ربى يوسف شاهين: تحولات استراتيجية في السياسات الخارجية الأمريكية.. منحى متصاعد

ربى يوسف شاهين

بالنظر إلى المسار السياسي الممنهج، والذي عكّفت عليه الدول الغربية وواشنطن تحديداً، نجد تحولات جذرية في التعاطي مع السياسات المُتبعة في مدار المنطقة العربية، فالأحداث الجارية على الساحة العالمية بشكل عام، لا تبتعد في مضمونها عما أرادت له “قُطعان” السياسة الغربية، بدءاً من الحرب الإرهابية على سوريا، والتي أخذت في بداياتها طابعاً سياسياً، مع إمكانية تحقيق تغيير فكّري وجذري في كيفية النظر للأوضاع الداخلية للدول المُستهدفة، ومع الأخذ بعين الاعتبار التأسيس  لقاعدة الإرهاب العسكري عبر مجموعات من الأفراد جُمّعوا وجُنّدوا لتطبيق الفوضى الإجرامية، وذلك بأدوات ووسائل عسكرية غربية.

فحجم الدمار والقتل والإرهاب الممنهج، ابتدئ من شعار التغيير والتطوير ورفض الواقع ، وكل دولة بحسب درجة التباعد في السياسات المناهضة للمشروع الصهيو-امريكي، فالأصل هو الكيان الإسرائيلي فليس غريبا ان، وما يحدث تُجاه هذه الدول التي مُزّقت اوصالها السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تحت ما يُسمى الربيع العربي، والذي أُريد منه إقامة نظام عالميّ جديد، تتحدد مقاييسه وفق قياس الفكر الغربي القائم أساساً على تحقيق ما أمرت به المجموعة الرأسمالية العالمية المتواجدة في البنك العالمي في سويسرا، والتي تُعتبر البلد الأكثر أماناً لأنها مركز أصحاب القرار العالمي الذي يتشابه والاخطبوط بأذرعه المنتشرة في أصقاع العالم، حيث يقوم بتحريك الفاعلين التابعين له، كما تُحرك الدُمى.

هي مشهدية سياسية قائمة على فكرة تيودور هرتزل اليهودي الصهيوني، الذي حلم بإقامة دولة يهودية تمتد من النهر الى النهر، والذي تعهد أتباعه بمتابعة تحقيقها عبر أدواتهم، وذلك بعد أن أسسوا لرأس مال صهيوني عالمي، للتحكم بقرارات العالم الاقتصادية، هذا الأمر يُعتبر العامل الأبرز والأهم لقيام أي دولة.

لعبة استخباراتية عميقة أخذت عقوداً من الهندسة والصياغة، لتتمكن من الوصول إلى ما وصلت إليه من انقلاب فكري وعقائدي واجتماعي عند البعض، الأمر الذي استطاعت أبر التخدير الموجهة من تحقيق غاياتها، وأكثر من ذلك فقد أصابت صُناع القرار في كثير من البلدان العربية والإسلامية، وهذا ما ظهر جليا من التشهير بالعلاقة مع الكيان الاسرائيلي عبر التطبيع، أو ما يسمى الاعتراف بإسرائيل عبر علاقات مُعلنة، فلم تعد مسألة الخوف من النهوض العربي والقومي، يُشكل الخطر الكبير لتمكنهم من إستمالة أعداد المطبعين مع الكيان الاسرائيلي.

لذلك لا تستغربوا حجم هذا الإرهاب على سوريا، التي أصبحت الوحيدة التي تُجابه قُطعان الشر المنتشرين في أوصال البلاد.

وبالعودة الى مجريات الأحداث على الساحة الدولية والعربية، نُشاهد بوضوح التركيز على موضوع تفتيت اقتصاديات البلدان جميعها، وخاصة الدول المقاومة للسياسة الامريكية، كما في سوريا وايران والعراق واليمن ولبنان.

فمعادلة الشعوب وجُزئياتها تُبنى على الاقتصاد، وما يسمى قانون قيصر وغيره من قوانين تطرحها الولايات المتحدة في أسواق السياسة، وكأنها في معرض العرض والطلب، فتبيع وتشترى بحسب الناظر المرغوب به، أو المرفوض لديهم، ليتأكد صانعوا القرار من حجم المساحة السياسية، لجهة أنهم ليسوا بقادرين على تخطي هذه المساحة التي رسمتها المنظمات الغربية، عبر مجالسها ورؤسائها المنتخبين من قبل الرأسمالية العالمية.

العائق الذي أدى إلى تغير سياسات الغرب لتأخذ منحى متصاعد، في الارتفاع والتطبيق السياسي، هو أن ما شهدته ساحة العراق من مقاومة عبر الحشد الشعبي، وفي سوريا عبر قيادتها وسياساتها الثابتة، وفي لبنان عبر حزب الله الذي انتصر على العدو الاسرائيلي في حرب تموز 2006، وإعادته إلى نقطة الصفر حيال قواعد الاشتباك، وفي اليمن عبر الجيش اليمني وأنصار الله، التي تقاوم الغرب بوكلائهم السعوديين والإماراتيين، وفي ليبيا وتونس ومصر عبر تصفية رؤسائهم ممن خالفوا السياسة الغربية.

ما يحدث في لبنان وسوريا والعراق ما هو إلا لتحقيق ما ذكرناه، والقبول بالكيان الاسرائيلي، وهذه  الدول تحديداً  لأنها  الاقرب والتي  تحيط  بالأرض التي اغتصبها العدو الاسرائيلي.

وما سياسات القرار التي تُتخذ من ما يسمى صفقة القرن، إلى قيصر، إلى قرارات الضم والاستيطان، إلى الاعتراف الأمريكي بـ القدس عاصمة اسرائيل، إلا إشهارٌ لسياساتهم الممنهجة، تُجاه منطقة الشرق الأوسط، وذلك لأن اليهود الصهاينة قرروا ذلك منذ مئة عام.

كاتبة سورية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here