رامي ابو حمد: العين الراصدة.. قراءة في قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا

رامي ابو حمد

 أردت في هذه القراءة، تسليط الضوء على القصة القصيرة جدا في أعمال الكاتب ناجي ظاهر، التي كُتبت منذ بداية سنوات التسعين، وذلك من خلال قراءة موضوعية وأسلوبية في أعماله القصصية القصيرة جدا.

ناجي ظاهر غزير الإنتاج في مجال القصّ، بالنسبة لأعماله الأدبية في مجال القصة القصيرة جدا، فهناك مجموعات اقتصرت على القصة القصيرة جدا فقط، وهناك مجموعات أخرى تتضمّن قصصا قصيرة وأخرى قصيرة جدا. تعتبر المجموعة القصصية “نبتة رصيف” من أشهر مجموعاته في مجال القصة القصيرة جدا، وفيها يتناول الكاتب موضوعات متعلقة بالحياة اليومية البسيطة والمركبة في مدينة الناصرة، وفيها يتناول أيضا العديد من القضايا بينها لغة التواصل بين القائم والمنشود، الماضي والحاضر، قضايا تتعلق بنساء ورجال يبدون من مظهرهم وكأنهم عاديون ولكنهم في الحقيقة غير عاديين فيما يشعرون به. اعتمد الكاتب ناجي ظاهر في كتابته لهذه المجموعة على تجربة ذاتية، تسبق أعمال اليومي المعيش لتشير إلى ما هو جوهري وإنساني وبعيد الغور في النفس الإنسانية.

أمّا مجموعة “بلاد الرعب”، فهي تضم عشرين قصة قصيرة وقصتين قصيرتين جدا، وفي هذه المجموعة يطرح الكاتب أيضا قضايا وجودية مختلفة متعلقة بالحياة البسيطة في منطقة الناصرة، ويطرح فيها العديد من الأسئلة دون الإجابة عليها كما فعل في مجموعة “نبتة رصيف” تماما. وفي مجموعة “درس نورا”، التي تضم قصصا قصيرة وأخرى قصيرة جدا، تنطلق هذه القصص من الواقع وتنتهي إليه كذلك، وكثيرا ما تشطح بالخيال مع التركيز على الاستمرار الإنساني، كما وتمتاز قصصه بالتكثيف والشاعرية والقدر المتميّز من السرد.

تنتمي قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا إلى التيار الواقعي، جاءت لتظهر قضايا ومواضيع انتشرت وما زالت موجودة في المجتمع العربي في البلاد، كما وأنّها أظهرت تمسّك الإنسان بأرضه ومسقط رأسه، وحبّ الأرض والانتماء لها، والواقع الاجتماعي الذي يعاني منه الناس بشكل يومي. هاالم تقتصر قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا على ثيمات سلبية فقط، بل هناك ثيمات إيجابية تبعث السعادة في النفس البشرية كالاحترام المتبادل، الصداقة الحقيقية، الوفاء، حبّ المساعدة وغيره.

تُظهر بعض القصص علاقة الرجل مع المرأة، الخلافات العائلية بين الرجل والمرأة، سطوة المرأة وتصلبها في موقفها أمام ضعف موقف الرجل؛ حيث تظهر المرأة قوية صاحبة القرار، تقرّر أن ترفض الحياة مع الرجل بعد سنوات طوال من الزواج، أمّا الرجل فيظهر بصورة الضحية، الضعيف، المكبّل والمقيّد بالقانون وبمساندة رجال الشرطة.

كما وتطرح بعض القصص مواضيع تظهر اختلال المعايير والموازين في المجتمع العربي الشرقي، المحافظ على العادات والتقاليد؛ فهو مجتمع ذكوري، يكون الرجل فيه عمدة البيت، المعيل والآمر الناهي فيه. ولكن الكاتب يعرض لنا بعض القصص يظهر فيها الرجل بلا عمل، ملازم للبيت ليل نهار، لا يكترث لأحد ولا يقوم بتلبية حاجيات واحتياجات البيت والأسرة، بينما الزوجة هي التي تعمل، تكدّ وتتعب في العمل من أجل توفير المال الكافي لأسرتها.

يلجأ الكاتب إلى توظيف المكان في الكثير من القصص القصيرة جدا، حيث يُظهر اهتماما بالمكان، ببيئته ومحيطه، من خلال ذكر أماكن وأحياء تتعلق بمدينة الناصرة، وذلك عن طريق ذكر عدّة أماكن، أحياء وحارات في المدينة، نحو: الحي الغربي، الحارة الشرقية، جبل الدولة، منطقة السوق وغيرها. وكذلك قام الكاتب بتوظيف أماكن ومناطق أخرى، نحو: دالية الكرمل، حيفا، العفولة، المجيدل وغيرها.

 هذا التوظيف، إنّما جاء ليضيف واقعية أخرى على أعماله الأدبية القصيرة جدا، ومن جهة أخرى، ليؤكّد للمتلقي أنّه يقصد المجتمع العربي في البلاد. حيث يلجأ المذهب الواقعي إلى توظيف المكان الذي يعتبر من أحد دعائمه وذلك لإطفاء واقعية على النصوص الأدبية؛ فلأنّ القصة القصيرة جدا بشكل عام لا تلجأ إلى مثل هذا التوظيف، نجد أنّ الكاتب ناجي ظاهر لا يهتم بذكر تفاصيل المكان، بل يقتصر على ذكره فقط بدون التطرق إلى خاصيّته وتسليط الضوء عليه بشكل كبير، الأمر الذي يدفعنا إلى اعتبار عملية توظيف المكان نتيجة إطفاء جانب واقعي آخر على قصصه القصيرة جدا من جهة، والمحافظة على هوية وطابع القصة القصيرة جدا من جهة أخرى. أأبب

حافظ الكاتب الذي ينتمي إلى المذهب الواقعي على الحيادية؛ فهو يتطرّق إلى الموضوع بشكل موضوعيّ لا وفق معتقداته ومواقفه الخاصة؛ فالكاتب الواقعي مجرّد شاهد يدلي بشهادته حسب منطق الحوادث، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الكاتب غير مبالٍ بما يجري حوله، بل لا يريد أن يفرض آراءه على القارئ، فهو يسعى إلى شحذ الإرادة وتقوية الشخصية وإشعال القارئ، وتحميله مصيره ومصير مجتمعه، والبحث عن الأسباب والدوافع وإيجاد الحلول.

تعتبر الشخصيات من أهم سمات الاتجاه الواقعي، وذلك لأنّ كاتب الاتجاه الواقعي يهتم بالملاحظة الدقيقة لأشخاص الذين يريد أن يتناولهم، ليصبح الإنسان والمجتمع مادة الكاتب. ومن جهة أخرى، فإنّ دور الشخصيات في القصة القصيرة جدا حيوي جدا لإخصاب نمو السرد وهندسة مسارات عبوره نحو الاكتمال. فالشخصيات عند الأديب ناجي ظاهر تتماشى مع شخصيات القصة القصيرة جدا بشكل عام؛ فهي تحذف المعلومات المتعلقة بالشخصيات؛ العمر، الهوية، الحالة الاجتماعية، المهنة، الوضع الاقتصادي، الاسم، البيئة وغيره. كما وأنّها لا تقدّم معلومات حول مكان حدوث القصة، وحول تعقيدات النّص، وتقدّم المعلومات وكأنّها حقائق ثابتة بدون اللجوء إلى تقديم الشروح وهذا ما يسمّى “بارالايسِز” (Paralysis). ملامح الشخصيات محدودة جدا، بدون أسماء، اكتفى بتسمية الشخصية مستندا إلى رصيد اجتماعي، وفي بعض القصص اكتفى بالحوار أو الوصف الجسدي لتقديمها. ومن جهة أخرى، فهي تشمل جميع الفئات العمري. وهذا الأمر يخدم الاتجاه الواقعي، الذي يسعى إلى رصد الواقع كما هو بدون خصّ جماعة معينة على أخرى، ولا يقتصر على فئة عمرية معينة، فهو يعرض المجتمع ومشكلاته كما هو بدون تدخل أو تحيّز. كما ويفيد عرض الشخصيات بدون ملامح واضحة إلى تقصير حجم النّص وتكثيفه، خاصّة وأنّ القصص التي تُكتب وفق الاتجاه الواقعي تحتاج إلى تفصيل الأحداث. وهذا الأمر يصبّ في جوهر القصة القصيرة جدا التي تمتاز بالإيجاز (Summary)، ولا يتم فيها عرض الحدث بالتفصيل؛ بل يكتفي الكاتب بتوفير التفاصيل الأساسية والأولية، وذلك من خلال تقارير موجزة فقط، بدلا عن المشاهد التفصيلية.

اللغة عند ظاهر لغة سلسة بسيطة ومباشرة، خالية من التكلّف والتعقيد، يسعى من خلالها أن يعبر عن فكرته بوضوح، يستعمل في بعض الأحيان ألفاظا عاميّة من اللهجة المحكية ويمزجها مع الفصحى، وأحيان أخرى يكتب قصّة كاملة باللهجة الفلسطينيّة المحكية، اللهجة التي يتحدث بها المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، خاصة منطقة الجليل.

تعتبر عملية توظيف اللغة المحكيّة من أهم ملامح الاتجاه الواقعي؛ لأن أدب الواقع خصّص للشعب ولعامة المجتمع ليعالج جزيئيات الحياة وبساطتها المحسوسة. فاللغة العربية الفصحى هي لغة موحدة لجميع العالم العربي، بينما توظيف اللّهجة المحكية أو اللغة العاميّة في الأعمال الأدبية، هي إشارة من قبل الكاتب أنه أراد تصوير فئة معينة من الناس، يعيشون في بقعة جغرافية معينة ويتواصلون فيما بينهم بلغة خاصة لهذا المكان.

لقد حرصت الواقعية على الارتباط بالواقع وتسجيل خباياه وأسراره، والابتعاد عن الزخرفة اللفظية المعروفة لدى الكلاسيكيين وعن لغة الطبقات الأرستقراطية وتبنّوا لغة الشرائح الاجتماعية الشعبية. وهذا الأمر، ظهر عند ظاهر في مجال القصة القصيرة جدا حيث كتب قصصه بلغة مباشرة خالية من التكلّف ومن الزخارف اللفظية، بالإضافة إلى أنّه تطرّق إلى العامية الملطفة بصفته كاتبا واقعيا يكتب للطبقات الدنيا وللعامة، الذين يجدون صعوبة في فهم اللغة الفصحى المباشرة؛ فتوجّه لبعضهم بلغتهم العاميّة المحكية. أما بالنسبة للغة في القصة القصيرة جدا، فهي تقترب من الإلقاء الغنائي (Lyrical Diction)؛ لغة غير مباشرة، مليئة بالرموز والإيحاءات، ينقطع فيها التسلسل الزمني، السببي والربط المنطقي بين الجمل في المقطع الواحد. ونتيجة ذلك، أصبح هناك الكثير من المعاني للنص الواحد. وهذا الأمر، يجعل من عملية القراءة عملية صعبة وبطيئة للغاية، خاصة عندما تجتمع خصائص الشعر مع الجمل التصويرية والمجازية.

 تقوم الواقعيّة بمحاكاة الحياة ورصد شتّى المظاهر الاجتماعية، ولكن هذه المحاكاة ليست تسجيلا فوتوغرافيا، ولا نقلا آليّا لزخم الحياة بإيجابياتها وسلبياتها، جاءت من أجل الإصلاح الاجتماعي، بل هي عملية ابتداع للواقع وصياغته صياغة واعية تقوم على المتخيّل والتصوير والتشكيل؛ فالكتابة الواقعية عملية ابداعيّة تستند إلى الواقع وتستوعبه ثمّ تصبه في قالب فنّي متماسك ومنسجم. فنجد أنّ الكاتب يستعمل اللغة الفصحى البسيطة، المباشرة والخالية من التعقيد، وفي بعض القصص يخلط الكاتب بين اللّغتين العاميّة والفصحى وفي بعضها يستعمل اللغة العاميّة فقط. هذا الاستعمال يعتبر تأثيرا مباشرا من المذهب الواقعي على قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا.

بما أنّ اللغة فكر وتعبير، فإنّ لها كثيرا من الخصوصية في القصة القصيرة جدا، تقترب هذه الخصوصية من خصوصيتها الشعرية فيما لو أحسن التعامل معها. وخصوصية لغة القصة القصيرة جدا تتطلب بالتأكيد انبثاقا للصورة ومن ثمّة الانزياح اللغوي المؤدي إلى كثير من الخصب الإيحائي. ولكنّ اللغة في قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا ليست على هذا الحال، بل ظهرت لغة سهلة، مباشرة، خالية من التكلّف، مطعمة بالعامية. وهذا الأمر بدوره يشير إلى تأثير المذهب الواقعي على أعمال الأديب القصيرة جدا بشكل عام، وعلى الجانب اللغوي الذي يعتبر من أحد لبنات هذا النوع الأدبي بشكل عام.

هناك تنوّع في استعمال الضمائر في قصص ناجي ظاهر القصيرة جدا بالرغم من استخدامه لضمير الغائب بكثرة، كما ويبرز ضمير المخاطب في بعض القصص وذلك من خلال توجيه الكثير من النصائح، اللوم، العتاب والوصايا للمرأة في الاهتمام بنفسها وبزوجها وبالأولاد وبكل من يخصّها. ويستخدم الكاتب في بعض القصص ضمير المتكلم (الأنا)، وذلك من خلال الحديث عن شخصية ذكورية. كما ويستخدم الكاتب في بعض القصص ضمير المتكلّم من خلال تقمّص الراوي شخصية أنثوية.

هذا التنّوع في الضمائر، يشير إلى أنّ الكاتب رصد لنا مظاهر الواقعية في المجتمع العربي في البلاد؛ فهو مشارك في الأحداث، أحد الشخصيات في القصص، يتحدث فيها عن أحداث حدثت معه وكان لوجوده حضورا فيها، ويظهر ذلك من خلال استخدامه لضمير المتكلّم. وبالنسبة لاستخدام ضمائر الغائب، ففيها إشارة واضحة إلى أنّ الراوي هو راوٍ خارجي عليم بكل الأحداث؛ فهو يعرف بجميع خبايا النص وما يدور مع الشخصيات وما يختلج في صدورها، عاطفتها وأذهانها، وهذا التوظيف يعتبر إشارة واضحة من قبل الكاتب أنّه يرصد الواقع كما هو وكيفما يراه بدون التدخل فيه. وهذا الأمر، يعتبر إضافة أخرى على ملامح النصوص الواقعية ويشير إلى أنّ الكاتب عليم بكل هذا الواقع وهذا العالم الذي يحدثنا عنه. كما ويشير استعمال ضمير المخاطب إلى أنّ الكاتب يتوجّه إلى أفراد هذا المجتمع توجّها مباشرا، هذا التنوع في الضمائر يشير إلى واقعية هذه النصوص التي تتوجّه إلى جميع فئات المجتمع المتنوعة بتنوّع الضمائر.

  وفي الختام، لقد نجح الكاتب ناجي ظاهر من خلال قصصه القصيرة جدا، برصد الواقع وتقديمه لنا كما هو، وإلى تصوير الحياة في الطبقات الدنيا من خلال التركيز على ما فيها من شظف ومرارة وكفاح، متحديا القيود التي تضعها بنية القصة القصيرة جدا، وهذا بدوره يشير إلى أنّ الكاتب ناجي ظاهر، قد قطع الشكّ باليقين في التساؤل الذي يطرحه المشكّكون باستقلالية القصة القصيرة جداً (بوصفها نوعاً أدبياً داخل جنس السرد) مؤكدا لهم أنّ القصة القصيرة جدا، هي نوع أدبي مستقل له أركانه وتقنياته الخاصة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here