ربيع الشانزيليزيه والتحديات الأوروبية المقبلة

الدكتور حسن مرهج

لا تزال العاصمة الفرنسية تحت وطأة أصوات المحتجين المطالبين بالإصلاح، احتجاجات تشوبها عمليات التخريب و نهب المحال التجارية، فضلا عن موجات عنف متبادلة بين المتظاهرين و الشرطة الفرنسية، في مشهد يبدو مستغربا على بلدان العالم الأول، لكن في المقابل لا شك بأن هذه الاحتجاجات الغير مسبوقة، سيكون لها تأثيرا مباشرا ليس في فرنسا فحسب، بل ستمتد تداعياتها لتشمل دول الاتحاد الأوروبي، في مشهد يشي بتغيرات جذرية في بلدان لطالما تشدقت بالديمقراطية و حقوق الإنسان.

في تفاصيل المشهد الفرنسي يبدو أنه من الصعوبة الفصل بين المشهد الداخلي في فرنسا، و المشهد الأوروبي بشكل عام، فهل نحن أمام ربيع أوروبي بدأت ملامحة تتبلور في شوارع باريس؟، خاصة و أن هنالك بوادر احتجاجات ظهرت في بعض البلدان الأوروبية، و التي لا يمكن أن تكون بمعزل عن تحركات المتظاهرين في فرنسا، و لعل القاسم المشترك بين هذه المشاهد في اوروبا، هو الضرائب و غلاء المعيشة، فما تشهده اوروبا بشكل عام، يكاد يلامس ثورة على القوانين الاوروبية التي لم تكن سببا في رفاهية المواطن الأوربي، بل على العكس كانت وبالا على الحكومات الأوروبية، و حتى هذه القوانين ظهرت بصُورها المتعددة إبان وصول ترامب إلى البيت الأبيض و ماكرون إلى الرئاسة الفرنسية و ماي إلى رئاسة الحكومة البريطانية، و بذلك تبدو الصورة أوضح، حيث أن حالة الضعف التي يعاني منها الاتحاد الاوروبي، سوف تساهم في تقويض قدرة هذا الاتحاد ككل، على التدخل لحماية الدول الأعضاء من أي تداعيات اقتصادية و حتى عسكرية، و ضمن هذا المعطى لا يبدو أمام حكومات الاتحاد الأوروبي إلا تحقيق الإصلاحات المرتبطة بقوانين اقتصادية و اجتماعية تحقق مكاسبا للمواطنين، أو الاستمرار بالسياسات القديمة التي أنتجت موجات احتجاجية غير مسبوقة، و بالتالي فإن دول الاتحاد الأوروبي مهددة بالتفكك.

في جانب أخر يمكن تسليط الضوء عليه، حيث أن واشنطن إبان خروجها من الاتفاق النووي مع إيران، و معارضة الدول الاوروبية للسياسة الأمريكية حيال الاتفاق، يبدو أن واشنطن قرأت مفاعيل الوقوف الأوروبي مع ايران على أنه انتقاص من الهيبة الأمريكية، لا سيما بأن اسرائيل و السعودية من أكثر الدول الرافضة للاتفاق النووي مع ايران، فضلا عن الالتفاف الأوروبي فيما يخص دعم القضية الفلسطينية، و هذا ما لا يناسب السياسة الأمريكية و السائرين في فلك خططها كـ اسرائيل و السعودية، و عليه فإن تفكيك المشهد الأوروبي و ضعضعة بنيانه، سيشكل رافدا قويا يصب مباشرة في مصلحة السياسات الأمريكية، من هنا يبدو أن مشاهد الاحتجاجات يُراد لها أن تكون سببا في تصفية منظومة الاتحاد، فهذه الاحتجاجات تجاوزت حدود مطالب الإصلاح الاقتصادي، لترقى إلى مستوى التخريب و النهب.

ضمن ما سبق من معطيات، يبدو أننا أمام انهيار محتمل لدول الاتحاد الأوروبي، فالمشهد يبدو أن يتطور و يتسارع ليصل إلى مرحلة العجز عن احتواء المشكلات و تطويقها بإطارات اقتصادية و اجتماعية ناجعة، لتقفز هذه التطورات المتسارعة إلى الكثير من تفاصيل المشهد الأوروبي التي تختزلها صور الرفاهية و القوانين الاجتماعية و التنقل بحرية بين دول الاتحاد، فهذه كلها باتت مهددة في ظل تنامي الموجات الاحتجاجية، فالأوضاع في القارة الأوربية تبدو معقدة، و تلوح في أفق القارة العجوز حالة الانقسام، و التي ستكون بمثابة الفرصة التاريخية لأصحاب النزعة القومية من التيارات اليمنية، و الذين يرفضون البقاء تحت مظلة الاتحاد الاوروبي، فـ مواقف هؤلاء الرافضين للسياسات الاوروبية داخليا و خارجيا، سيكون لها تأثيرا مباشرا على بنية الاتحاد الأوروبي، و لعل بريطانيا و التي لم يعد أمامها سوى شهور للخروج من هذا الكيان الموحد، ستنسف اللبنة الأولى في جسد الاتحاد الأوروبي، تمهيدا لنسفه بالكامل.

في النتيجة، يبدو أن القارة العجوز تسير نحو مطبات سياسية و امنية و اقتصادية و اجتماعية، هذه المطبات من الممكن أن تكون سببا في تغير الخارطة الأوربية، فلا حلول ناجعة تملكها حكومات الاتحاد الأوروبي، إلا بالانصياع لرغبات المواطنين الأوروبيين، و إلا سيكون جسد الاتحاد الاوروبي مهددا بالتفكك، و لعل الاحتجاجات التي تشهدها باريس هي شرارة التفكك، و عليه من الصعب التنبؤ بنهاية الاحتجاجات الفرنسية خاصة، و كذلك من الصعب التنبؤ بوضع الاتحاد الاوربي بشكل عام.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here