رامي الشاعر: ألا تستحق سوريا الوطن إسعافات بلا شروط؟

تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي رامي الشاعر في صحيفة “زافترا” حول شخصيات سورية يقيمون خارج الأراضي السورية وينظرون للمسألة السورية من علٍ، وينتقدون ما يحدث في البلاد.

تزاحمت الرؤى، والأفكار، والنصائح التي دفعت بها إلى السطح خطوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بتعيين سفير موسكو لدى دمشق، ألكسندر يفيموف، مبعوثا رئاسيا خاصا لتطوير العلاقات الروسية السورية، وما تبعها من مرسوم بتفويض وزارتي الدفاع والخارجية بإجراء مفاوضات مع الحكومة السورية لتسليم العسكريين الروس منشآت ومناطق بحرية إضافية في سوريا.

في هذا السياق انتشر عدد من المقالات، كتبتها شخصيات سورية، يقيم معظمها خارج الأراضي السورية ما يزيد عن عقد من الزمان، بعضهم هاجر بعد أن ذاقوا مرارة السجون السورية نتيجة مواقفهم السياسية.

هؤلاء يتمتعون اليوم بوضع اجتماعي مريح، ورعاية من أطراف أجنبية لها مأربها، ما يجعلهم ربما ينظرون للمسألة السورية من علٍ، ينظّرون، وينتقدون، فلا يعجبهم العجب، ولا الصيام في رجب.

ينصح أحدهم طهران بـ “بالتحرّك قبل فوات الوقت، بين شهر يوليو/ تموز المقبل، حسب أقوال العارفين بخبايا السجال الأميركي/ الروسي/ التركي الراهن وآرائهم بشأن توزيع الكعكة السورية”، ويذهب آخر إلى أن سوريا تغرق في “مستنقع” من الصعب أن تخرج منه بسهولة، الأمر الذي يذكّرنا بتصريحات مبعوث الرئيس الأمريكي للشأن السوري، جيمس جيفري وتهديده بجعل سوريا “مستنقعا” للروس؟!

وأن سوريا ” كالمريض المشرف على الموت، توقفت تقريبا جميع وظائف مؤسساتها الحيوية، أو في سبيلها إلى ذلك”، بينما “تراجعت أولوية معركة روسيا للتموضع الجيوستراتيجي العالمي إلى الصف الثاني أمام مواجهة الأزمة الصحية والاقتصادية والمالية التي تفاقمت بانتشار وباء كورونا”. وكتب ثالث أن “الصراع السوري قد انزلق إلى مربع الحل السياسي الذي يتم التفاوض الدولي حول تفاصيله الأخيرة”.

وبالتزامن أعلنت إحدى القوى السياسية البارزة “باسم جميع السوريين” عن “رفضها وإدانتها لأي (اتفاقات) أو (تفاهمات)، يتم إجراؤها عبر نظام الأسد”، وأكدت على “عدم شرعية” هذه التفاهمات أو الاتفاقات، التي “لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف، باعتبارها تتم في غياب التمثيل الشرعي للشعب السوري”.

بذلك التعبير البليغ “التمثيل الشرعي للشعب السوري” يصادر هذا المكون البارز من المعارضة السورية إرادة ملايين المواطنين السوريين الشرفاء، الذين يشكّلون مؤسسات الدولة السورية في الحكومة والجيش، وغيرهم من الشعب السوري الصامد في الداخل، ممن يعانون صعوبات من جميع الاتجاهات، ويعملون تحت أصعب الظروف لا لخدمة النظام أو الرئيس أو لصالح هذا المكون أو ذاك، وإنما حفاظا على اسم وكيان وسيادة الدولة السورية الحرة المستقلة، المعترف بها دوليا من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

يقيم كثير من هذه القوى المعارضة خارج البلاد في منافيهم الاختيارية أو القسرية، ولهم في ذلك كل الحق. لكنهم يتحدثون، وهو ما يثير بعض الأسئلة، باسم “الشعب السوري”، رافضين أي خطوة أو نشاط تقوم به روسيا أو الأمم المتحدة أو أطراف دولية أخرى أو حتى السوريين أنفسهم لإعانة الوطن في عثرته!

وإذا كان أحد هؤلاء الناشطين الإعلاميين السوريين قد وصف سوريا بـ “المريض المشرف على الموت” الذي لم يعتن أحد من المشاركين في هلاكها بالتخفيف عنها أو بإرسالها إلى “غرفة العناية المشددة”، فإن ما يحدث اليوم، وما نراه من جانب هؤلاء الناشطين بمختلف الانتماءات السياسية والمواقف، ليس سوى رغبة “مريضة” من جانبهم لإغراق سوريا في “المستنقع”، طالما ظلت تحت حكم النظام الحالي، حتى ولو تسبب ذلك في معاناة سوريا الوطن والشعب الصبور، وحتى لو تسبب ذلك في تدمير كل المؤسسات والكفاءات، التي لا زالت تؤدي دورها في دأب وصمت واحتمال يفوق قدرة البشر.

إن هذه المؤسسات والكفاءات ليست ملكا للنظام، وليست ملكا لأحد أيا كان، وإنما هي ملك لجميع السوريين، بما في ذلك أولئك الذين يرغبون اليوم في تدميرها، بالعقوبات الأمريكية، على شاكلة “قانون قيصر”، أملا في أن تعطف واشنطن بعد ذلك لإعادة بنائها من الصفر! حتى لو كان ثمن ذلك أكثر من مليون ضحية جديدة من أبناء الشعب السوري.

لقد ابتعد هؤلاء عن أرض سوريا، وحصل كثير منهم على جنسيات أخرى، وأصبحوا وعائلاتهم بمأمن من الخطر، ولتذهب بعد ذلك سوريا إلى الجحيم، أو تغرق في “مستنقع” يحاول الأمريكيون إغراق الروس فيه.

على الجانب الآخر من المعادلة السورية يحاول المقربون من النظام تحقيق هدف واحد وضعوه نصب أعينهم، هو عرقلة كافة الجهود أو المحاولات التي تبذلها الأطراف للشروع في عملية الانتقال السياسي، وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، في محاولة منهم للتمسك بأهداب النظام السياسي الراهن، خوفا من التخلي عن الامتيازات التي يتمتعون بها. خاصة أن هناك طبقة جديدة من تجار الحرب ظهرت في السنوات الأخيرة، ولسان حالهم يقول إننا وصلنا إلى حيث وصلنا، حينما كان تعداد سوريا 8 مليون نسمة، ولن نتخلى عن أي شيء حتى ولو كان الثمن انحسار تعداد السكان إلى ذلك الرقم.

لقد أصاب “العمى السياسي” أطراف المعارضة الناقمة على كل شيء، ولم تعد ترى أي بريق أمل للشعب السوري، ولا تعترف بمؤسسات أو جيش أو حدود الدولة السورية. وكأن سوريا قد خلت من الأطباء والمدرسين والمهندسين والمحامين وموظفي الخدمات العامة ممن يوفرون الكهرباء والمياه والحد الأدنى من الخدمات الطبية والتعليمية وغيرها لمن تبقى داخل سوريا. وكأن سوريا قد خلت من الأطفال والنساء والشيوخ وذوي الاحتياجات الخاصة ممن يعانون ظروفا شديدة الصعوبة، ويشكّلون الشريحة الأهم في النضال من أجل الحرية والسيادة والاستقلال والبقاء على قيد الحياة، من خلال عملهم اليومي الدؤوب.

اليوم وبينما تحتاج تلك الملايين (ما لا يقل عن 20 مليون مواطن سوري) إلى “غرفة العناية المشددة”، لإنقاذ ما تبقى من سوريا، تقف أطراف على الجانب الآخر في باريس ولندن وأنقرة ، بل ومن داخل النظام الحالي في دمشق، في محاولة مستميتة لعرقلة عملية نقل هذا “المريض”.

لقد انفصلت غالبية القيادات السورية المعارضة والمؤيدة للنظام، مع الأسف الشديد، عن واقع شعبها، ولا تريد أن تستوعب ضرورة وإلحاح الشروع في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، سعيا لإنهاء مأساة 20 مليون مواطن سوري، بينما تراهن أطراف في المعارضة على العقوبات الأمريكية بموجب “قانون قيصر”، ضد أخوتهم في الدم والعرق ولا أقول الإنسانية، إما لإغراق سوريا في “المستنقع”، أو لإطالة مدة تمسكهم بالحكم، وإبقاء الوضع على ما هو عليه الآن، ويبررون تواطؤهم هذا بأن الأزمة السورية انزلقت إلى مربعات سياسية لم تعد بيد السوريين.

فهل وصلنا بالفعل إلى هذه الهوة السحيقة من الحقد والغل والكراهية والعمى السياسي والعجز عن تصور واقع الأشياء وبديهيات المنطق؟

كاتب ومحلل سياسي

(روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. وهل تعتقد بأن تطبيق قرار مجلس الامن 2254 سيحل الوضع في سوريا؟
    إن هذا القرار إذا ماقبلت الحكومه السوريه بتطبيقه سو يتم عرقلته من قبل امريكا بحجج متعدده الى ان يتم الموافقه على التطبيع مع اسرائيل وقطع العلاقات مع المقاومه بل والمشاركه في القضاء عليها كي لايبقى عربي واحد يطالب ولو بالكلام بتحرير الاراضي المحتله… لذلك ياصديقي انت واهم في نظرتك لاننا عهدنا امريكا في ليبيا وفي العراق الذي كان باكمله تحت الحكم الامريكي المباشر ومضى على ذلك ١٧ عام دون ان يتحقق الامن بالحد الادنى ناهيك عن الاقتصاد المدمر والارهاب المدعوم من امريكا…. وليبيا اليوم كانت تحت حكم ازلام اوربا وامريكا انظر ماهو وضعها اليوم… لذلك لاتصدق الغرب مهما وعدوك لانهم يريدون مصلحة اسرائيل اولا وثانيا وثالثا وليس مصلحة العرب.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here