رجاء بكريّة: أوّلُ مكّوكِ ذاكِرةٍ طائر.. “حول نكبة الهويّة..  عَين خَفشة نموذجا”

رجاء بكريّة

تُرى، هل يهربُ القلبُ من زمَنِهِ حينَ نكتب، أم أنّهُ يُسلّمُ نبضَهُ طَوعاً إليه؟ وكم من حكاية ستنبشُ التّاريخَ لِتعترفَ بأسرار مخابئها؟ أيجبُ أن نُعارِكَها لتفعل، أم نتوقّعَ أن تسلِّمَ مفاتيحَ جرائمَها الكثيرة كي نفهمَ لغةَ شُخوصِها، وتكتيكَ دفاعها عن النّفس، واعترافها؟

 أدهشني أنّ للإعترافاتِ، هذا الأثرَ الحارقَ في الحنجرة حين أغنّي، أو أُنوِّحُ على لسانِها! وخلافا لِما حدث مع أبطالي السّابقينَ، ظلّت لبيبة بنت طاهِر المزيّن، بطلة عَين خَفشَة، البطلة الأعمق نبشاً لعينيّ وصفعا لأرقامي الثّمانية وأربعين، أَلأنّي عبرتُ حقولاً مُلغّمَةً بحَرامِها؟ ونسختُ سجلّاتٍ سطوتُ عليها سطوا لأستعيدَ رائحةَ دمِهَا الأولى؟

 لا تاريخ  بلا رائحةِ دم. قد يسيلُ من العينِ، من الكوعِ من الفخذِ أو الكعب، لكنّهُ في آخرِ السّطرِ فعلُ جريمة رتّبَتْها رؤوسٌ تُجيدُ تزويرَ الذّاكرةِ، وتدويرَ أرقامِ التّاريخِ في جُرنِ المُفترقاتِ الحائرة. وهكذا تماما دوّروا تاريخنا، ودوَّرونا، فصارَ، وصِرنا على مقاسِ الكفّ، وأصبحَ عطرُ اللّيمونِ والبرتقالِ الّذي ليافا والجليلِ حادثَ سيرٍ عشوائيّ لوطنٍ فكَزَ كعبُهُ في حُفرةِ وحل، ونَسِيَت حميرُ الرّجال أن تمرّ من طريقِهِ، وتنتَشِلُه.

محكومون نحن للأمل. محكومون بعشق لا يفسّر للحُلُم، ولا تكنّ لنا كِنانة، لا نيأس ولو أصبح الوطنُ الّذي نشتمُّ عطرَهُ الوهميّ أكوامَ تِبنٍ أو صحاحيرَ حجارة. نعرِمُ الحجارةَ، نطيِّرُ التّبنَ بين أصابعنا ونتغزّلُ بقلاعٍ من تبر ومرمر، لا يراها إلاّنا، ثمّ نفتَحُ المعابر عبر خطوط طولٍ وهميّة على مقاس رصيف ذاكرة كي نتجاوزَها، ونُوَسِّعَها بمفاتيح القلب. نعيدُ كلَّ المفاتيحِ الّتي أُخِذت من أعبابِ النّساء يومَ نُكِبنا، نقطفُها من أسلاكِ الهواء، ونعلّقها تمائمَ على ورقِ الحكايا.

 نحنُ من علّمَ الورقَ الطيران حينَ يملُّ الحكاية. وحدنا نعرف كيف أصبحت هذه المفردة الهشّة كابوسا يحرقُ الوثائق المزوّرة، يُخططُ المدنَ ويدوّرُ المقدّساتِ حولَ بكَرة، وعلى جناحِ غضب. كأنّ الورق ألغى مهمّة السّفراء، وصار سفيرا أمميّا عن الوطن. والحرف استوى مُسطّحاتٍ أبعدَ من ذراعِ سطرٍ، وفَرَشَ الإسمنتَ مزارع من حبق، نفتحَ أبوابَ منازلِهِ، برمشةِ شوق.  نعيدُ تركيبَ القهوة على نارِنا المتروكةِ شاعِلة، منذ ذهابِ أبناء عمومتي، وبقاء القهوة بنصفِ غَلية، إذ ردّوا رُتاجَ البابِ عليها كي يعودوا بعد مساءٍ أو مساءين، وغابوا

كذَبَ مسارُ الموجِ، ووحدها جدّتي صبيحة فهمت أنّ خروجنا ضياعا فقربطت بعنقِ السّنديانة. تدمّت وبقيت، والباقي ذهب. لَخمتني بقصص قريتِها المسلوخة عن آهليها، لا أتذكّرُ منها غير عطرِ اللّيمونة، وإبريقِ الوضوء، وحنفيّةِ البرتُقالة، كانوا مسرح نكبة تُوزَّعُ على قيثارةِ الدّم، الّتي أشعلتني حتّى اللّحظة. هم، والبَحصِ الّذي غرزت عكّاازَها وعيونَها الزّرقاءَ في حبّاتهِ النّاصعة، كخرزِ مسبَحة.

وكنتُ أحاصرُها بكثافة أسئلتي وظلّت تُجاوب حتّى خافت من بَراحَتي، وحِشَريّتي. كنتُ لا أخافُ أحدا، كنتُ أحبّها، لكنّها خوّفت كلَّ من سمعَ تناويحَها. كنتُ أعرفُ أنّها تبكي وهي تنوحُ رغمَ إصرارِها على أنّها تُغني.

ولا أكفُّ عن سؤالها، لماذا فِلسطينُ وحدَها تبكي رغم أنّ حالهَا شأنَ العروبةِ كلِّها “بِخزي” بهذه المفردة فسّرتُ لقلبي الخيبة الّتي تُصيبُني كلّما سألني أحد عن وطني، وشهقتُ استغرابا، مَنْ فِلَسطين، ليش بتسأل؟ كأنّ أبي لم يفرض على سؤالاتنا، صغارا، منعَ تجوّلٍ قسريّ لننسى اسم البلاد، وأصلها. خوفا أو رعبا، لا أعرف تماما، لكنّي فهمت أنّه فقدَ الأمل من العالم بعد جمال عبد النّاصر، وصارت فلسطينُ على لسانهِ مُحرّمة!

دليلي ظلّ جدّتي. أقنعتني أنّها انتزعت حجارةَ فمِها لتضربَ بها اليهودَ الّذين تعربشوا سناسلَ بيتِنا، فهي كحِجارة السجّيلِ قاتلة، وفقط لأنّي أحببتُها صدّقت.

هكذا تعلّمتُ أن أحفظَ أسماءَ وطنٍ لمْ أُصادفْهُ، عبر أكاذيبَ بريئةٍ صنَّعَتْها جدّتي صبيحة على مقاسِ إبريق وضوئها وتجاعيد وجهها، وآذان الخطيب، خطيب الجامع. وعبر الإبرة الّتي غرزت بها دواير المناديل الّتي حاكتها لصبابا تزوّجنَ على عجل، فهمتُ أنّ النّزوحَ جرى أيضا على عجل، وأنّنا شعبٌ لم يتعلّم من خساراتهِ بعد، لذلك يُغامرُ في مساراتِ الرّكض بكلِّ أنواعِها، ويظلّ وهو يخسرُ على عجل.

طيّرت صبايا حيّنا والأحياء المجاورة، مثل أعشاشِ سُنونو مُشتاقة، وبقيتُ وحدي بلا نصيب على حدّ قولِ جدّتي، لأنّي لا أحبّ العجلة. لكنّها لم تيأس، أصرّت أن تنتظرَ معي حتّى يأتيَ دوري كي تنجزَ دوايِري، لكنّي لَخمتُها حين أعلنت، “لن يأتيَ دورِي، يا ستّي قبل أن تعود فِلسطين”. فلطمت وجُنّت، “أي هي حبّة عوّامة يا ستّي، بترجع بطبخة عَجين, ليش يا ستّي هيك إنتِ مجنونة؟” من فداحة حكايا القلعِ فعلا جُننتْ، أنقذني أبي ذات خطأ عبر كزدورة إلى مزارعِهِ، فازددتُ جنونا، حتّى السّنابل اعتقدتها شكلا لبلد لم أصادفه.

في ليلٍ أعتَمْ حيّكتُ الدّمع سُفنَ عودة فغرقَت في بحرِ خيانة. من يومها وأنا أسرقُ برتقالَ بيَاراتِنا الّذي سرقوه، وأبيعهُ في السّوقِ السّوداء لأبني أسطولا يعيدُ أناسَ البلاد إلى بلادها، فما أُخذَ سطوا يستعادُ سطواً هو أيضا. فشلت حِيلي كلُّها. أبيعُ وأكدِّسُ في كُمّ جارزتي ثروةً لا يصدّقونها. كان الحلُّ  المؤقّت ،، أن أكونَ اللّاجئةَِ المُقيمة الّتي تُصنِّعُ من قشرِ البُرتقالِ أوّلَ مكّوكِ ذاكرةٍ طائر إلى بلاد من حُلُمِ، ولو في طيِّ كُمّ، ولو كانت ممَزّقة..

 ألقيت في معرض رامالله الدّولي الحادي عشر للكتاب)) 7 مايو 018

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here