رائد محمد الحواري: مشاهد المعاناة الفلسطينية في رواية “عذبة” لصبحي فحماوي

رائد محمد الحواري

منذ فترة قريبة، تم الحوار مع الشاعر “محمد داود” ابن فلسطين الذي هاجر مكرها مخيم اليرموك إلى هولندا، وتحدثنا عن الانتماء، وهل يستطيع الإنسان أن يبدل وطنه/انتماءه/؟، فكانت الاجابة أن هناك شيء في العقل الباطن (الوجدان) لا يمكن أن يتغير أو يتبدل، وهو تعلق الفلسطيني بفلسطينيته ، وهذا يؤكده طرح “انطون سعادة” في “الإثم الكنعاني” فالفلسطيني/السوري مسكون بوطنه، بسوريته الفلسطينية، فمهما كان وضعه/مكانته، وأينما وصل، جغرافيا أو وظيفيا يبقى متعلقاً بكينونته، هذا حال الفلسطيني “عماد المنذر” الذي يسرد لنا سيرته الذاتية بشكل روائي، فالأحداث تمتد منذ كان طفلا في حيفا، مرورا بالهجرة الأولى عام 48، والثانية 67، وما تلاها من أحدات، وضمن هذا الزمن الطويل نجد مجموعة كبيرة من الشخصيات يتناولها “عماد منذر” وتعدد الأمكنة، فيحدث عن اكثر مكان، لكن القاسم المشترك لكل هذه الاماكن هو معاناة الفلسطيني، فهو “مسيح” هذا الزمن، هذا العصر، الذي لم يجدوا غيره ليعاد صلبه من جديد، وليخلص البشرية من إثمها.

والرواية تتحدث عن الألم والمعاناة، فهي قاسية وموجعة، وكما قالت “عائشة عودة” في روايتها “أحلام بالحرية”: الحديث عن الألم، ألم إضافي” من هنا كان على السارد أن يستخدم مخففات لهذه المعاناة والقسوة، فجاءت من خلال مخاطبته لحبيبته “عذبة” تلك الطفلة التي فقدها بسبب الهجرة، بعد 1948، فكانت هي التي تعطيه الطاقة ليحدثنا عن ألمه، ورغم شعورنا نحن القراء بها، من خلال تماهي “عماد المنذر” عندما يتحدث عنها، إلا أننا بحاجة إلى عناصر أخرى تخفف من حدة المعاناة، فكانت الأمثال، والحكايات، والأغاني الشعبية، وبعض القصص الحديثة ل ” زكريا تامر، و صمويل بيكيت، ” وبعض الاحداث التي قدمت بشكل ساخر تخفف من حدة القسوة في الرواية، وإذا ما اضفنا سلاسة الأحداث وتتابعها، واللغة البسيطة والسهلة، يمكننا القول أن السارد استخدم كل ما يمكن أن يخفف على القارئ، لهذا نقول اننا امام رواية قاسية في مضمونها، لكن شكلها وطريقة تقديمها ممتعة، من هنا يمكن تناولها بيسر وسهولة، وهذا ما يحسب لها وللسارد.

المرأة المُحفِّز على سرد هذه الأحداث هي “عذبة”، تلك الطفلة التي عشقها “عماد المنذر” منذ أيام الطفولة قبل الاحتلال فهي السبب وراء وجود هذه الرواية، فأثناء غربة السارد كان يخاطبها، يستمد منها القوة ليقدر على الحديث عن الألم والمعناة التي مر بها

يحدثنا عن “عذبة”: “كنت أهرب منك يا عذبة، في الوقت الذي يدفعني قلبي لأنطلق نحوك، ألمسك وأحضنك، و ألتصق بك، وأشُّم رائحتك المعطرة بعبق أعشاب الشومر والزعتر وشذى رائحة أشجار البلوط! غابات بكر، لم يمسسها أحد، وفي الوديان تنبثق ينابيع عذبة نقية، ..شعرك يا عذبة منكوش كغابة الكرمل، وليس أملس كالحرير ينساب على ظهرك كالشلال. عيناك خضراوان، بلون غابات الكرمل. أحبك كثيرا يا عذبة، وأتخيلك جوهرة متلألئة في غابات الكرمل،”

هذه اللغة البياض والناعمة جاءت بفضل “عذبة” فهي التي أخرجت “عماد” من السواد وجعلته يهيم في جمالها، وإذا ما قارنا هذا المقطع مع ما جاء في الرواية، يمكننا التأكد أن المرأة هي المخلص، وهي التي تفتح أمامنا عوالم جميلة، “فعذبة” جعلت عماد يعود إلى المكان، إلى الكرمل والطبيعة الفلسطينية، فجعلته يكتب بلغة ناصعة البياض.

الامثال الشعبية

يقربنا السارد من الرواية من خلال الأمثال شعبية، فهي تجعلنا نشعر بأن السارد قريب جدا منها، لهذا يتحدث بلغتنا، باللغة التي نستخدمها”

“أهلاً شباب الرينة ..كل عشرة بْقُطّينة”، وقوله:

“موت يا حمار حتى يأتيك العليق”، وأيضاً:

“اجت الحزينة تفرح ما لقيت مترح”

فمثل هذه الأمثال تجعل الرواية وشخصياتها قريبة منها.

المكان

السارد يتحدث عن مكان صريح وواضح عندما يتحدث عن فلسطين 48، ” وقبل خروجه باتجاه المدينة، حيث مكتب الحافلات المؤدية إلى حيفا،

 ” حلمت أنهم احتلوا قريتنا أم الزينات”، ” شاطئ عكا،”، ” مرج بن عامر وسفوح الكرمل،

 “فهناك يافا وحيفا وعكا، والكرمل، جاءت بتسميتها الحقيقية، وهذا يشير إلى المكانة التي يحملها السارد لتلك المدن والى تلك الأرض، لكنه بعد الهجرة يستخدم:

  “تم نقلنا إلى منطقة جديدة مجاورة لمدينة أنصار 13 فكَونا معسكرا جديداً ، أسموه معسكر أنصار13”

اعتقد عن هذا الشكل من التسمية مكان يعبر عن اغتراب السارد وعدم توافقه مع المكان الجديد، وكأنه بهذه التسمية يؤكد امتعاضه وحنقه على المكان من جهة، وعلى الحال البائس الذي يمر به من جهة أحرى، هذا الشكل من التسميات تم استخدامه على الأرض الفلسطينية (الضفة الغربية) التي هُجر إليها الفلسطيني، لكن هناك تسميات أخرى غير صريحة استخدمها السارد مثل: “البحرستانية”، و “نفطستان” والتي تشير إلى دول الخليج العربي، وهذه التسميات هي التي جعلتنا نقول أنها جاءت لتعبر عن سخط السارد وعدم توافقه مع المكان، فكانت التسمية تعبيرا عن رفضه لهذه الامكنة وأيضا تعبيرا عن تعلقه بالأثم الفلسطيني/الكنعاني.

الحيوانات والحشرات

غالبا ما يأتي ذكر الحيوانات والحشرات في الأعمال الأدبية ليعبر عن حالة الاحتقان التي يمر بها السارد، هذا ما جاء في مسرحية “لير” لشكسبير، ورواية “المسخ” لكافكا، “وحين تركنا الجسر” لعبد الرحمن منيف، وإذا ما تتبعنا هذا الأعمال نجد أن سارديها يعبرون عن حالة من الاحتقان والغضب والألم، وهذا ما نجده في رواية “صبحي فحماوي” “عذبة” مشاهد تتحدث عن الحيوانات كقوله :

 ” وقطط سوداء تتحرك فوق كومة من النفايات المتناثرة”،

“.. من النمل الذي يأخذ بالتضخم والانتفاخ فيتحول إلى تِّنينات”،

 “ويحك ذئب رقبته بقدمه فتمسك ثعباناً غارقاً في فرو رقبته”،

 “وثغاء المواشي وبكاء الأطفال”

كل هذا يخدم فكرة السواد والقسوة التي في الرواية، وكأن السارد بهذا الاستخدام كان يعبر/يمهد القارئ لتلقي أحداث قاسية وشخصيات تتألم

          النظام الرسمي العربي

 ما كان لدولة الاحتلال أن تقوم دون تخاذل النظام الرسمي العربي وتآمره ، فهو شريك في ما آل إليه الفلسطيني، فقد تشارك مع الانجليز ودولة الاحتلال لإنهاء شيء اسمه فلسطين وفلسطيني، يقدم لنا “عماد المنذر” صور القمع الذي مورس على الطفل “سامي” الذي هرب من قريته المقسومة نصفين، نصف مع العرب ونصف محتل من اليهود، فبعد أن يسلمه جنود الاحتلال إلى الجانب العربي، يتعرض للتعذيب الوحشي، رغم أنه طفل ” :

  • أنت شيوعي ولا؟

  • نعم سيدي ! أنا شيوعي”!”شيوعي؟،

  • أم اخوان مسلمين؟

  • “نعم سيدي، أنا إخوان مسلمين”

” *   أنت عميل ولا”

  • ” نعم أنا عميل سيدي.. أنا.. اقتلوني.. بس خلصوني”

التعذيب الشديد الذي تعرض له “سامي” جعله يعترف بتهم ليس لها وجود، فقد كان همه التخلص من التعذيب بأي ثمن، حتى لو كان الموت.

 هذه احدى الصور التي مارسها النظام الرسمي العربي بحق الفلسطيني.

الأب والأم

      غالبا ما تأتي الأم بصورة ايجابية، والأب بصورة سلبية، فهو رمز السلطة، وهو ببطشه، يتماثل مع النظام الرسمي العربي، لهذا أما أن يتم تغييبه، أو تقديمه على حقيقته القاسية:

 “أمي المسكينة كان أبي يضربها، ويشغلها من آذن الفجر، وحتى بعد منتصف الليل”

 فالصورة تعطينا حالة الأم الضحية ، والأب الجلاد.

 

الاحتلال والانجليز

يحدثنا “عماد” عن الانجليز وكيف كانوا يعاملون الفلسطينيين، فكانوا يسمحون للمعتقلين بشرب الماء، لكنهم منعوهم من التبول، هذا احدى الأساليب التي مورست بحق الفلسطينيين، أما الاحتلال فلم يتوانى عن استخدم أي وسيلة لجعل لفلسطينيي عميل له، فاحد المدرسين يصاب ابنه بالسرطان، فلا يقدر على دفع تكلفة علاجه، فيذهب إلى الطبيب (الضابط) يخبرنه بأنه لا يملك ما يغطي مصاريف المستشفى، فيرد عليه “الضابط” سنلغي كافة التكاليف، لكن مقابل ان تكتب لنا تقارير عن زملائك” وغم ضايق الحال يفضل المعلم أن يموت ابنه على أن يكون عميلا للاحتلال.

نابلس.. فلسطين

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here