رئيس كتلة “الائتلاف الوطني” التونسية: الطلاق بين السبسي والنهضة ليس بائنا

القاهرة – جاكلين زاهر:

وصف رئيس كتلة “الائتلاف الوطني” البرلمانية التونسية مصطفى بن أحمد إعلان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي “انتهاء التوافق” مع حركة النهضة بأنه “طلاق رجعي لا طلاقا بائنا”، خاصة وأن الباب لا يزال مفتوحا أمام إمكانية تسوية الأزمة الراهنة بشأن حكومة يوسف الشاهد.

وقال بن أحمد، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إنه يتفق مع الآراء التي تعتبر أن حديث السبسي الأخير لم يقدم جديدا فيما يتعلق بحل الأزمة السياسية الراهنة، إلا أنه رفض في الوقت نفسه وصفه بالمحبط للآمال، خاصة في ظل إدراك الجميع لمحدودية صلاحيات الرئيس.

وأوضح :”السبسي تحدث عن انتهاء علاقته بحركة النهضة، وحمّلها مسؤولية ذلك الطلاق جراء عدم السير معه في المطالبة برحيل حكومة الشاهد … وبالمقابل نفت النهضة أن تكون قد طلبت إنهاء التوافق مع الرئيس وأعلنت تمسكها باستمراره … وبرأيي المسألة لا تزال مفتوحة … ما حدث يمكن وصفه بالطلاق الرجعي لا البائن لإمكانية تجاوز الخلاف باختيار حل وسط، ثم، وهو الأهم، أنني أرى أنهما لن يسمحا باتساع الفجوة بينهما لأن هذا قد يوفر الفرصة لتمدد التيارات الراديكالية التي تناهضهما بقوة”.

واستبعد السياسي البارز أن يعود التوافق بين الحركتين، اللتين تتقاسمان الساحة السياسية بالبلاد منذ انتخابات 2014 ، جراء ضغوط دولية كما حدث في بداية تحالفهما، وقال :”لا أؤمن بنظرية المؤامرة … وهناك تأثير للخارج ولكنه محدود”.

كما استبعد أن يسعي أي منهما لسحب بساط الدعم الخارجي من تحت أقدام غريمه بتقديم ملفات تثبت تورطه في جرائم إرهاب أو فساد، وقال :”بالطبع لا يوجد مستحيل، ولكن الاتهامات بين الطرفين قائمة منذ سنوات وأصبحت مستهلكة، دون أن يقدم أي طرف دليلا ذا مصداقية على ما يقوله”.

كما اتفق بن أحمد مع توصيف البعض لحديث السبسي بأنه “خطاب إعلان الهزيمة والاعتراف بانحسار النفوذ السياسي بما تضمنه من إقرار بعدم قدرته على الضغط على الشاهد للذهاب للبرلمان، وطلب التصويت بالثقة على حكومته”.

وأوضح :”لقد حاول السبسي تصوير عدم لجوئه بالوقت الراهن للمادة 99 من الدستور، والتي تكفل له كرئيس الدعوة للتصويت على طرح الثقة عن الحكومة، على أنه دليل على حسن النوايا وأن الخلاف مع الشاهد ليس شخصيا … ولكن في الواقع الرئيس يدرك أن قواعد اللعبة تغيرت وأنه حتى لو لجأ لتفعيل المادة 99 كما يطالبه خصوم الشاهد من داخل /نداء تونس/، تحت قيادة نجله حافظ السبسي، فإنه لن يوَفق في مسعاه كون أن الأغلبية بالبرلمان مع الاستقرار أي مع استمرار الحكومة.”

وعلق على تأكيد السبسي خلال الحوار على عدم وجود أي نوايا لتوريث الحكم لنجله بالقول :”نحن نصدقه، لأن توريث الحكم بالأساس طرح غير ممكن … إلا أننا لا نتوقع إطلاقا أن يغادر السبسي الابن موقعه كمدير تنفيذي للنداء رغم تدهور أوضاع الحزب ورغم حرص السبسي الأب في الحديث على الإشارة إلى عدم ممانعته لرحيل نجله عن الحزب”.

ورأى بن أحمد أن السبسي “لا يزال أمامه فرصة لترميم وتعزيز دور الرئاسة عبر اختيار دور محايد وتوفيقي بين مختلف الأطراف الأساسية، خاصة وأنه على المستوى الشخصي لا يزال يحظى بمكانة كبيرة”.

وقال :”الرئيس وحزبه يصران على رحيل الحكومة دون أن تتوافر لديهما أي مقومات منطقية لتحقيق ذلك، فلا توجد أغلبية برلمانية تساندهما، وليس بالإمكان لأسباب عدة حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة … وهذا الموقف يجعله في صدام وتوتر دائم حاليا مع باقي القوى السياسية … ونرى أن بإمكانه الانتقال لخيار وسط أكثر مرونة والتوافق مع هذه القوى”.

واستبعد أن تكون هناك أسباب أخرى خفية تقف وراء الخلاف الراهن بين الرئيس والنهضة، كرفض النهضة لمقترحات الرئيس بتعديل الدستور. وأوضح :”الخلاف الوحيد هو حول الحكومة …نعم الرئيس كان أشار لنقاط معينة بالنظام الانتخابي والسياسي ودعا لتعديلها باعتبارها تعيق النشاط السياسي ودواليب العمل بالدولة … إلا أن أحدا لم يتفاعل معها من الأحزاب”.

وحول موقف كتلته الائتلاف الوطني من الأزمة، قال بن أحمد :”نحن وجهنا النصيحة للرئيس مرارا بعدم خوض معركة لا تخصه بل تخص شخصيات أخرى بالنداء وغيرهم ممن يريدون التخفي وراء منصبه … هؤلاء الذين كانوا يتوقعون أن يعلن الرئيس في حديثه للجوء للمادة 99 …وحسنا فعل أنه لم يلجا لها للآن … وإذا لجأ لها فنحن بلا جدال سندعم استمرار الحكومة”.

وتواترت أنباء مؤخرا تفيد باعتزام الشاهد إجراء تعديل على حكومته خلال أيام لإشراك أطراف جديدة في الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار تقييم العمل الحكومي خلال العامين الماضيين، وأيضا تحسبا من احتدام وتيرة الأزمة وانسحاب الوزراء الذين يمثلون حزب النداء من الحكومة.

واستنكر بن أحمد محاولة البعض تصوير موقف كتلته في الأزمة على أنه دليل دامغ على تبعيتها لرئيس الحكومة، وأكد أن هذا الموقف نابع من الحرص على الاستقرار بالدولة بشكل عام.

وقال :”البعض لا يزال مستمرا في محاولة تشويهنا عبر ترديد شائعات بأننا نتبع الشاهد، وهذا الحديث نعده إهانة لتاريخ ووطنية جميع النواب الذين شكلوا الكتلة نهاية آب/أغسطس الماضي … لسنا تابعين لأحد، ولن نصمت على أخطاء أحد، وهدفنا الأساسي بالكتلة هو حماية الاستقرار وتجاوز الصعوبات التي تعرقل مسار الإصلاحات على المستويين التشريعي والتنفيذي للتخفيف من معاناة التونسيين”.

وأكد أن “توافقه الموضوعي مع حركة النهضة في دعم بقاء حكومة الشاهد لا يعني إطلاقا تحالفه معها، كما لا يجعله خصما للنداء”. ونفى أن يكون حزبه يسعى للانقضاض على حزب النداء وجذب المنشقين منه، وشدد :”نداء تونس كان قد بدأ بالفعل بالتفكك والانهيار قبل نشأة الكتلة وتبلور قوتها داخل البرلمان”.

وتحتل الكتلة حاليا المرتبة الثانية بالبرلمان بعد النهضة بعدد أعضاء يزيد عن 40 عضوا، وسط توقعات بأن يرتفع العدد خلال الفترة القادمة.

واعتبر أن “المعادلة السياسية بتونس قد تغيرت وأن النهضة والنداء فقدا بالفعل احتكارهما لها عبر فرض الشاهد لنفسه كقوة ورقم جديد بالساحة باجتذاب المؤيدين له داخل البرلمان وبالشارع أيضا، وذلك رغم كل المحاولات المستميتة التي بذلتها القوى القديمة والتقليدية لإعاقته خوفا من فقدان مواقعها “.

وقلل في هذا الصدد من الملاحظات والانتقادات التي يوجهها الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية تونسية) للشاهد بتبني سياسات اقتصادية تهدف في المقام الأول لإرضاء مؤسسات خارجية دون مراعاة لتأثيرها على المواطن العادي، وشدد على أنه “في ظل عالم الاقتصاد المفتوح والهياكل الاقتصادية الكبرى، تضاءلت الخيارات المتاحة أمام الحكومات التي تعاني أزمات مالية”.

واعتبر أن الأداء الحكومي خلال كارثة ولاية نابل شمال شرقي تونس كان جيدا رغم فداحة الخسائر وقلة الإمكانيات، داعيا الجميع للمشاركة بالمساعدة وعدم الاكتفاء بتوجيه الانتقادات.

وكانت الولاية شهدت مؤخرا موجة من الأمطار الغزيرة تسببت في سقوط ضحايا وإحداث دمار في البنى التحتية.

وفيما يتعلق بالموقف من الرئاسيات وما إذا كانت كتلته تعتزم دعم الشاهد إذا ترشح، قال بن أحمد :”نحن مشغولون الآن بقضية الاستقرار ولم نتطرق بعد للرئاسيات … الرئاسيات لها إطارها ونقاشاتها، فضلا عن أن لها شروطا قد تتوافر بالشاهد أو بغيره، وقد تتوافر بي شخصيا وأترشح … كل شيء وارد، وكما قلت فإن هذه المسألة لم تحسم بعد”.

ورغم حرصه وحرص كتلته على عدم المجاهرة بدعم الشاهد، فإنه يرى أن “الشاهد صارت لديه خبرة وثقل، وإذا تمكن من الخروج من الأزمة الراهنة منتصرا فإن كتلتنا لن تشكل عقبة أمامه إذا ما قرر الترشح للرئاسة ، ولن تمارس تجاهه ذات الابتزاز السياسي الذي مارسته النهضة بمطالبته أكثر من مرة بعدم الترشح للرئاسيات بالمستقبل مقابل دعمها لبقاء حكومته بالتوقيت الراهن … المواقف السياسية تبنى على المصلحة العامة لا على ما سوف يجنيه هذا الفريق أو ذاك”.

وسخر مما يطرحه البعض من أن النهضة بزعامة راشد الغنوشي قد قررت فض تحالفها مع السبسي بعد انخفاض أسهمه وقررت التحالف مع الشاهد بدلا منه، وعقد صفقة معه تقضي بالابتعاد عن موقع الرئاسة لصالح الغنوشي مقابل بقائه بموقع رئاسة الحكومة وامتيازات أخرى، وقال :”هذه سيناريوهات أفلام خيال علمي … والسياسة فن الواقع والممكن، ولا أحد يمكنه التنبؤ بشكل العلاقة بين أبرز أقطاب السياسة عند اقتراب موعد الرئاسيات”. (د ب ا)

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كانت العلاقة بين الشيخين (شيخ النهضة وشيخ النداء) تتأرجح صعودا و هبوطا طيلة هذا التعايش الإجباري الذي فرض عليهما في لقاء باريس.
    أما الحديث عن الطلاق (مرة ، مرتين أو بالثلاث) فليس في محله لأن الزواج لم يتم من أصله. وإن كان حصل غير ذلك فهو زواج باطل شهوده شهود زور وموانعه الشرعية عديدة أقلها انعدام الحب بين الطرفين.
    (فبحــــــــــيـــثوو لا يجتمع قطبا المغناطيس حتى لو دفعتهما نحو بعضهما جـــدا جــــــداااااااا)

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here