ربى يوسف شاهين: محور العدوان على سوريا.. الانهيار والتفكك في الجغرافية السورية

 

ربى يوسف شاهين

لعبت الدول الفاعلة في الحرب على سوريا على اتقان الدور الذي اوكلته لها الدولة المحركة لهذه الحرب، الا وهي الولايات المتحدة،  فتم تفصيل الادوار إن كان سياسياً او عسكرياً، حسب المعطيات التي  كان من المتوقع ان تتحقق اغلب نتائجها سريعاً، على اعتبار ان الدول الداعمة للمؤامرة كانت قد ضخت جُلَّ ما تملك من مقدرات سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية واستخباراتية، وحتى ما انطوى عليها من حرب نفسية واجتماعية تخص الادوات التي اعتمدتها بلدان التحالف، للتحرك على الأرض وإغراق سوريا بالإرهاب.

لقد بدا المشهد السوري في بادئ الامر و كأنه حراك شعبي، طُلب منه التعبير عن مطالبه للإصلاح، على ان يُزج بأفراد مهمتهم إعلاء صوت الشعب وتحريضه على الأذى المعنوي، ليلحقه الاذى للممتلكات والذي سيترتب عليه تدخل لعناصر حكومية لدرئها،  فيتم المحظور عبر اعتداءات ممنهجة ضد الدولة السورية، و ليبدأ ونزيف الدم السوري، وفعلا اتسعت دائرة الفوضى لتظهر مجموعات إرهابية عربية وغربية ولتبدأ الحرب الكبرى على سوريا.

مؤامرة حيكت بدقة متناهية وصُرف عليها مليارات الدولارات، لتدخل امريكا والدول المعنية بهذه الحرب بشكل مباشر وغير مباشر، او ما يطلق عليه “الحرب بالوكالة”.

مع التطورات التي حصلت في الساحة السياسية السورية، و خاصة العسكرية بعد انضمام روسيا وإيران لمكافحة الإرهاب،  كان لابد للأفعى الأمريكية ان تخرج وتُبرز رأسها، وخصوصا بعد الانتصارات التي حققها الجيش السوري بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله، لتطئ اقدامها الارض السورية بذريعة مكافحة الإرهاب، الذي يخولها حسب فهمها لمنطق القوة أن من حقها وهي الدولة العظمى أن تُشارك في القضاء على تنظيم القاعدة أو داعش، وطبعا هي تسميات للتضليل لا اكثر.

ومن الجهة الاخرى أُوعز لتركيا التقدم وتحقيق الحلم العثماني، وكان المبتغى مدينة حلب،  لكن الثلاثي السوري و الروسي والإيراني شكلوا محوراً ممانعاً، أدى إلى تراجع تركي إلى الخلف حتى منبج وإدلب، لكن ذلك لم يمنعها من استغلال ظروف الحرب للقيام بعمليتين هما درع الفرات وغصن الزيتون، واللتان تذرعت بهما لحماية حدودها من الكرد السوريين او ما تطلق عليهم pkk, pkdقوات قسد أو “الحزب الكردستاني الديمقراطي”.

اكاذيب سياسية كثيرة انتهجتها تركيا واحتلت بموجبها عفرين و جرابلس والباب، و بدأت تدرك ان تقدم الجيش السوري آت لا محال، مع وجود القطب الروسي والقوة الإيرانية، لذلك اخذت تلبسُ دور الحمل الذي سيعمل على إيجاد حل سياسي، تماشياً مع المطلب الروسي في مسرحية وُضحت فصولها عبر عدم التزام أردوغان بتنفيذ بنود اتفاق سوتشي الذي عُقد في ايلول 2018 بين الرئيس بوتين و أردوغان، وفشل في تنفيذ ما يخص الحل السياسي وبرع فيما يخص الخروقات والانتهاكات عبر جماعاته المسلحة، وبتطور في الظهور التركي عبر الدعم الذي وصل حد تقديم صواريخ مضادة للدروع للمجموعات الإرهابية، و التجرء على مهاجمة القاعدة العسكرية الروسية في حميميم، عبر طائرات مسيرة بدون طيار.

وفي الضفة الثالثة نجد الاسرائيلي المهزوم في الجنوب السوري، والذي اعتقد جازماً ان حلمه بتمزيق سوريا عبر الفصائل الإرهابية قد يتحقق وبالسرعة القصوى، وخصوصا مع وجود أمريكا في قاعدة التنف و بالقرب من،  ولا ننسى الداعم الاول لإسرائيل وجوديا واقتصاديا تركيا عبر رئيسها “أردوغان”.

رغم ما يقوم به أردوغان من تمثيليات تجاه موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ومناهضته لإسرائيل في اتهامات يتلقفونها إعلاميا، والحقيقة ان تركيا عبر منظمة الهلال الاحمر التركي، ماهي إلا ذراع للإسرائيلي في فلسطين، فلقد خبرنا خباثة بعض الدول في التغلغل تحت مسمى “منظمات إنسانية”.

وبالتالي فالثلاثي الامريكي والتركي والاسرائيلي هم الدول الرئيسية في الحرب على سوريا عبر حرب ادواتهم الإرهابية او حرب العصابات الإرهابية، فحروب القرن الواحد والعشرين بدأت ترسم معالم جديدة للحروب لكن أكثرها ضراوة هي الحرب العسكرية الاقتصادية الإرهابية التي تمارسها الولايات المتحدة على سوريا وإيران، لان ما لم تحققه سياسياً ستحاول تحقيقه عبر حربها العسكرية و الاقتصادية.

سنوات الحرب على سوريا أرغمت المشاركين من الدول في الحرب عليها أن يحفروا لأنفسهم طريقا يحاولون به حفظ ماء الوجه، لان سوريا تنتصر في الميدان، والهروب لقوى العدوان حتمي وإن طال الزمان.

في المحصلة، هناك انكفاء سياسي واضح لكثير من الدول التي شاركت في الحرب على سوريا،  فمن خسارة بمليارات الدولارات إلى خسارة اكبر في المكانة الإقليمية و الدولية، هو ذا حال دول محور العدوان على سوريا، و لا شك بأن هذه الدول قد بدأت بلملمة انكساراتها، تمهيداً لرحيلها عن الجغرافية السورية، خاصة بعد ما تم تحقيقه سياسياً و عسكرياً من قبل الدولة السورية و حلفاؤها.

كاتبة سورية

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. ابو أحمد…..من بريطانيا

    تحية لك حماك الله صدقت هذا مانحتاجه فعلا وتم الكتابة عنه لكننا نحاول بقدر المستطاع توضيح الحقائق وبكل شفافية فالغربة بكل انواعها قاتلة ومختصره
    ” الوطن اليوم بحاجة إلى كل أبنائه لأن التحديات أمامنا كبيرة، و في مقدمتها إعادة إصلاح النفوس المريضة.. تطهيرها من الحقد و الجهل و زرع القيم و الأخلاق فيها “.

    السيد الرئيس بشار الأسد 2019

  2. حسام الشامي
    شكرا لك صحيح ولكنني بإذن الله كتبت عنها في مقالات سابقة كل الشكر لك للتنبيه فعلا تستحق تكرارها مرارا وتكرارا.
    تحياتي لك

  3. تحية للكاتبة
    أوجزت وعبرت عن صراع سياسي وعسكري وطائفي وفتنوي وإعلامي ووو .. ولكنها لم تشر إلى الدور المهم الذي لعبته كل من السعودية وقطر والذي كان بمثابة تعبير عن مطلق الغباء السياسي الذي ترافق مع انعدام الأخلاق وغياب الحس القومي العربي والإسلامي

  4. السيدة ربى
    تحليل جيد….
    وسؤالي….لا أحد يتطرق الى تحليل معاناة الشعب السوري…..بين الغربة في الوطن….وواقع المعيشة والتضييق اﻷمني الشديد على من صمد وعامى وبقي داخلا….وبين الغربة في المخيمات…وواقع المعيشة القاسي… والحرمان من الكرامة في البلاد المضيفة…..والغربة في أصقاع العالم…..والتي وجد السوري فيها نفسه…..ولكنه أضاع روحه….
    نريد تحليلات منطقية…تقدم للمسؤولين في سوريا…..خيوط خطة…لخروج السوري المرهق..من الحربة العالمية الثالثة..التي قامت…ومستمرة على أرضه….والتي لا ناقة له فيخا ولا جمل…
    الشعب…والمواطن….سيدة ربى…..يحتاج للكثير من اﻹهتمام….وتحليل واقعه…وحياته….
    يحتاج….لبريق نور….ليشعر بها….بدء عودة كرامته…..وبدء التفاته ﻷسرته وبيته…..

  5. شكرا لك على التحليل المقتضب والواقعي لجريمة من جرائم هذا العصر ارتكبت بحق دوله كانت مهد الحضارات والتعايش

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here