاسطوريين،سيرة في المكان الجنوبي، سيرة في المدينة”ص195

كلمة اخيرة لصديقنا “علي” نجل عزيز السيد جاسم لو كل الابناء يفعلون ما تفعله تجاه  الراحل  (ابيك) من اخلاص واهتمام وجهد كبير لتجعله يستمر في ذاكرة الاجيال والاوساط الثقافية لكان احساس كل أب وهو يموت شعوره بالرضا والراحة الابدية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here