رائد دحبور: سوريا وبداية انحسار الطوفان

raed-dahbour.jpg66

رائد دحبور

ها هي الإشارات الأوَّليَّة إلى بداية نهاية الأزمة السُّوريَّة باتِّجاه طريق الحل السياسي تتوالى وكأكثرِ من أيِّ وقتٍ مضى، و ليس آخرها ما رشح من مواقف وتصريحات غربية وتركية تحديداً، ويأتي في سياق ذلك أيضاً ما يوحي به الوجود العسكري الجوي والبحري الروسي المباشر والكثيف والواضح على الأراضي وفي الموانيء السوريَّة، كحقيقة من حقائق الإستراتيجيا المقبولة ضمناً من قبل القوى الغربية.

ويظهرُ الآن خطأ الرِّهانات التي كانت قائمة – من قِبَلِ بعض القوى الدَّوليَّة والإقليمية، مُضافاً إليها رهانات الكثير من القوى والحركات السياسية الإسلاميَّة وغيرها في عموم المنطقة – على إسقاط النِّظام السوري، وبما في ذلك خطأ الرِّهان على المواعيد الزَّمنية التي كانت مضروبة لإنجاز إسقاط النِّظام السُّوري بفعل طوفان الفوضى والتدمير والتخريب اللذان ضربا سوريا على مدى ثلاثِ سنواتٍ مضت بدعمٍ دولي وإقليمي غير مسبوق.

كانَ واضحاً – لكلِّ ذي عينين في رأسه – أنَّ مسألة التَّحرك لإسقاط النِّظام السوري لم تكن مجرَّد معركة تقودها المعارضة السوريَّة الدَّاخلية أو الخارجيَّة ضد النِّظام وَحَسْبْ، وبغضِّ النظر عن أسباب تلك المعارضة ودوافعها، وهي لم تكن في ذات الوقت مسألة صراع النظام السوري مع قوى المعارضة فَحَسْبْ – وبغضِّ النظر عن مدى الإتفاق أو الإختلاف حول عمق أو هامشيَّة قوى المعارضة أو حول مقدار تمثيلها للشعب السوري، أو مدى قدرة النظام والدَّولة السوريَّة على الصُّمود في وجه ذلك الطُّوفان من العنف والتخريب والتدمير المُمَنْهَج المدعوم دوليَّاً وإقليميَّاً – فلم يكُنْ ما جرى من أحداثٍ عصفت وتعصف بسوريا  بمعزلٍ عن دوافع وحسابات وأهداف وجهود القوى الدَّولية والإقليميَّة على طرفي نقيض مواقف تلك القوى من الأزمة منذ بدايتها وحتَّى الآن.

وباختصار فقد كانت الأزمة في سوريا تعبيراً واضحاً وانعكاساً جليَّاً ومنذ البداية عن صراع المحاور الإقليميَّة والدَّوليَّة في المنطقة، وعن بيئة التنافس الإستراتيجي والجيوسياسي فيما بينها، فلم يكن من السَّهل على تلك القوى التي كانت ترغب بإسقاط النِّظام السوري أنْ تفوِّت الفرصة الناجزة التي أصبحت بمتناول يدها، وفي ذات الوقت لم يكن من السهل أو من المقبول على القوى الحليفة لسوريا أن تُسلِّم بإسقاط النظام والدَّولة في سوريا، لصالح خدمة السياسات الأمريكيَّة والغربية في المنطقة، وبما يُناقض مصالحها الإقتصاديَّة والإستثماريَّة وتحديداً في مجال تمديدات خطوط نقل الغاز عبر سوريا، وفي مجال  الدور الذي يمكن لسوريا أنْ تلعبه على مستوى فاعلية فرص التبادل التجاري ومنظومة التجارة الدولية بشكلٍ عام، وكذلك مقدار أهميَّة موقع سوريا الإستراتيجي والجيوساسي، ومقدار ما سيؤثِّرُ التَّخلي عن سوريا في مستقبل وجود تلك القوى في المنطقة، ومستقبل دورها الإقليمي والدَّولي على المستويات السياسية والإقتصادية بشكلٍ عام.

فلم يكن مقبولاً على أمريكا وإسرائيل والمنظومة الغربية عموماً وإلى جانبهم حلفائهم من بعض الدول الإقليميَّة، وكذلك مختلف القوى التي ربطتها علاقات من التوتُّر والكراهية والصراعات المتلاحقة مع النظام السوري أنْ تُسلِّم بالحلول الوسط في سوريا والتي تتضمن القبول بدورٍ أساسي للنظام السوري في أيِّ حلٍّ سياسي واقعي للأزمة.

ولم يكن مقبولاً إحداث تغييرات جوهريَّة في بنية النظام والدَّولة في سوريا لدى روسيا العاملة على عودة دورها الدَّولي بقوَّة والَّتي كانت ترى فيما يجري في سوريا محاولة لتجريدها وحرمانها من آخر قواعد الإرتكاز لها في منطقة الشرق الأوسط وعلى شواطيء البحر المتوسِّط وبما يمثِّل البحر الأبيض المتوسِّط من أهميَّة استراتيجية بالنسبة لمخلتف القوى العظمى وبالنسبة لها تحديداً، وكذلك الصِّين التي تربطها علاقات استراتيجية واقتصادية بروسيا حليفة سوريا، والتي – أي الصين – لها مصالح تجارية واقتصادية في سوريا أصلاً وكذلك لدى إيران الحليفة لسوريا، وكذلك إيران وحزب الله اللذان لهما علاقات تحالف عميقة مع سوريا، وكذلك مختلف القوى المتحالفة معهم في محورٍ دولي وإقليمي بدأ بالتبلور بشكلٍ واضح منذ ما بعد عام 2005  مع بداية تشكل المنظومات الإقتصادية والأمنية الكبرى في آسيا وعبر أمريكا اللاتينيَّة؛ فلم يكن من السهل على كل هؤلاء أنْ يسلِّموا بمسألة إسقاط النظام السوري وإعادة صياغة الدَّولة في سوريا لصالح المنظومة الغربية ووفق أجندتها، ووفق أجندة ضرورات تحقيق شروط الأمن الإستراتيجي الإسرائيلي، الَّذي هو أولويَّة أمريكيَّة وغربيَّة أساساً.

لكلِّ تلك الأسباب قامت كل من روسيا والصين باستخدام حق النَّقض الفيتو أكثر من مرَّة لدى مناقشة مجلس الأمن للأزمة السوريَّة، وقامت روسيا بتشغيل منظومة الإنذار المبكر الإستراتيجي ووضعتها في متناول سوريا لدى اندلاع ما اصطلح على تسميته بأزمة الكيماوي السوري وفي ظل التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية لسوريا في حينه، ولذات تلك الأسباب تقوم روسيا الآن بنشرِ قواتٍ جويَّة وبواكير قوَّات بريَّة في سوريا، ووفق تلك الأسباب مُضافاً إليها العوامل المتعلِّقة بالعلاقة الخاصَّة بين إيران وسوريا بما في ذلك مسألة الصراع مع إسرائيل؛ قامت إيران بدعم سوريا عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وقام حزب الله بالقتال في سوريا. ولذات الأسباب  قامت إسرائيل في المقابل بدعم المجموعات المسلحة في الجولان وقصفت مواقع الجيش السوري في أكثر من مناسبة، وواصلت هي وأمريكا والقوى الغربية وحلفائهم من الدول الإقليميَّة بدعم قوى المعارضة ماليَّاً وعسكريَّاً وسياسيَّاً، وقامت كل تلك القوى بخلط الأوراق في سوريا كلَّما لاحت هناك فرصة من فرص الحل السياسي.

ولكن الآن وبعد زيارة كلٍّ من – بنيامين نتنياهو ، والرَّئيس التركي – أردوغان – مؤخَّراً لموسكو، وهما من الفاعلين الأساسيين في الأزمة السورية، وما رشح من مواقف كنتيجة لتلك الزِّيارات فيما يتعلَّق بسوريا، وتصريحات أوردوغان الأخيرة لدى افتتاح مسجد موسكو والتي قال فيها: إنَّ مسالة مشاركة الرئيس بشَّار الأسد في الحل الإنتقالي أصبح أمراً يمكن القبول به.

وبعد التصريحات والمواقف الغربية التي أطلقت على ألسِنَةِ المسؤولين الغربيين من العواصم الأوروبيَّة ومن موسكو أيضاً، وكذلك الإنتشار العسكري الرُّوسي على الأراضي السورية والقبول الأمريكي والغربي الضمني بذلك كحقيقة من حقائق الإستراتيجيا في المنطقة، ومحاولة إسرائيل تصوير ذلك انَّه يأتي ضمن التفاهم الروسي الإسرائيلي؛ فإنَّ كل ذلك يشي بأنَّ طوفان الأزمة السُّوريَّة بدأ ينحسر لصالح الحل السياسي الواقعي هناك مع دورٍ أساسي للرئيس السوري – بشار الأسد – في مرحلة أيَّ حلٍّ انتقالي وحتَّى ما بعد ذلك، وبما يضمن لروسيا وللقوى المتطابقة في الموقف معها من الأزمة السوريَّة دوراً أساسياَ إزاءَ ذلك الحل، وبما يضمن لروسيا أيضاً بقاء سوريا كإحدى مرتكزات عودتها إلى المشهد الدَّولي، وربما بما يؤهِّلها يف المستقبل للعب دوراً أساسياً على صعيد مفاوضات مستقبلية بين سوريا وإسرائيل وربما بين الفلسطينيين وإسرائيل.

بالإجمال، فقد كانت الأزمة السوريَّة وفي أهم تجلِّياتها تعبيراً عن الصِّراع الدَّولي والإقليمي في سوريا وعلى سوريا في ذات الوقت، وذلك أكثر من كونها مجرد صراع على السلطة بين نظام ومعارضة، وفي الوقت الَّذي كان فيه النِّظام السوري بحاجةٍ لحلفائه فإنَّهم كانوا أيضاً بحاجةٍ إليه كضرورةٍ من ضرورات حساباتهم ومصالحهم السياسيَّة والإقتصاديَّة وتحقيق أهدافهم السياسية والإستراتيجيَّة، وكما توقَّعنا وتوقَّع الكثيرون فإنَّ الأزمة السوريَّة لم تكن لتنتهي بانتصارٍ حاسمٍ ونهائي لأحدٍ من الأطراف المتعدِّدة التي انفعلت فيها حتَّى النُّخاع واصطفَّت فيها على طرفي نقيض جنباً إلى جنب، وكان واضحاً أنَّ إحدى أخطر نتائجها سوف يكون تدمير مقدَّرات وإمكانات وتراث سوريا وضرب نسيجها الإجتماعي، وربما كان ذلك إحدى أهم دوافع وأهداف بعض القوى التي كانت معنيَّة باستمرار أوار تلك الأزمة، ولكن – وفي ذات الوقت – فإنَّ مجريات تلك الأزمة ووقائعها وسيرورتها وعلى ضوءِ ما كان فيها من تجاذب وتنافس وصراع وصل إلى حدِّ الوقوف على حافَّة المواجهة العسكريَّة الإقليميَّة وربما الدَّوليَّة؛ كان يدفع إلى التَّوقع، أنَّ ذلك الطوفان السوري سينحسر في نهاية المطاف ربما بما سيوفِّر فرصة ولادة مشهد إقليمي – وربما مشهد دولي – جديد.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here