رامي الشاعر: لبيروت مع الحب!

رامي الشاعر

تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي رامي الشاعر في صحيفة “زافترا” عن الانفجار الدامي في بيروت الذي أودى بحياة العشرات ومحاولات تسييس هذه المأساة لمصلحة ضيقة أو هدف محلي.

على أنغام الحركة الثانية من كونشيرتو المؤلف الموسيقي الإسباني الشهير، خواكين رودريغو (1901-1999) للغيتار والأوركسترا، وبفكرة مبدعة من بنات أفكار العبقري زياد الرحباني، وضع الشاعر اللبناني، جوزيف حرب، كلماته الخالدة التي صدحت بها فيروز ” من قلبي سلام لبيروت”.

لقد كتب رودريغو عمله للغيتار والأوركسترا مستلهما حدائق قصر دي أرانخويث الملكي الذي أسسه ملك إسبانيا، فيليب الثاني، في النصف الأخير من القرن السادس عشر، وأعاد بناؤه فرديناند السادس أواسط القرن الثامن عشر.

لكنني أكاد أحس وأسمع وأرى أن رودريغو وزياد وفيروز اجتمعوا حول كلمات جوزيف حرب في مكان ما خارج حدود التاريخ والجغرافيا والمنطق، كي تصبح نبضات الغيتار في مطلع الأغنية، إيقاعا جليلا هادئا، تصدح على خلفيته السيدة فيروز بصوتها الملائكي الحنون: “من قلبي سلام لبيروت.. وقبل للبحر والبيوت”، وكأنما تضمد بكلماتها ونغماتها وحزنها الدفين جراحنا العميقة، التي خلفتها تلك الطعنة الغادرة التي جعلت من بيروت .. العروس النضرة البديعة الرائعة، مدينة منكوبة ثكلى، بين يوم وليلة، لتلتف حولها قلوب كل عاشقيها من جميع أنحاء الأرض، ممن آلمتهم الكارثة وطعنتهم المصيبة.

أسمع تلك الأغنية اليوم، وكأنها كتبت خصيصا لهذه المناسبة الحزينة، ولا لشيء سواها.

لقد أرسلت الأغنية لكل من يتواصل معي، فكان أثرها عليهم كما كان أثرها علي بالضبط. عبّر أغلبيتهم بصدق عن دموعهم التي انهمرت رغما عن إرادتهم.. كتب السياسيون منهم تعليقات أقرب إلى الشعراء منها إلى تصريحات السياسة، وعبر كثيرون عن تضامنهم وتعاطفهم واستعدادهم لبذل كل ما تتطلبه الظروف والمرحلة من أجل لبنان والمنطقة الأم، التي يكفيها ما أصابها..

بدت بيروت على الرغم من الدمار الهائل الذي لحق بها صامدة، وقادرة على أن توحد الجميع حول قضية واحدة، على الرغم من انتماءاتهم الحزبية المختلفة والمتضادة..

ألا يكفي ما أصاب ويصيب لبنان؟ ألم يحن الوقت كي يسود السلام، ويتعافى الاقتصاد، ويعاد الإعمار.. ألا يكفي ما ارتوت به أوطاننا من دماء الشهداء؟

على الجانب الآخر، وبينما أتابع ما تتناقله وسائل الإعلام المختلفة من التصريحات والتحليلات، التي يدلو بها المحللون والشخصيات السياسية، والتي يحاول فيها بعضهم إلقاء المسؤولية واللوم على الطرف المقابل، بينما يجتهد آخرون في تحويل الأنظار عن الحقيقة التي كانت السبب في حدوث الانفجار، واختراع أسباب أخرى من طائرات حربية، وأخرى مسيرة، وتحميل المسؤولية لدول أو تنظيمات.. وبينما يسعى الجميع إلى تسييس هذه المأساة لمصلحة ضيقة أو هدف محلي أو إقليمي أو دولي، رأيت وتابعت كيف لم تهتز ضمائر البعض، ممن اعتدنا أن نتابع تصريحاتهم وبرامجهم، ومضوا يصبون الزيت على النار، ويشعلون الفتن والعداوة بين الأطراف والمكونات المختلفة سواء في لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا، ويقسّمون الوطن بين دول الخليج المختلفة فيما بينها، ودول المنطقة التي لا ينقصها تصعيد في التوتر، ويتهمون هذا الطرف بالانتماء إلى تركيا، والآخر إلى إيران، والثالث إلى السعودية وهكذا.

وكأن المأساة اللبنانية الجلل، والكارثة الوطنية التي دفعت بأكثر من 300 ألف مواطن إلى العراء في ليلة حالكة السواد، وأودت بحياة ما قد يصل إلى 350 إنسان، كما تشير بعض التقديرات، وتسببت في جرح ما يزيد بكل تأكيد عن 5000 جريح، سيصبح منهم على الأقل 1000 من ذوي الإعاقة، ذلك إلى جانب 22% من المساكن التي تضررت ولم تعد قابلة للمعيشة. وكأن ذلك كله ليس سوى وقود لتأجيج الوضع في لبنان، والمنطقة، ومناسبة لتصفية الحسابات السياسية والعقائدية والطائفية، فأي عبث هذا؟!

يؤسفني شديد الأسف أن أتذكر هنا مقولة الشاعر المصري، صلاح عبد الصبور:

“لا أدري كيف ترعرع في وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد”

لكنه حقا ما أحسسته بينما أستمع إلى كل هذه المهاترات التي امتلأ بها إعلامنا العربي، بعد الحادث الأليم مباشرة، ولا زالت البرامج تمتلئ بهذا الغثاء.

إن كل المعطيات الحقيقة على الأرض تشير إلى أن الانفجار غير مخطط ، ولا توجد أي شبهة تحوم حول أي جهة خططت لمثل ذلك، وكانت المواد الموجودة في المرفأ معروفة، ولم يكن أحد يعتقد أنها بهذه الخطورة، حتى المسؤولين عن الإهمال بتخزينها لهذه الفترة الطويلة. لكن حتى الإهمال له أسبابه في الظروف التي يمر بها لبنان، والكل يعلم المشكلات التي وصلت إلى حد مشكلات جمع القمامة من الشوارع اللبنانية، وغيرها من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي حرمت اللبنانين حتى من ودائعهم وأرصدتهم التي جنوها طيلة عمرهم ووضعوها في مصارفهم الوطنية.

لقد وقع الانفجار نتيجة حريق وقع في المستودع، وتصاعد الدخان على مدى ساعة من هذا المستودع، بينما حاول عمال المستودع إطفاء مصدر الدخان بما لديهم من إمكانيات متواضعة، وكانوا على وشك النجاح في مهتمهم، لولا المفاجأة التي واجهتهم بوجود مواد متفجرة كالمفرقعات، يمكن أن تكون ألعاب نارية، وننتظر جهات التحقيق كي تؤكد لنا روايتها عن الحادث بناء على نتائج التحقيقات.

لكن الأهم فيما أرى، ألا نستخدم هذه الكارثة التي حلت على بيروت ولبنان والوطن العربي بأكمله في تأجيج الصراعات، وإشعال الفتنة بين اللبنانيين.. بل على العكس..

يجب أن تتوحد الجهود اليوم، ويتوحد لبنان، وينسى كل خلافاته، ويتضامن مع أسر الشهداء والمنكوبين، كما تضامن ويتضامن معهم العالم أجمع، ولابد أن يعيد العالم النظر في معاييره وشروطه التي يضعها أمام لبنان كي يقف إلى جانبه، ولابد أن تلعب جامعة الدول العربية دورا أساسيا في تقديم مساعدات مادية ضخمة تساعد بيروت على إعادة البناء وإنعاش الاقتصاد اللبناني من جديد.

من جانبها، أرسلت روسيا صباح اليوم مشفى ميداني من قبل وزارة الطوارئ الروسية، لا شك سيساعد في إنقاذ أرواح كثير من المصابين، خاصة المفقودين تحت ركام الأبنية المتهدمة.

لقد تجاوز لبنان سنوات الحرب الأهلية، وخرج الشعب اللبناني بمبادئ وقيم إنسانية رفيعة لا زالت مثالا على قبول الآخر والقدرة على التعايش على الرغم من الاختلاف، وعمت أجواء المصالحة الوطنية لثلاث عقود مضت. لذلك فأنا واثق من أن الشعب اللبناني لن يسمح بإشعال أي فتن تصدّع بناء المصالحة والوحدة الوطنية التي يقوم عليها لبنان الحديث.

وكما كانت السيدة فيروز تجمع بين اللبنانيين، إبان الحرب الأهلية، وتشكل بالنسبة للجميع حجر زاوية يمثل جزءا أساسيا من هوية الإنسان اللبناني، فلعل أغنيتها الرائعة “من قلبي سلام لبيروت”، واتصالها بتاريخ عريق يمتد لقرون وثقافات وحضارات مضت، تربط لبنان وشعبه بالجغرافيا والتاريخ والحاضر والمستقبل الذي ننتظره مشرقا بالسلام والأمل.

كاتب ومحلل سياسي

(روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here