راضي د. شحادة: حرية التعبير vs حرية التطبيع السؤال الصعب: هل إسرائيل أمرٌ واقع؟

 

راضي د. شحادة

        في لحظة تاريخية محرجة نعيشها الآن، وبعد قرن من الزمان، يجد البعض من أبناء الشعب الفلسطيني المتبقين في وطنهم منذ سنة 1948 أنّه لا بدّ من الرقص بين حبات المطر فوق طين أرضنا   لكي نبني منه بيوتنا، لكنّها تحوّلت الى أرض موحلة، فإذا بنا نجد أنفسنا نغوص في متاهاتها، فيبدو رقصنا كرقصة الديك المذبوح من الألم.

    للحظة ما هُم يخطِّطون بحجة أنّهم يضحكون علينا ويستغفلوننا، ويستولون على كل شيء، وهم في الوقت ذاته يمثلون دور الضحية، بينما نستمر نحن في الرقص والوجود متشائلين، ظانّين أنّنا نمهلهم ولا نُهمِلهم، وأنّنا نستغفلهم ونضحك عليهم، وأن رقصنا قد يسعفنا على تخطي المرحلة التي لا بدّ لنا من تخطّيها مهما كانت محرجة ومؤلمة وخطيرة.

   هل عندما ننادي بمقاطعة هذا الكيان الغاصب، ولو مرحليا، فإننا سنكتفي، ولو مرحليا، بمقاطعته في القسم الذي يحتله في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وكأنّما زالت عنه صفة المحتل ضمن حدود ال48، أم أنّنا سنستمر في محاربته بكل الوسائل من أجل طُموح بَعيد المدى، من أجل استعادة فلسطين التاريخية التي تَعتبر الوجود الإسرائيلي الصهيوني على كامل أرضها هو احتلال كولونيالي، يُشترط من أجل استعادتها عودة ملايين المـُهَجّرين الى ديارهم؟

    السَّجَّان يقول لك:

 “مارس حريتك الاقتصادية والدينية والاجتماعية والثقافية، شريطة أن يكون كل ذلك ضمن شروطي وتحت سقف كياني الجديد. تستطيع أن تمارس فنونك وثقافتك وكتاباتك وإبداعاتك بكامل الحرية، لا بل سأقدّم لك الدعم المادي من أجل القيام بذلك من خلال مؤسساتي الرسمية، شريطة أن لا تتعرض لأمني ووجودي وكياني، الذي تدّعي أنّه في الأصل كان كيانك، بينما أقول لك لا تحلم بذلك لأنّني أنا هو البديل الأبدي”.

    عندما ينادي البعض بضرورة زيارة السجين من قبل أشقّائه العرب، فهل نكتفي بالقول أننا نزوره بهدف التضامن معه وشدّ أزره والترفيه عنه ورفع معنوياته، والتخفيف من عذابات السجن وآلامه، ، حتى وان تطلّب ذلك تصريحا رسميا من السّجاّن الذي يتحنّن على الزائر ويسمح له عبور الحدود لزيارة السجين، أم أنّنا نفضّل أن يزورنا في سجننا لكي يحّقّق لنا ما كنا نحلم به، وبخاصة إذا كان هو هو أبانا العالم العربي، بأن يساعدنا على التخلّص من السَّجان وفك قيودنا وتحريرنا كليا منه ومن سِجْنِه؟ هل مقولة زيارة السجين تنطبق ايضا على فلسطينيي ال48 ام أن البعض يعتبرهم قد أصبحوا خارج السجن وخارج معادلة الاحتلال لأنّهم مواطنون اسرائيليون؟

يبدو أننا في هذه المرحلة منقسمون الى ثلاث شرائح :

الشريحة الأولى: تظنّ أنّ إسرائيل أصبحت أمراً واقعا وحتميا لا فكاك من وجوده، وعلينا أن نعيش فيها ونتعايش معها كمواطنين فلسطينيين عرب متساوي الحقوق والواجبات، شريطة أن نقبلها كبديلة لفلسطين التاريخية.

الشريحة الثانية:  تظنّ أننا يجب علينا أن نتابع في رفض وجود اسرائيل بعنف وبذكاء لأنها قامت على أنقاض فلسطين التاريخية، وفرضت علينا قوانينها كشرط إجباري. إذا رفضناها فإنها ستعتبرنا نُهدّد أمنها ووجودها، فتخيّرنا بين أن نحاكَم في حال خَرَقْنا قوانينها لكوننا مواطنين فيها، وبين أن تعطينا حرية تسليم بطاقات هوياتنا الزرقاء والمغادرة.

الشريحة الثالثة: تظنّ أنّه يجب علينا أن نعمل بسياسة النَّفس الطويل ونكرّس إيماننا بفلسطين منتهجين أضعف الإيمان بما نملك من وسائل حقّنا في الوجود، ولو مرحليا، الى حين يسعفنا الوقت في الحصول على حقّنا العادل عن وعي وعن تخطيط مدروس يضمن لنا عدم خسارته كليا، مقابل التخطيط الذي يسعى اليه المحتل من أجل تحييدنا، وإن أسعفه الوقت والتخطيط والقوة فلن يتوانى عن تحييدنا كليا او إبادتنا.

وبما أنّنا الحلقة الأضعف في إمكانية اتخاذ قرارات مصيرية أمام المؤسسة الاسرائيلية التي تعتبرنا تابعين لقوانينها، ووجودنا فيها ومعها مرهون بذلك، فإنّنا نستطيع، ولو بأضعف الإيمان، أن نتابع مسيرتنا تحت سقف ثلاثة احتمالات ممكنة مرحليا:

  • لا نستطيع القيام بالمقاطعة الاقتصادية والتجارية، ولكن يمكننا أن نسعى لتقوية إمكانياتنا المادية لكي نقترب من إمكانية الاستقلال الذاتي.

  • لا نخدم في جيش اسرائيل وأجهزتها الأمنية والبوليسية لأنّها مصمَّمة ضد شعبنا وضد هويتنا الفلسطينية والعربية.

  • لا نشارك في عملية طمس هويتنا الفلسطينية الثقافية بحيث نرفض أن تحتوينا ثقافيا وسياسيا المؤسسات الاسرائيلية الرسمية، من خلال دعمها لنا ماديا بهدف تطبيق مقولة أنّ من يأكل من خبز السلطان عليه أن يضرب بسيفه.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here