رابعة وعولمة انقلاب السيسي ….

osama-najaty-sader1

أسامة نجاتي سدر

لا أستغرب أن يقوم جيش دولة ما بانقلاب ضد السلطة السياسية وترسيم قائد للوطن من الجيش أو من غيره، خاصة إذا انتهجت الأخيرة فكرا ونهجاً لا يقبله الشعب ولا يتوافق مع الأمن القومي، ويتمسك بالسلطة بغير وجه حق ويرفض أن يتخلى عنها، ليطبق نظاما جديدا يتفق مع إرادة الشعب وتوجهاته، وينفذ فورا خطة تنموية تؤتي أكلها سريعا وترفع عن الشعب كرباته، ويعزز مكانة الدولة بين أقرانها ويكيد أعداءها ويؤكد قوتها وعصيانها على الذل والاستكانة وخيانة الوطن ولو عبر وسائل الإعلام الرسمية والمتحدثين الرسميين.

أما أن يقوم جيش بانقلاب مفاجئ على رئيس شرعي مدني لم يكمل عاما من حكمه، ولم يبدأ بعدُ بأي عمل يلصقه بالكرسي إلى الأبد كما فعل أسلافه، جاء بعد ثورة على 60 عاما من حكم عسكري عبر صناديق الاقتراع، قهر الشعب وقضى على الثروات وجذَّر الفساد في مؤسسات الدولة، وبدأ بمشروع نهضة يعيد لها كرامتها ودورها ومكانتها بين شعوب الأرض وأقام دستورا مدنيا استفتى عليه الشعب، فأمر يضع الحليم في بحر حيرة متلاطم الأمواج.

إذا كانت الأمم المدنية تحرص أن تكون جيوشها قوية بسلاحها وجنودها ومكانته عند أبنائها، فإن الطغاة يعلمون أن الجيش إن كان قوياً مخلصاً أشد خطراً عليهم من العدوِّ الخارجي والقضاء وصناديق الاقتراع، فهو الأحرص على ثبات النظام الداخلي ليتفرغ للأعداء، ولذلك يعملون على إضعاف الجيش وربطه بوجود النظام وقوته، ولا يصل إلى الرتب القيادية إلا من تشبّع فساداً ودياثة، ويعطى من اقتصاد الدولة ما لا يسأل عنه أمام سلطة أو قانون، فإذا زال النظام فجأة انكشفت عورة هؤلاء القادة حتى يسعون إلى عودته بالتحالف مع الشيطان نفسه وبأي ثمن حتى لو كان دم أفراد الجيش نفسه قبل الشعب.

في مصر طلب الجيش من عدد من السياسيين والمثقفين المخالفين للإخوان الالتجاء للجيش للإطاحة بالرئيس مرسي بدعوى أخونة الدولة، ولبى الجيش فوراً فاعتقل الرئيس وأقفل الإذاعات الإسلامية وأعلن عن رئيس لا يملك أي حق أو كفاءة ليكون واجهة يحكم من ورائها السيسي، وإذ به يستهدف شعب مصر بشبابه وقيمه ودينه بغير رحمة وبلا توقف، ويتحالف معه دعاة الماسونية والليبرالية والعلمانية ليثأروا من الإسلام دينا ونظام حكم؛ لا يدل على ذلك البرامج الحوارية المليئة بالهجوم على كل ما يمثل الإسلام بذاته لا الإسلاميين بصفتهم على القنوات المدعومة من رجال أعمال المريخ !!! فحسب بل حظر جماعة الإخوان ومصادرة أموالها وإقصاء كل ما له علاقة بما يمثله الإخوان من التزام وأخلاق ودين، والانحياز الفظ للعلمانيين والليبراليين، وهتك حرمات المساجد وحماية الكنائس، ولا يهون من ذلك دعم شيخ الأزهر شخصياً أو بقاء حزب النور السلفي ضمن منظومة الحياة السياسية، لإقناع العالم (بغير جدوى)بعدل المؤسسة الرسمية واحترامها للاختلاف.

كان من غباء قيادة الانقلاب التوجه إلى الشعب عاطفيا، والهجوم على قيم الأمة ودينها من خلال دستور يحدد مواده العلمانيين والشيوعيين والمطربين والممثلين الإباحيين ، لأنها أشد تمسكا به من مصالحها الشخصية، وهو أشد الدوافع التي تعطي رافضي الانقلاب قوة للاستمرار بلا نهاية، وتمنع تونس حتى الآن من الاعتراف أو التواصل مع الانقلابيين، وتدفع البلاد التي دعمته بالبداية التململ وإبداء الضجر منه، أما انهيار الاقتصاد فهي تحرمه من دعم باقي الشعب، ثم حصار غزة وهدم أنفاقها تفقده دعوى الانتماء لهذا الشعب وهذه الأمة.

تتفق الأمة بكل أطيافها وأحرار العالم  على رفض الانقلاب على الشرعية في مصر، ليس لأنه انقلاب على الديمقراطية وإرادة الشعب فقط، بل لأنه أثبت رعونة قائده ودمويته وغباءه السياسي واستعجاله حصاد نتائج انقلابه، ومسه بكل قيم وثوابت الأمم المتحضرة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here