الدكتور حميد بن عطية: رجال يصنعون التاريخ وآخرون يجترون أحداثه.. أذان آيا صوفيا إنطلاقة لتجسيد رؤية سنة 2023

الدكتور حميد بن عطية

يوم دك السلطان محمد الفاتح بن مراد الثاني ذو 21 ربيعا أخر معاقل الامبراطورية البيزنطية أو كما يُطلق عليهم بالروم الشرقيين و دخل عاصمتهم  القسطنطينية فاتحا بعد حصار دام من الخامس من شهر أفريل /نيسان إلى 29 مايو / أيّار سنة 1453 ، رأى المسلمون في هذا النصر الكبير صدقا لنبوءة الرسول محمد صلّى الله عليه فيما اعتبرتها الكنيسة بشقيها الكاثولوكي والأرتذوكسي نكسة كبيرة وسقوط  أخر جدار مانع لصد زحف الجيش العثماني على الأراضي الأوربية.

ومن بين ما قام به السلطان محمد الفاتح عند استتباب الوضع بالقسطنطينة شراءه من عند رهبان المدينة كنسية آيا صوفيا وجعلها حبسا اسلاميا ليُحولها إلى مسجد وبقى حالها على ذلك حتى سقوط الخلافة الاسلامية فعليا سنة 1924 وتولي مصطفى كمال أتاتورك زمام تركية الجديدة و كعربون لانسايته و تسامحه الانساني جعل أتاتورك من المسجد متحفا و أهداه للانسانية سنة 1935.

بتاريخ العاشر من شهر جويلية /يوليو 2020 أصدرت المحكمة الادرارية التركية العليا قرارا يقضي ببطلان قرار مصطفى كمال أتاتورك و اعادة آيا صوفيا مسجدا للعبادة مفتوحا لكل الانسانية، قرار المحكمة الذي أمضاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتبره الأتراك نصرا جديدا لتركيا و المسلمين قاطبة فيما أثار القرار حفيظة الغرب بصفة عامة من أمريكا التي خاب ظنها في الرئيس التركي إلى الاتحاد الأوروبي الذي  اعتبر قرار المحكمة التركية و الرئيس أردوغان مؤسفان وإلى ذات المنحى ذهب العدو القديم  المتجدد للدولة العثمانية و نقصد به روسيا عبر كنسيتها الأرتوذكسية الشرقية و التي كانت تهيمن على الامبراطورية البيزنطية خلال القرن الخامس عشر ميلادي كما اعتبرت اليونان على لسان وزيرة الثقافة اليونيانية بأن القرار التركي ” استنفزازا صريحا للعالم المتحضر”.

 من جهتها اعتبرت منظمة اليونيسكو الواقع مقرها بباريس تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد تقويضا للقيمة العالمية لهذا المَعْلَم، من المرجح أن “يقوّض القيمة العالمية” لهذا النصب التذكاري العالمي و غير بعيد عن مقر اليونيسكو تأسف وزير الخارجية الفرنسية  لتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد و نسي أو تناسى جرائم الاستدمار الفرنسي بالجزائر ومنها تحويل مئات المساجد إلى كنائس و ثكنات و اسطبلات للخيول و ملاهي ومخازن للخمور و منها من بيع لليهود لاستعمالها كدير للعبادة و على رأس هذه المساجد الشاهدة على جرائم فرنسا مسجد ” كيت شاوة” العثماني بالعاصمة الجزائرية  وكلمة ” كيت شاوة” تعني ساحة الماعز، هذا المسجد حولته فرنسا إلى كتدرائية بعد أن قضت على 4000 جزائري من سكان مدينة الجزائر دافعوا و قاموا عن حرمة الجامع لتحمل اليوم الساحة المقابلة له اسم ساحة الشهداء وقد رممته منظمة ” تيكا” التركية وتم تدشينه رسميا خلال أخر زيارة للرئيس التركي وحرمه للجزائر سنة 2018.

الرئيس طيب رجب أردوغان وكعادته كان واضحا و صريحا و هو يعلن قرار الجمهورية التركية بتحويل المتحف إلى بيت عبادة رافضا أي تدخل خارجي في الشأن التركي لأن تركيا على حد تعبيره تتصرف في ممتلكاتها وهو حق وطني مشروع معززا موقفه التاريخي بقرار المحكمة العليا التركية المستمد من قوانين الجمهورية التي لا تبيح استغلال الوقف الاسلامي لأي أغراض تتنافى مع هذا المقصد خاصة و أن كنسية آيا صوفيا اشتراها السلطان محمد الفاتح من حلال ماله و جعلها حبسا اسلاميا.

 ولم يكتف الرئيس التركي بهذه الخطوة التي سيجلها التاريخ له بأحرف من ذهب بل أعلن بأن أول صلاة بالمسجد ستكون يوم الجمعة 24 جويلية / تموز الجاري ليقطع بهذا القرارالشك باليقين و كأن بلسان  يخاطب السلطان محمد الفاتح بقوله:” هاقد عادت أيا صوفيا مسجدا بعد غربة 86 عاما”.

كلما مرة تثير سياسات الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان سواء الداخلية أو الخارجية ردود فعل قوية داخل تركيا أو خارجها  وهذا حسب اعتقادي مؤشر صحي على أن الرجل في الطريق الصحيح لأن الحكمة تقول:” إن لم تجد من يعارضك،فأنت إنسان فاشل” و مهما كان الاختلاف مع منهج الجمهورية التركية في عهد أردوغان، فلا يحق لنا أن نغطي الشمس بالغربال، فالرجل يحقق يوميا انتصارات سياسية واقتصادية وحتى عسكرية هامة، تركيا التي كانت سنة 2003 بحاجة إلى 150 مليار دولار حسب تقرير صندوق النقد الدولي و حتى الخبراء الأتراك لكي تحقق الموازنة في  ميزانية الدولة في مستوى الصفر لكي تفكر في الاقلاع الاقتصادي من جديد تنافس اليوم عالميا و في شتى المجالات.

تركيا تحت قيادة الرئيس الطيب رجب أردوغان وحزب العدالة والتنمية تتجه لتكون ضمن العشر أقوى اقتصاديات في العالم وأنها ستكون ضمن نادي كبار العالم  من أقوى الاقتصاديات في العالم نهاية سنة 2020 في انتظار انجاز أهداف رؤية سنة 2023  وهي سنة انتهاء العمل بمعاهدة “لوزان” الشهير سنة 1923 التي فقدت الدولة العثمانية بموجبها كل الأقطار التي كانت تحت حكمها  كما تظمنت الاتفاقية شروطا مجحفة على الجمهورية التركية الناشئة من طرف الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أهمها اعتبار مضيق البوسفور  ممرا دوليا لا يحق لتركيا أن تحصل على أي رسوم مقابل عبوره.

طموحات الرئيس أردوغان مشروعة و من حقه صناعة غد أفضل لشعبه بالرغم من العوائق الداخلية و الخارجية التي تهدد الجمهورية و خاصة آفة الارهاب، فتركيا تعد لاعبا أساسيا في المشهد السوري الملتهب وحدودها مع سورية غير مستقرة مما دفع بالجيش التركي للدخول مباشرة في أتون الأزمة السورية ناهيك عن الدور الاستراتيجي السايسي و العسكري الذي تلعبه تركيا حاليا في ليبيا و الانتصارات الميدانية الهامة التي حققتها حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج على  الجنرال المتقهقر خليفة حفتر.

في انتظار حلول الذكرى المئوية لنشأة الجمهورية التركية الجديدة و انتهاء العمل باتفاقية ” لوزان”، تصب لغة الأرقام في صالح المشروع التركي المتنامي على كل الأصعدة ،فالاحصائيات تشير إلى أن حجم الاستثمارات الخارجية بتركيا تجاوزت خلا 16 سنة 200 مليار دولار فيما حقق ميزان الصادرات التركية قفزة مذهلة تجاوزت 168 مليار دولار سنة 2018  و يراهن الرئيس التركي على أن بلاده  ستستغل عائدات العبور بمضيق البوسفور و ستواصل نموها الاقتصادي لتُحقق مطلع سنة 2023 دخلا قوميا بقيمة ترليوني دولار ويصبح جوزا السفر التركي عابرا لـ197 دولة دون الحاجة لتأشيرة وأن المواطن التركي سيحقق أعلى رقما تاريخيا في دخله الخاص ليصل إلى 30 ألف دولار سنويا.

وضمن رؤية سنة 2023 تواصل تركيا تطورها الاقتصادي بخوض مجالات صناعية جديدة كصناعة الطائرات دون طيار التي أثبتت قوتها في الحرب بليبيا و تتجه البلاد إلى تصنيع الطائرات و الأقمار الصناعية وجعل السياحة موردا قويا يعزز استقرار البلاد و قد تجلى ذلك في فتح مطار أتاتورك العملاق و توقع بلوغ تركيا المرتبة الخامسة عالميا من  حيث الوجهات السياحية ذات الجذب العالمي بمدخول يقارب الـ50 مليار دولارحتى مطلع سنة 2023.

أخيرا نقول وبكل صراحة و وضوح، من حق الأتراك سواء كانوا مؤيدين أو معارضين لتوجهات رئيسهم أن  يعتزوا بقوميتهم  ويعملوا من أجل يكونوا سادة في بلدهم، يحترمهم الصديق و يهابهم العدو ومن حقهم أن يتصرفوا في ممتلكاتهم كيف ما شاؤوا فهي ضمن سيادتهم الوطنية ولم يتجنوا على أحد.

 إن الرئيس التركي فهم المعادلة جيّدا،فراح يشتغل على جميع الأصعدة، السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و العسكرية دون أن يهمل الرصيد التاريخي التركي و العثماني محليا وعالميا وهذا باعادة الاعتبار إلى المعالم العثمانية بالدول العربية  وحتى الأوربية عبر ما تقوم منظمة ” تيكا” بدعم مباشر من الرئاسة التركية كما تبنت الدولة انتاج عديد  الأعمال التلفزيونية والسينمائية الضخمة تصب كلها في احياء الإرث التاريخي التركي و العثماني، نذكر منها:  قيامة أرطغرل مؤسس الأمة التركية خلال القرن الثاني عشر،  المؤسس عثمان، مؤسسة الدولة الأمبراطورية العثمانية و تعكف حاليا القناة التركية الحكومية على انتاج أضخم عمل تلفزيوني حول شخصية خير الدين بربروس  قائد البحرية البحرية العثمانية الكبير و حاكم إيالة الجزائر خلال حكم السلطان سليمان القانوني.

إن تركيا الجديدة بقيادة الرئيس رجب الطيب أردوغان تحي التاريخ و تبني الحاضر القوي لشعبها و تستشرف عمليا المستقبل دون الاكثرات بمن يعارضون وينددون و يستنكرون، فشتان بين من جعل من التاريخ وقودا لمُحركات نهضة حضارية قوية ومنصة لاستشراف مستقبل شعبه و بين من جعلوا التاريخ وقودا للقمع و الاستبداد و الاستمرار في التسلط على شعوبهم.

مستشار في الصحافة والإعلام

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. اردوغان جلب لنفسه احترام مسيحيي العالم إلا الأقلية الحاقدة على الإسلام و المسلمين
    كما جلب لنفسه احترام كافة مسلمي العالم إلا الأقلية العلمانية و الملحدة

  2. ” رجال يصنعون التاريخ وآخرون يجترون أحداثه” ، مقولة صحيحة ! و لكن،،
    هل خطر ببال الكاتب أن من صنع التاريخ في هذا السياق هو السلطان محمد الثاني “الفاتح” عندما فتح المدينة (و ليس عندما استولى على الكنيسة)، وأن أردوغان هو من يقوم بالإجترار؟ هل يرى الكاتب ان عمربن الخطاب (رضي الله عنه) قد أخطأ عندما رفض الصلاة في كنيسة القيامة مثلا!؟
    لقد حول محمد الفاتح كاتدرائية أيا صوفيا الى مسجد، في نفس الفترة التي قام فيها الاسبان بتحويل مساجد الأندلس الى كنائس و تخيير المسلمين بين الرحيل او اعتناق المسيحية و أقاموا محاكم التفتيش التي هي عار على الإنسانية ككل، فلعلنا نجد له بعض العذر (لا الفتوى في مورد النص).
    و مع ذلك فموقف عمر بن الخطاب من كنيسة القيامة هو الموقف الاسلامي النبيل و الصحيح و ليس موقف محمد الفاتح. هل الكاتب جاد حقا عندما يتبنى مقولة ان السلطان محمد الفاتح اشترى الكنيسة؟ و هل الكنيسة أو المسجد ملك خاص لراهب او بطريرك أو شيخ حتى يبيعونها للسلطان أو لفرديناند و إيزابيلا؟
    ماذا عساه يقول لو خرج علينا الصهاينة بصك شراء المسجد الأقصى من احد الخونة واتخذوا من ذلك مسوغا لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه؟
    من المحزن أننا موتورون تعمينا الهزائم عن رؤية الحق فنقوم بالانتصار لاردوغان عندما يقوم بالتنمر على دور العبادة المسيحية بدلا من العمل على مواجهة من هزمونا، وفي نفس الوقت الذي نجد له الاعذار في ابقاء علم من يحتلون القدس مرفرفا في سماء تركيا (دولة الخلافة لما يزيد عن خمسمائة سنة).

  3. مماطلة دخول تركيا عضو في الإنحاد الأوربي معناه ان لا شبه تركي اورولي وياتركيا لستي من ثوبنا عودي لأصلك الإسلامي ، وها هي عادت فلما النقد الغير موفق من البعض اما بغض اومبادلة في الخصومة رغم الأخوة الآسلامية الإنسانية جمى الله تركيا وجميع العالم الآسلامي عرب وعجم من سر ومكائد اوروبا وعمربكا .

  4. صدقت،،،رغم انك ليس من مٶيدي اردوغان،،هذا هو الصحفي الذي يقول الحقيقة كيفما كانت لان الحقيقة لا تغطی بالغربال،،،

  5. قال احد مراسلي جريدة الحركى الجدد في الجزائر لاردغان عند زياته الجزائر ، انكم انتم الاتراك استعرتمونا ، فرد عليه بصاعقة ثلجية ،لو كنا مستعمرين لما تحدثت معي بالفرنسية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here