رامي الشاعر: تباين في مواقف أستانا وأزمة المعارضة

رامي الشاعر

على الرغم مما يحدث وراء الكواليس في الأزمتين السورية والليبية ومؤخرا أزمة قرة باغ، تظل العلاقة الخاصة والودية بين زعماء روسيا وإيران وتركيا ضامنا لاستمرار التعاون والأمل في الحل.

على الصعيد السوري، يمر مسار أستانا بمنعطف مقلق، على صعيد العلاقات الروسية التركية الإيرانية، فمن جهة يصرح بعض المسؤولين الأتراك في أروقة الاجتماعات بعدم ضرورة مشاركة إيران في مسار أستانا، نظرا لـ “غياب أي دور في شمال غرب سوريا أو دور إيجابي أو سلبي على نظام وقف إطلاق النار في أرجاء سوريا”، ويذهب هؤلاء إلى أن إيران، على العكس من ذلك، تحرض النظام في دمشق على تحرير شمال غرب سوريا، وإعلان الحرب ضد التواجد العسكري التركي. كذلك تبدي تركيا عدم ارتياحها لمبادرة روسيا لعقد مؤتمر خاص بحل مشكلة اللاجئين وعودتهم إلى بلادهم دون التشاور مع تركيا أو مشاركتها في تنظيم فعالية كهذه، خاصة أن تركيا تستضيف 4 ملايين لاجئ سوري، بالإضافة إلى 3 مليون نازح من مناطق مختلفة في سوريا، تجمعوا على الحدود السورية التركية في شمال غرب سوريا،  وهي المنطقة التي تخضع الآن بشكل مؤقت للرقابة التركية.

من جهة أخرى، نلمح تململا إيرانيا من تجاهل دور إيران كعضو في مسار أستانا في التنسيق التركي الروسي في شمال غرب سوريا، وغيرها من القضايا الخاصة بسوريا، والتي يتم البت فيها دون مشاركة أو استشارة إيران، علاوة على انتقادات إيرانية غير معلنة لعدم اعتراض روسيا للطيران الإسرائيلي، الذي يكرر ضرباته ضد مواقع على الأراضي السورية، ما يمكن أن يضطر إيران لنشر قواعد إيرانية لحماية الأراضي السورية واعتراض الهجمات الإسرائيلية.

كذلك يوجد خلاف في وجهات النظر والمواقف بين روسيا وتركيا بخصوص الأزمة الليبية، حيث يعتبر البعض ذلك “تنافسا” بين البلدين على مصالح في ليبيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وهناك مواقف متباينة بين روسيا وتركيا وإيران فيما يتعلق بأزمة قرة باغ الأخيرة، التي أودت حتى الآن بحياة 5 آلاف إنسان من الطرفين، وعدد أكبر بكثير من الجرحى في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، من حيث معدل القتلى والجرحى في فترة وجيزة. وعلى العكس من مواقف كل من تركيا وإيران من الأزمة السورية، إلا أن الدولتين تتقاربان في موقفهما من دعم أذربيجان، والحساسية من وجود القاعدة العسكرية الروسية الموجودة في أرمينيا منذ 30 عاما. بل إن ذلك القلق من وجود هذه القاعدة قد وجد انعكاسا له في إغلاق إيران لمجالها الجوي أمام وصول الطائرات الروسية إلى القاعدة العسكرية كالمعتاد. من ناحية أخرى تعلن تركيا عن استعدادها للاستجابة الفورية والتدخل العسكري على خط الأزمة إذا ما طلبت أذربيجان ذلك.

لكن، وعلى الرغم من التباعد بين روسيا وتركيا وإيران في المواقف السياسية بشأن أزمة قرة باغ، إلا أنني واثق أن المهارة الدبلوماسية العريقة سوف تحول دون أن تؤثر هذه الخلافات على العلاقات الثنائية وتطويرها، وأتمنى أن يتحلى المسؤولين الأرمن والأذربيجانيين بالقدر اللازم من المسؤولية لوقف العمليات القتالية على الأرض، واللجوء فورا إلى الآليات الدبلوماسية، التي تمثل، وبكل تأكيد، الطريق الوحيد لحل النزاع في قرة باغ، وأخذ العبرة من الدول المجاورة، أطراف مجموعة أستانا، في التفاهم والتنسيق، وتجاوز الخلافات، وتعزيز العلاقات لخدمة أمن واستقرار وازدهار الشعوب في المنطقة.

أكرر أن الضامن الأساسي لعدم تفاقم هذه الأجواء المضطربة وغير المريحة هو العلاقة الخاصة والودية بين الزعماء بوتين وأردوغان وروحاني، والتي تحافظ على روح من التعاون البناء، والاستدامة والاستمرارية في حل القضايا المعقدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، واتخاذ القرارات المسؤولة التي تمنع حدوث شرخ في مسار أستانا، الذي يستند عليه أمن واستقرار ليس فقط منطقتي الشرق الأوسط والنزاع الأرميني الأذربيجاني، وإنما العالم الإسلامي بأسره.

على صعيد آخر، فازت روسيا بعضوية مجلس حقوق الإنسان لمدة ثلاث سنوات تبدأ في يناير المقبل، حيث جرت صباح الثلاثاء، 13 أكتوبر الجاري، انتخابات مجلس حقوق الإنسان، الذي فازت به 15 دولة من بينها روسيا.

لكن ما يدعو للأسى أن يلتف بعض قادة المعارضة السورية حول حملة لتوقيع “عريضة شعبية” احتجاجا على انتخاب روسيا للمجلس، بل وأصدر بعضهم تصريحات وبيانات صحفية، أخجل من عرض مضمونها هنا، تتناول روسيا والدور الروسي في سوريا واستخدموا ذات العبارات التي تستخدمها الدوائر الإعلامية الغربية في حربها الهجينة على روسيا، في ظل العقوبات والحصار الاقتصادي، الذي تهدف من خلاله واشنطن عقاب الشعب السوري وتجويعه، وتفجير حرب أهلية واسعة تقضي على مقومات الدولة السورية، وتحولها إلى دولة فاشلة.

إنه من المؤسف حقا ألا يقدر بعض القياديين في المعارضة السورية مصير البشر والأرض والوطن جراء اندلاع حرب أهلية لا قدر الله، كما لا يعي أو يدرك أي منهم طبيعة وحجم ونطاق الدور الذي لعبته روسيا ومحور أستانا لتفادي سيطرة داعش على سوريا، وتجنب نشوب حرب أهلية واسعة تذهب بالأخضر واليابس، وتدمّر دمشق وما تبقى من المدن السورية، مع وقوع ملايين الضحايا.

هل يعقل أن يصدر تصريحا كهذا من “شريك” سياسي كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فيتهم روسيا بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟!

إن العالم يحتفل هذا العام بمرور 75 عاما للانتصار على الفاشية، وإنقاذ العالم بأسره من ذلك الخطر الداهم الذي هدد البشرية والذي تم بفضل الاتحاد السوفيتي. كذلك تساهم روسيا اليوم بدور فعال في القضاء على فيروس كورونا الذي زال يشكل رعبا لملايين المواطنين في جميع الدول حول العالم، ولا أقول ما قدمته ولا زالت تقدمه روسيا للشعب السوري خلال السنوات الخمس الماضية. ثم نرى القادة في المعارضة السورية يعترضون ويحتجون، لا على العقوبات المفروضة على شعبهم، ولا على الجوع والفقر والمرض الذي تعيش فصول مأساته آلاف الأسر من اللاجئين السوريين بالمخيمات والعراء في مهب الريح، ولا على الظروف الصحية المريعة التي يعيشها المواطنون السوريون في الداخل السوري في ظل انتشار جائحة كورونا، وإنما يعترض هؤلاء على انتخاب أهم حليف ومنقذ لبلادهم لمجلس حقوق الإنسان، بعد أن صوتت غالبية الدول الأعضاء على هذا القرار.

فعن أي مستوى للمعارضة نتحدث، وعن أي دور في صناعة مستقبل سوريا نتحدث، وعن أي حدود دنيا من التضامن الإنساني، ولا أقول القومي أو الوطني نتحدث، حينما يحرض هؤلاء القادة على حرب أهلية.

إن التصريحات الصحفية الصادرة عن تلك الشخصيات القيادية دليل على أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية يضرب بقرار مجلس الأمن رقم 2254 عرض الحائط، ولا زال يعيش في أوهام “القضاء على النظام في دمشق”، وهو ما يخالف القرار، ويعطي المبرر للقيادة السورية في دمشق لعدم قبول التفاوض مع ممثلي الائتلاف، أو حتى مشاركتهم في اللجنة الدستورية.

ولكن ما يبدو أن التعليمات قد صدرت لقادة الائتلاف بإعاقة عملية التفاوض السوري السوري، وإفشال جهود هيئة الأمم المتحدة، من جهات خارجية وضعت أمامها هدف تقسيم سوريا إلى عدة دويلات، بصرف النظر عن التكلفة الإنسانية أو الجيوسياسية لذلك. فتصريحات كهذه لا يمكن تبريرها بـ “اليأس” أو “انعدام الأمل” بآفاق الحل السياسي، وإنما هي تصريحات تستهدف صراحة نسف مبدأ المصالحة الوطنية بين مكونات الشعب السوري من أساسها، ولا أراها سوى دعوة صريحة للحرب الأهلية والتقسيم.

لقد احتفل اللبنانيون منذ أيام بمرور عام على الحراك اللبناني المطالب بالتغيير، والحالم بحكم تكنوقراطي غير طائفي. وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية العاصفة المستمرة خلال العام المنصرم، والتي أدت إلى فراغ حكومي، لم تحدث صدامات بين اللبنانيين. وبعد تكليف رئيس “تيار المستقبل”، سعد الحريري، بتشكيل حكومة جديدة عقب حصوله على غالبية أصوات النواب في الاستشارات النيابية، وعلى الرغم من صعوبة المهمة التي تواجهه جراء الانقسامات السياسية، إلا أن الأمل لا يزال حاضرا لدى اللبنانيين في أن يتم تشكيل حكومة من التكنوقراط في أسرع وقت ممكن، ونأمل أيضا أن يتجاوب المجتمع الدولي بأقصى سرعة لتقديم المساعدات للبنان لوقف التدهور الاقتصادي، وبدء التعافي بخطوات سريعة.

لكن المرء لا يسعه في هذا المقام إلا أن يفكر في أن إعادة تكليف سعد الحريري بغالبية الأصوات ليست سوى دليل على أن لبنان قد تجاوز فعليا مرحلة الحرب الأهلية، وأن القيادات والقوى السياسية اللبنانية قد نضجت بما فيه الكفاية لكي تكون على مستوى المسؤولية، بحيث تضع المصلحة العليا للوطن والشعب فوق أي مصالح تنظيمية أو سياسية أو شخصية ضيقة.

أتمنى أن تقتدي النخب والقوى والأحزاب السياسية والمعارضة السورية بالتجربة اللبنانية، وطريقة تعاملها ومرورها بأحلك الأزمات، والقدرة على التوصل لحلول الوسط، وقبول الآخر، خاصة في أوقات المحن والكوارث.

(روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here